يتموجُ سمار وجهها مع كحلِ عينيها، تثور إبتسامتها، فتظهرُ غمازتها كفقعةِ ماءٍ على يسار وجه البحر. لقد قررت أن تعيش راضيةً بإعاقة مكتوبة بخط القدر مقروءة باسم الظلم و على مسمعِ العالم كله. بدت على كرسيها المَلَكي، أميرةً، تجلسُ وتحكي قصتها بكل كبرياء، لم تدمع ولم ترتجف، حتى صوتها لم يتلاشَ. ثمة أشخاص يجسدون قيماً في هذه الحياة وأنا عندما التقيتُها، إنما التقيتُ المقاومة. لم تبلغ من التجارب والمعرفة ما يكفيها لتقاوم، لم تملك من الإيمان والحكمة ما يجعلها راضية، تبتلعُ أشواك الصبر و تشتعل. بقيت ياسمينة ستة أشهر في المستشفى، تعرضت لأكثر من سبع عملياتٍ جراحيةٍ متتالية في وقت قصير.وبعد كل تلك المحاولات الطبية لإسعاف ما تبقى منها سالماً، لم تمت لكنها شُلّت. تلك الرصاصة كانت كفيلة بقص العمود الفقري من جذوره، وحتى الطب المتقدم في ألمانيا بعد العديد من العمليات الكثيرة لم يستطع تغيير أي شيء.
هاجرت إلى ألمانيا مع جيشٍ من الأمل، تكظمُ وجعها وألمها، جارّةً كرسيها وراء أعداد من المهاجرين. بلدان وحدود ومسافات، عجز وعجز وقوة. إلى بلد غريب ولغة جديدة ومجتمع مختلف، إلى عالم آخر. رحلة إستمرت قرابة ستين يوماً، ليالٍ باردة ظالمة ومظلمة مرت على الفتاة ووالدتها العظيمة. الأم التي تركت عائلتها وزوجها لتأتي إلى شيء مجهول، لا ملامح له أبداً، بلد تكون فيها بكماء، برفقتها صَبيّة تجر أذيال الأمل. كانتا أقوى من الظلم وتعلمتا اللغة الألمانية بكل ما فيها من صعوبات. والآن تجاوزت أمل المرحلة الإعدادية وستبدأ بالثانوية العامة طامحةً بدراسة المعلوماتية. أما والدتها، التي أنهت المستوى المتوسط من اللغة، تعيشُ لتبسط لابنتها الأرض بعدما تعرجت بها.هذه الفتاة التي أصبح عمرها قرابة الثاني والعشرين عاماً. واحدةٌ من آلاف ضحايا الإجرام العالمي بحق الإنسانية ، فهذا المجتمع الذي لو لم يكن مجرماً أيضاً لما طبّل للإجرام ولا تغافل عنه. لو لم تكن حرباً لإبادة سُكان المنطقة بشتى أنواع الأسلحة. أوجاع نفسية و جسدية و فكرية و أخلاقية باتت تتغلغل في هذا الجسد في هذا الزمن والوطن و البداية والنهاية سورية.
فتاةٌ كانت بعمر السابعة عشر عندما غدرتها رصاصة كانت متوجهة لتقتل بطلاً أو تُخيف طفلاً ،فأصابت ياسمينة وشلّتها.القصة بسيطة جداً وتُحكى بسطر واحد، تمرُ من آذان السامع أو عيون القارئ وتمضي، رقمٌ من بين الأرقام اللامنتهية، اسمٌ من بين كُل الأسماء غير المعروفة. كانت بعمر السابعة عشر، تمرحُ في ساحة الدار، تُحاكي الريحانة وتعاتب عصفور السلام، فاندست رصاصة بظهرها، رصاصة غدر خطفتها من حُريتها لتكبلها على كرسي متحرك. ورغماً عنها تضحك، دون أن يُسمَع أنينٌ لوجعها.
متمردة هي، على الظلم والضعف بكل أشكالهما، وعلى الظالم و الظلام كلُه طالما أنها تستطيعُ وبكرسيها المتحرك تجاوز خطوط لم تفكر بالتمرد عليها وهي على قدمين. كانت تقفُ يوماً على قدمين، أما الآن فهي تنتصبُ بكل ما لديها من تمردٍ دونهما.تحررت من مكابل الخوف، ورغم أنها دخلت قيد الكرسي، إلا أنها حُرة.
أنتِ الثورة و أنتِ المقاومة و أنتِ الثورة مرةً أخرى.
أسميتها شَمس لأنها تضيء العالم وهي تحترق من الداخل.
وأسميتها أمل لأن الأمل فينا حياً رغم عجزه، لأنها تلقننا دروساً بالأمل والحياة والرضى.
وياسمينة أسميتها لأن عبق محاولاتها ونجاحها يلطّفُ رائحة الدم واليأس التي تخنقنا.
ياسمينة لأنها نقية، أصابتها لعنة حرب شقية، فشقت لها درباً شاقاً، لم يكن لها أن تكون فيه لولا أنها ابنة حوران الأبية.

Social Links: