الكاتب: مرصد مينا
إن المتأمل في أحوال العالم المتقلبة اليوم، سيلحظ -بلا شك- وجود ظاهرة تبدو غريبة وتطرح تحدياً كبيراً على علم الاجتماع، نظراً إلى كونها تبدو ظاهرة غير مفهومة أو ربما لم يعمل مبضع النقد والدراسة والبحث بها بما يكفي حتى اليوم، ونعني انتشار موجة العداء للاجئين والنزوح فكرياً نحو العنصرية والانغلاق ورفض الآخر في أوساط الفئات الاجتماعية التي كانت يوماً ما محسوبة على اليسار العالمي أو الشيوعية، كما نرى في بلدان أوروبا الشرقية. وقد يكون توسع اليمين الألماني وانتشاره في ألمانيا الشرقية التي كانت يوماً ما محسوبة على المعسكر الاشتراكي خير دليل على ذلك، ما يطرح أسئلة كبيرة عن أسباب هذا التحول، هذا إن كان الأمر تحولاً أساساً!
من جهة أخرى، ثمة ظاهرة في بلداننا تبدو قريبة مما يجري في الغرب، ألا وهي ظاهرة موقف “اليسار العربي” من الثورات والقطاعات الشعبية التي قامت بالثورة، إذ في الوقت الذي كنّا فيه نظن أن الثورات ستجد لها رديفاً في الأحزاب اليسارية والعلمانية والقومية، بافتراض أنهم حملة الأفكار الثورية واليسارية والاشتراكية والمدافعين عن حقوق العمال والفلاحين والطبقات المسحوقة في وجه تغوّل رأس المال، فوجئنا بأن موقف القسم الأبرز من هؤلاء يقف إلى جانب الدكتاتورية، متبعاً موقفه هذا بموقف ازدرائي من الطبقات الثائرة، بوصفها “هوامش” أو أنّ وعيها لا يرقى إلى مرتبة الثورة وغيرها من الصفات التي أطلقت على وصف الحراك من قبل هؤلاء، وهو الموقف المكمل لرأي السلطات التي وصفت الثائرين بأنهم “إرهابيين” و”سلفيين” و”مخربين” وما إلى هنالك.
إذّاك، نكون أمام أسئلة تطرح نفسها: لماذا يتشابه موقف اليسار الأوروبي والعالمي تقريباً من موقفه من الدكتاتورية؟ ولماذا تحولت بيئات هذا اليسار من موقف أممي مرحب بكل الشعوب على وجه الأرض، إلى الانغلاق والتعصب ورفض اللاجئين؟ وهل هناك صلة ما بين هذين الموقفين عربياً وعالمياً، وبخاصة إذا عرفنا أن النائب عن حزب البديل لأجل ألمانيا، كريستيان بليكس الذي زار دمشق في آذار/ مارس 2018، قال في تغريدة له على وسائل التواصل (بعد أن أشاد بالحرية التي تتمتع بها نساء دمشق): “يرتدين سراويل الجينز عوض الحجاب الأسود! يجلسن في الحانات. وهذا ما لا يمكن تصوره في مكة ولا في حي نويكولن في برلين. والحكومة (الألمانية) تدعم الإرهابيين، الذين يريدون قمع النساء تحت البرقع. إنه فعلاً لعار”، الأمر الذي يجعلنا نلحظ في هذا التصريح، الموقف المؤيد للدكتاتورية من جهة عبر تلميع وجهها بالزيارة، والكذب الصريح حين مقارنة دمشق بحي نويكولن في العاصمة البرلينية، حيث إن نسبة المحجبات فيه تبقى أقل كثيراً وبما لا يقارن بها في دمشق، إضافة إلى تشابه هذا الموقف مع موقف اليسار العربي والعلمانيين العرب الذين يقارنون كل شيء من هذا المعيار الضيق للعلمانية.
الموقف من اللاجئين وصعود اليمين
لا شك في أن مسألة اللاجئين التي أصبحت أحد أهم المحاور المطروحة على الأجندة السياسية في دول الغرب، تعدّ المعيار الكاشف لهذه التحولات، وبخاصة حين نلاحظ أن البلدان التي كانت سابقاً، في زمن الحرب الباردة، محسوبة على المعسكر الغربي الرأسمالي الليبرالي، هي الأكثر استقبالاً للاجئين وترحيبا بهم، في حين إن بلدان أوروبا الشرقية التي كانت محسوبة على الأممية الاشتراكية، هي الأكثر رفضاً للاجئين، من دون أن يعني هذا أن دول الغرب الليبرالي خالية من هذه المواقف، بل على العكس، يبين صعود اليمين ووصوله إلى الحكم في أكثر من بلد أوروبي أو تحقيقه نتائج جيدة في الانتخابات أن أوروبا الليبرالية غير محمية من هذه التطورات، مع فارق أن اليمين في دول أوروبا الغربية هو يمين من التركيبية السياسية لهذه البلدان، بما يعني أننا هنا تجاه أحزاب يمينة قديمة، وموقفها من مسألة الهجرة واللاجئين هو موقف قديم، إذ يتمركز خطاب هذه الأحزاب حول الهوية والمحافظة عليها، مع حدوث تطورات لافتة في هذا السياق أيضاً، ففي ألمانيا كان حزب ميركل وهو حزب يميني (الاتحاد الديمقراطي المسيحي) أحد أهم الأحزاب التي وقفت مع مسألة اللاجئين، علماً أن ميركل نفسها آتية من ألمانيا الشرقية حيث عاشت وتعلمت (مع أن مولدها كان في هامبورغ في الغربية ثم انتقلت مع العائلة إلى الشرقية)، في حين إن مقاطعات ألمانيا الشرقية التي كانت “اشتراكية” قبل توّحد الألمانيتين شهدت مؤخراً صعوداً يمينياً لافتاً، إلى جانب موقف معادٍ بوضوح للاجئين، وعودة ارتكاب الجرائم العنصرية ضد الأجانب.
ذكر التقرير السنوي لجهاز المخابرات الداخلية الألماني أن الجرائم العنيفة التي يرتكبها المتطرّفون اليمينيون قد انخفضت منذ عام 2016، لكنها ما تزال متكرّرة الوقوع في الولايات الألمانية الشرقية الخمسة أكثر منها في الغربية” فما الأسباب التي أدت إلى ذلك؟ سنعتمد هنا حالة ألمانيا نموذجاً للدراسة عن صعود اليمين في شقها الشرقي وموقفه من اللاجئين والدكتاتورية.
أمثلة عن موقف اليمين الألماني
في آذار/ مارس 2018 قام وفد من حزب البديل لأجل ألمانيا -الذي حقق نتائج جيدة في ألمانيا الشرقية في الانتخابات الأخيرة- بزيارة سوريا، وسوّغ الحزب زيارته رسمياً بالقول: “بسبب كون التغطية الإعلامية في ألمانيا لا تشكل مصدراً موثوقاً لتقويم الوضع على الأرض في سوريا، فإن الهدف من الزيارة هو تفقد الأوضاع الإنسانية وجهد إعادة البناء في المناطق المحررة من الإرهابين”. والهدف من هذه الزيارة كما يقول الحزب هو التأكد إذا ما كانت سوريا بلداً آمناً أم لا، كي تبدأ عملية إعادة اللاجئين إلى بلادهم.
وكانت الكتلة البرلمانية في الحزب، قد دعت -بعد وصولها إلى البرلمان أول مرة- إلى أن تقوم الحكومة الألمانية بتوقيع اتفاق مع بشار الأسد لإعادة اللاجئين، وهو الأمر الذي ردّ عليه حزب الخضر المعارض على لسان النائب لويزه أمتسبرغ بالقول: “بهذا المقترح يتصرف حزب البديل من أجل ألمانيا وكأنه الناطق الرسمي باسم الأسد”، ويتبنى الحزب مناوئين للاجئين ويطالب بإغلاق الحدود مباشرة وكلياً.
الأسباب
(1): يعيد عدد كبير من السياسيين والمفكرين هذا الأمر إلى جوهر اقتصادي، إذ ما يزال التفاوت بين ألمانيا الشرقية والغربية كبيراً من الناحية الاقتصادية ومن ناحية توفر فرص العمل وتنمية المناطق، حيث تتركز الصناعة والتجارة والمال والفرص الكبرى في الغربية من دون الشرقية. وهذا أمر تعززه الإحصاءات التي تقول إنه على الرغم من ارتفاع مستوى الدخل وقلة نسب البطالة إلا أن “متوسط الدخل في الولايات الشرقية السابقة يَتَخلّف عن الولايات الغربية السابقة بحوالى 15 في المئة”، إضافة إلى أن الشركات الدولية والعالمية تركز عملها في البيئات الغربية تركيزاً أكبر كثيراً من الشرقية. وهنا يشير المحلل الألماني هانز بفايفر إلى أن “انخراط المهمّشين اجتماعياً، والغاضبين من السلطة والأحزاب السياسية وانضمامهم إلى صفوف هذه الجماعات العنصرية الخطرة، يثير شجون الماضي النازي وآلامه، وهو الذي علمنا أن الحشد المنظم يمكن أن يصل إلى مستوى خارج عن السيطرة”.
بعضهم يرد على أنّ هذا الأمر ليس وليد سياسات الحكومة التي تعمل جاهدة لإيجاد حلول لتلك المسائل، بقدر ما هو وليد الإرث الثقيل لألمانيا قبل توحدها، إذ ما زالت المناطق الشرقية تفتقد إلى العمالة ذات الخبرة الجيدة والمهارات الاقتصادية. ولكن على الرغم من ذلك، تبقى النتيجة نفسها، ألا وهي أن الوضع الاقتصادي والتمايز اقتصادياً بين الشرقية والغربية يؤدي إلى تزايد اليمين الذي يرى أن الغرباء واللاجئين يأخذون فرص العمل وأموال الضرائب التي يدفعون.
(2): إضافة إلى الجانب الاقتصادي، هناك التمييز الذي يشعر به الألمان الشرقيون، فأغلب رجال المال والسياسة والصحفايين المعروفين هم من ألمانيا الغربية، ما يجعل أهل الشرقية يشعرون بالحرمان فيعبرون عن إحباطهم هنا باللجوء يميناً.
(3): يقطن في ألمانيا الشرقية عدد قليل من اللاجئين مقارنة بالغربية، ما يعزز المواقف المسبقة عن اللاجئين، إذ لا يحظى هؤلاء بفرصة الاحتكاك معهم عن قرب كما يحصل في الغربية، فتصبح الهوة متزايدة بين الطرفين، وبخاصة في ظل تحول ملف اللاجئين إلى ورقة سياسية تستخدمها كل الأحزاب في سبيل الوصول إلى السلطة، بما في ذلك الأحزاب التي تقف مع اللاجئين، لأن إبقاء ملف اللاجئين ضمن دائرة السياسة والإعلام، يساهم في التحريض ضدهم، من ثم اتخاذ مواقف معادية أو مؤيدة، ما يعني أن الحل الأمثل هنا إبقاء الملف ملفاً إنسانياً بعيداً من التوظيف السياسي وهذا أمر شبه مستحيل أيضا.
(4): هناك شعور بالدونية لدى أغلب الألمان الشرقيين تجاه ذوي الأصول الغربية، إذ يشعر هؤلاء أن القرارات تفرض عليهم فرضاً، وأنهم لم يستشاروا بما فيه الكفاية في عدد من المسائل المهمة، بدءاً من تفكك المنشآت الصناعية الكبرى في الشرقية إلى السياسة الألمانية الحالية، الأمر الذي يجعلهم يشعرون بالإحباط. إضافة إلى الشأن الاجتماعي، فالشرقيون يشعرون بأن الغرب متعالٍ عليهم، وأنهم محض مادة للتحليل وليسوا شركاء بما يكفي، وهو ما يرد عليه الباحث يوهانس ستايملر “نعم، الألمان الشرقيون تحت مجهر التحليلات النفسية”، مفترضاً أن أمراً كهذا ليس مجحفا لأنه “يمكنك أيضاً النظر إلى الأمر على هذا النحو: فالشخص الذي يخضع للتحليل النفسي لديه الفرصة للتحدّث، والتعبير عن نفسه”.
(5): إن عمر الديمقراطية قصير جداً في ألمانيا الشرقية التي كانت تعيش في ظل نظام شمولي قياساً بنظريتها الغربية، ما يعني أن ثقافة الديمقراطية لم تتجذر بعد في حياة الشرقيين، وذلك ينعكس في سلوكهم ومواقفهم ومن بينها اللجوء نحو اليمين، وهو أمر إيجابي وسلبي، إيجابي لأن الديمقراطية ممارسة، وعمر الديمقراطية لدى الشرقيين قصير قياساً بالغربيين، ومن ثم فإن هؤلاء يتعلمون من التجربة، وسلبي لأن هذه الديمقراطية هي نفسها التي تعطيهم الفرصة للتعبير عن أنفسهم يميناً، حيث يعبرون عن إحباطهم عبر صناديق الاقتراع.
(6): هناك مسألة ثقافية اجتماعية، تتعلق بالبيئات التي عاشت في ظل الدكتاتوريات ذات الأيديولوجية العلمانية أو الاشتراكية، حيث رفعت الدكتاتوريات شعارات براقة في حين إنها لم تكن أكثر من شعارات وأدوات للحكم، فتحرير المرأة والاشتراكية والإصلاح الزراعي والعداء للديمقراطية الغربية والإمبريالية، هذه كلها لم تجد صداها في الثقافة السياسية والاجتماعية لدى أغلب هذه الشعوب التي حكمت بدكتاتوريات علمانية، فقد عمدت الأخيرة إلى المحافظة على الثقافات مادون الوطنية كما هي بغية استغلال المجتمعات، ولم يجرِ العمل على تعميق الحداثة الفكرية، فالتعليم والمعرفة كانا مرتبطين على نحو مباشر بالدكتاتورية التي تسمح بما يخدمها فقط، ما يعني في نهاية المطاف أنّ البناء الثقافي اللاجتماعي في العمق لهذه الفئات كان كما هو تقليدياً، أي يحمل أمراض المجتمعات التقليدية، فلم تكن العلمانية والحداثة وغيرها من المفردات سوى غطاء يستر تحته حال المجتمعات التي بقيت كما هي في حالتها مادون الحداثية، وهو ما تشير إليه بوضوح أحداث مدينة كمينتس الألمانية التي شهدت احتجاجات بيّنت الانبعاث النازي في هذه المدينة. وإذا عرفنا أن هذه المدينة كان يطلق عليها إبان العهد الشيوعي اسم “كارل ماركس”، حينها سندرك الكامن خلف هذا الكلام، قالت السياسية الألمانية ذات الأصول الفلسطينية، سوسن شلبي، بعد أحداث كيمنتس “إن اليمين الشعبوي وتيّارات النازية الجديدة في ألمانيا أصبحت أقوى، وأعلى صوتاً، وأكثر عدوانية، وأكثر تطرّفاً، وأكثر ثقة بالنفس”، ما يوضح جيداً أحد أهم الأسباب العميقة لانبعاث هذه الظواهر، لأن السياسي قد تجري معالجته وأيضاً الاقتصادي، إلا أن الثقافي الاجتماعي يبقى كامناً ينتظر الانبعاث مجدداً، ما لم يجر العمل عليه عبر استراتيجية طويلة، وهو أمر يأخذ وقتاً طويلاً، إذ نرى بوضوح أن الإرث التوتاليتاري ملا زالت أثاره واضحة جداً في ألمانيا الشرقية ودول أوروبا الشرقية أيضاً.
وهنا قد نصل إلى ما قد يكون تشابهاً بين موقفي اليمين الأوربي واليسار العربي حيث وقفت تيارات عريضة منه مع الدكتاتوريات وضد الربيع العربي، وهذا أمر عائد في جوهره إلى أن هذه الأحزاب لم تكن يسارية أو علمانية إلا بالاسم، فبقي الجوهر الطائفي أو الإثني هو السائد والمهيمن بعد تغليفه بقليل من الأفكار اليسارية والحداثة، وهو أمر بينه بوضوح الباحث القدير نيكولاس فاندام في كتاب له عن سوريا، إذ كشف أن عقوداً من حكم البعث في سوريا تحت ستار العلمانية لم تزِل الطائفية والقومية والعشائرية من المجتمع، موضحاً كيف وظفها النظام في خدمة بقائه. الأمر نفسه فعلته الأحزاب الأخرى، سواء التي كانت شريكة الأسد في السلطة أم الأحزاب اليسارية والعلمانية في بلدان أخرى، حيث نرى قسماً من اليسار التونسي والأردني والفلسطيني والحزب القومي السوري وغيرهم؛ ما زالوا يرون في الأسد “علمانياً وممانعاً” بوجه أمريكا وغيرها، وهو أمر يعود في العمق إلى بقاء البنية الثقافية لهذه الأحزاب والتيارات في أصلها الطائفي أو العشائري من دون أن ينالها التحديث، ذلك يوضح لنا في نهاية المطاف هذا التطابق بين موقف اليمين الأوروبي الذي انتشر أساساً في مواقع الأحزاب الشيوعية والاشتراكية سابقاً، واليسار العربي الذي هو يمين محافظ في العمق.

Social Links: