تعليقا على استذكار للزميل ياسر شعباني لفيلم مصري يمثله الممثل الكبير الراحل نور الشريف، والذي يقول فيه المواطن إبراهيم وهم ينقلونه في سيارة الشرطة ، وكان قد جن، متخيلا نفسه راكبا الطيارة ويشاهد أرض مصر من الجو لأول مرة :مصر حلوة قوي من فوق ! ___________________________ ذات مرة، أثناء إحدى ندواتنا في الثلاثاء الاقتصادي في المركز الثقافي بالمزة _دمشق، وكانت عن الصناعة السورية، قلت في تعليقي : قبل أيام عرض تلفزيوننا فيلما عن المشروعات الصناعية في سورية مصورا من الجو، يظهر فيه بعض المصانع الحديثة في بعض المحافظات، مثل مصنع الورق في دير الزور الذي اشترت الدولة مساحة واسعة جدا من الأراضي الزراعية الخصبة على صفة نهر الفرات من أحد (الرفاق) وبأسعار عالية، لاقامته عليها رغم عدم صلاحيتها للبناء ، ويظهر المصنع من السماء كمجموعة من المباني _المعامل الحديثة وفي منظر مبهر يندر مثيله حتى في الدول المتقدمة، كما يظهر الفيلم معامل حديثة أخرى في سورية تدعو رائيها لحسد البلد الذي يمتلكها، لكنها جميعا على أرض الواقع مخسرة للاقتصاد الوطني بفعل الفساد، وقلت : لقد “أحسنت” الجهة التي قامت بتصوير الفيلم لعرضه على الشعب ( كدواء تنويم) في إحدى المناسبات التي يكثر فيها الحديث والمفاخرة عن المنجزات التنموية، لقد احسن صانع هذا الفيلم بتصوير المنشآت الصناعية الفخمة من الجو، وليس من الداخل على الأرض، مع الأرقام الحقيقية للتشغيل، والا لكان المصور عرض ما رأيت اثناء مرافقتي، كعميد لكلية الاقتصاد بجامعة دمشق، لمجموعة من طلبة الكلية في رحلة علمية استطلاعية شملت زيارة بعض المشاريع و بعض حقول النفط في منطقة الجزيرة، (المحتلة أمريكيا هذه الأيام، على إثر النكبة السورية العظمى، والتي أعلن الرئيس التويتري الأمريكي ترامب مؤخرا الانسحاب الفوري منها في تغريدة على تويتر، وبشكل فاجأ حتى وزير دفاعه والذي سارع واستقال على أثر اخذ العلم بقرار الرئيس من خلال تغريدته على تويتر، وليتبين خلال ساعات و أيام قليلة أن قرار الأنسحاب ليس سوى كلمات في الهواء، دون أن يكلف السوريون أنفسهم حتى التساؤل : هل فعلا يقصد ترامب مايقول، ولمن يترك مجانا خلفه ١٢ قاعدة عسكرية، بما فيها مطارات وغيرها)؟ ، اما معمل الورق الحديث في دير الزور ، موضوع حديثي الجاري عن الصناعة السورية التي كانت( حلوة قوي من فوق) ، هذا المصنع الذي كنت قد اسميته (أشهر الاوابد الصناعية الحديثة في العالم)، فقد رأينا من على الشاشة ابنيته الحديثة ومعامله الضخمة (سبعة معامل كيماوية تنتج مواد مهمة للاقتصاد الوطني لو كانت اشتغلت ! )، لكنها على أرض الواقع كانت تصفر فيها الرياح، بعد أن لم يشتغل مصنع الورق يوما واحدا، إذ كان” مرصودا ” له انفجار مفاعله _ قلبه( الذي يحول قش القمح إلى عجينة ورق) في أول ساعات تشغيل له، ليتوقف مع معامله كلها بعدها، حتى لم يبق ما يدل عليه سوى ٢٠٠عامل، مازالت تدور على بيوتهم حافلات الشركة الحديثة كل صباح لتجمعهم من مناطق دير الزور المختلفة ثم تعيدهم في نهاية وقت الدوام دون أن يمارسوا اي عمل، اللهم سوى قبض الرأتب آخر كل شهر، وهكذا لشهور طويلة. وكنت قد تابعت تراجيديا حياة المصنع أثناء مرحلة تشييده والتحقيقات المأساوية المثيرة التي كان ينشرها بعض الصحفيين في الصحف المحلية الرسمية، دون أي رد فعل على الإطلاق، على ما تحتويه عن ممارسات الفساد الفاضحة ، حتى في مرحلة الإنشاء، التي كان يمارسها جهارا نهارا المتنفذون( الكبار) وكذلك القائمون على إدارته المعينون من قبل اولئك المتنفذين ، حتى أن المدير قال لزميلي، الاستاذ الاختصاصي في كلية العلوم الذي كان مكلفا بزيارة المصنع كل اسبوعين وكتابة تقرير عن سير الاعمال الإنشائية فيه، لتتحول تقاريره العلمية إلى سلة المهملات، رغم مافيها من إنذارات فاقعة، بالكارثة القادمة، حتى وصلت علاقته بالإدارة إلى تهديده بمنعه من دخول أرض المصنع إذا استمر على كتابة التقارير الانتقادية التي تبين علميا كل أسبوعين الأخطاء الفاذحة في مسار العمل الإنشائي، قال له صراحة :انت تقول ان المصنع لن يعمل بعد إنتهاء بنائه، وانا اقول لك اني لا أريده أن يعمل، وانك لا شأن لك بذلك، واشرب ماء البحر !، وهكذا حتى أقيل زميلي من المهمة، لتحدث لاحقا كارثة انفجار مفاعل المصنع في اليوم الأول للتشغيل، والذي كان يومه الأخير أيضا، بانفجار القلب، كما حصل فعلا! ! وبقي الشعب السوري يدفع من خلال الميزانية العامه أقساط ال ٢٥٠ مليون دولار المقترضة تكاليف بنائه لسنوات لانهاية لها، مثلما دفع التكاليف المضاعفة بالمليارات لجميع المصانع الحكومية الأخرى، مثل معامل السكر، ومعمل غزل اللاذقية، ومعمل الشاشات التلفزيونية الأبيض _ اسود!!! ومعمل اللمبات الكهربائية، ومعمل الزجاج الفرنسي الحديث في حلب الذي كانت تخرج ألواح الزجاج من فرنها كلها مكسورة، كما رأيتها بعيني، بعد انتهاء بنائه ومغادرة الخبراء الفرنسيين له مالم يدفع لهم أكثر من قيمته ليقوموا بتشغيله،…، وكما دفع الشعب السوري، وسيدفع إلى الأبد، من لاشيء لديه على الإطلاق، مئات، بل آلاف، مليارات الدولارات لإعادة إعمار مادمره أرباب الإجرام والخيانات!!!! وما زال هناك من يتساءل و”براءة الأطفال في عينيه” : كيف تدعون ان البؤس والفقر كان يزداد انتشارا وعمقا وكان يتكاثر الفقراء، ايام (كنا عايشين)..؟ هذه قصة مصنع واحد لها شبيهات كثيرات في طول الصناعة السورية وعرضها، التي كانت “حلوة قوي “، مصورة من السماء، خصيصا للمناسبات !!!

Social Links: