… انتفضت أطرافي الأربعة في لحظة الاختناق الذي أمسك أنفي و ضغط على رئتي، أين الأوكسجين ؟ أريد القليل منه، و أريد القليل من الضوء كي أعرف أين أنا، مددت يدي إلى المكان الذي أضع فيه القداحة فلامست لحما باردا، لاحظت أن البرودة تحتل كل أجزاء هيكلي العظمي، لم كل هذا الظلام و الرطوبة ؟
رفعت رأسي فلمعت الدنيا، و بدأت آلاف النجوم في الانطفاء و الانفجار، مع ألم شديد في جبيني، هل أنا في الثقب الأسود ؟
مددت يدي الأخرى إلى أنفي و أخرجت من فتحتيه قطعتين من القطن، آآآه، ما أجملك أيها الأوكسجين، كم أحبك، الآن عرفت لم يقتل الناس بعضهم من أجلك .
و عرفت الآن أيضا، بأن القماش الذي أرتديه هو كفني، و أن الألم الذي ألم بجبيني هو من الحجر الذي فوق رأسي .
-يا رووح … يا روووح …
رباه، ما هذا ؟ ما الذي يحدث ؟ هل هذا الصوت حقيقي أم أنه وسواس ؟
هل أنا ميت ؟ إذا كيف استطعت نزع القطن من أنفي ؟
هل أنا حي ؟ إذا لم الحجر فوق رأسي ؟
-يا رووح … يا روووح … وصلت يدي إلى كفنك، التربة بيني و بينك رخوة جدا .
عظامي أصلا ترجف من البرد و الرطوبة، لكن هذا الصوت المريع المفاجئ جعلها تصطك و تقرقع و تقلد أصوات ماكينات المصانع .
ارتبكت جدا و احترت، تداخلت و تناطحت و تزاحمت المشاعر مع بعضها، هل أرتعب من اللحظة ؟ أم أندهش من غرابة الوضع ؟ أم أستسلم لحالة الذعر ؟ أم أدع عظامي تكسر بعضها ؟ أم ألملم ما تبقى من لحمي ؟ أم أرد على مصدر الصوت ؟
-يا رووح … يا روووح … هل تريدين أن أفك عنك الكفن ؟
يا مامااااا … يا ربييييي …
رفعت يدي التي فشلت في إيجاد القداحة إلى رأسي و مزقت الكفن قرب العقدة، فامتلأت عيني بالتراب .
كم أنا غبي .
-يا رووح … يا روووح … أنا الجثة التي على يمينك، قولي شيئا .
صاغرا، كاليائس تماما، صحت : خلصوووني، دخل التراب إلى عيني …
و رحت، كالممسوس، أمسك عظمة فتفلت عظمة و تهتز أخرى، مع رجفان الجميع .
و ملأت آآآآآهتي أنحاء المقبرة .
تفكك هيكلي العظمي و اختلطت قطعه مع التراب و مع قطع الهياكل الأخرى التي حولي .
علمت، فيما بعد، أن صاروخا انفجر في المقبرة، فمات جميع قاطنيها للمرة الثانية، لكن أرواحهم هذه المرة، بقيت تتجول عارية في السهول و السواحل و الصحارى و الجبال .
حلب 3-1-2019

Social Links: