بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة – احمد نسيم برقاوي

بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة – احمد نسيم برقاوي

بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة
احمد نسيم برقاوي

إلى طلابي وزملائي وإلى كل محبي الفلسفة في وطن العرب وكل وطن .

الفيلسوف :

منذ أن تجرع سقراط السم عقوبة بتهمة الفيلسوف الذي يفسد عقول الشباب بدأت معركة الفيلسوف مع الوعي . و الحق إن منع الفلسفة من حق الوجود في بعض بقاع الأرض ليس مرده إلا إلى التهمة نفسها التي أودت بحياة سقراط ، وإلى التهمة نفسها التي نفت ابن رشد وجعلت البابا يمنع تدريسه ، و التهمة نفسها التي طردت إسبينوزا من الكنيس اليهودي .

للفيلسوف دائماً قول آخر يخدش المألوف و المعروف، و يفضح المستور و يكشف المكنون ، الفيلسوف لا يؤمن و لا يعتقد، إنه يفكر فقط . لا مرجع له سوى عقله و الواقع . يفرح بأخطائه بوصفها صوىً على دروب المعرفة ، ولا يكشف معنى وجوده إلا بحريته، غريب و مغترب و ساخر ، يطل على العالم من برجه العاجي كي يرى كما يرى النسر فريسته ،و هو يتجول في الساحات و يسكن الكوخ في الغابة السوداء . حين لا تنبت أفكاره التي يبذرها في حقل الحياة تكون الحياة ذاتها جثة ،و حين يبث فيها من روحه ما يحيي النفوس ، يكون قد آثر المنفى على الإقامة في الكهف . عنيد هو الفيلسوف، ما من مرة نزل كي يخاطب الناس بل يدعوهم للصعود إليه ، و لأنهم غالباً ما يكرهون الصعود يهربون من ندائه شاتمين.

الفيلسوف يغضب ولكن لا يدخل في شجار ، و النقد سناء من سناءاته ، و لانه لا يستعير قنديلاً من أحد في معركته مع الظلام يظنون بأنه يسير في العتمة و لا يرى ، و لا يعلمون بأن ذاته قنديله. 

الفيلسوف لا يغادر ذاته الفردة ، ولا يُصاب بعدوى الجموع ، ويكتب كي يعلم الذات الكسيحة المشي على الطرقات وحدها . و يمنحها بعضاً .من نور عينيه كي تستطيع أن ترى ما وراء الخيالات و الأشباح

يمنح الفيلسوف اللغة طاقة جديدة من روح الحياة ، و قدرة لم تعرفها على التعبير ، و يزودها بمفاتيح المعرفة، بالمفاهيم التي نادراً ما تموت و لكن قد يصيبها بعض البِلى فيجدد من روحها بما لم يكن في حسبانها . 

الفيلسوف المعمر الفريد على هذه الأرض ، ويقع بعض الناس في الظن بأن غيابه موت ،ولكن سرعان ما يعود بحلة جديدة مداداً لقلمٍ جديد . يعود مُكتَشٓفاً كما لو إنه كان يخفي شيئاً ثميناً وراء نصه . 

الفيلسوف عقل العالم بلا منازع ، لكنه عقل نهري منابعه لا تحصى، لا يغير مجراه ولكن يجدد ماءه بلا توقف ، يمنح جداوله بكل ما أوتي من خصلة الكرم لكل الحقول العطشى، حتى إلى الصحارى.نهر مريض بداء ما يجب . و لن يبرأ من داء كهذا مهما طال به العمر و لم ير الذي يجب . 

الفيلسوف يحب الحياة حتى لو حملته الحياة على أن يكشف عن اليأس و التشاؤم من أفعالها. إنما يكشف صور الموت دفاعاً عن الحياة . 

و في اللحظات التي ينفجر فيها الوجود الإنساني غاضباً من قيوده، تكون أجنحة الفيلسوف قد رفرفت فوق الوجود هادية لطريق الحرية .إذ لا تقوم علاقة أصدق بين الكائن و الحرية كما تقوم بين الفيلسوف و الحرية 

الفيلسوف لا ينخرط بالقيل و القال و الثرثرة و النميمة ، أي بالوجود الزائف ، بل يعش تجربة إبداع المفهوم الكلي المرتبط بأعم مشكلات الإنسان الكبرى : وجوده ، مصيره ، حريته، حضارته، اغترابه ، أخلاقه و قيمه ، جماله ، وعيه ، علمه ، سعادته ، ألمه ، حبه ، قلقه ….. 

وَيْل لأمة خاوية من الفيلسوف ، خواء الأمة من الفيلسوف خواؤها من العقل .

  • Social Links:

Leave a Reply