مدنية ديمقراطية عدالة اجتماعية تصدرها اللجنة المركزية لحزب اليسار الديمقراطي السوري العدد 1250 الأحد 09/01/2023
الحسرة على الاعلام السوري

الحسرة على الاعلام السوري

لطالما كانت مهمة الصحافة هي إبراز المعرفة ونشر التوعية والتنوير، والمساهمة في تشكيل الرأي العام وتوجيهه، وهي السلطة الرابعة لما لها من تأثير كبير في تكوين أفكار الشعب وآرائه، وقد لازمت الإنسان منذ أن أدرك قيمة دورها، وهي سبب رئيس في تطوّره ورقيّه، وترجع أصول العمل الإعلامي إلى زمن البابليين الذين استخدموا كاتبًا لتسجيل أهم الأحداث اليومية، ليتعرف الناس إليها.

ظهرت تسمية “السلطة الرابعة”، في بداية نشوء الأنظمة الديمقراطية، في القرن الثامن عشر، عندما قال المفكر الإنكليزي الأيرلندي إدموند بورك، أمام مجلس البرلمان البريطاني: “ثلاث سلطات تجتمع هنا تحت سقف البرلمان، لكن هناك في قاعة المراسلين تجلس السلطة الرابعة، وهي أهمّ منكم جميعًا”.

تُلقّب الصحافة بـ “صاحبة الجلالة”، لما تحمله من هيبة وسلطان وعلوّ شأن، وهذا اللقب بمنزلة مكافأة لها، لما تُقدّمه للناس من خدمات على أكثر من صعيد، حيث توفّر الاطلاع على الأحداث والوقائع، على المستوى المحلي والدولي والعالمي، فضلًا عن تحليلها وتبيينِ مقدماتها وتبيّنِ نتائجها؛ فتسهمُ في نقل المعرفة ونشر الوعي.

تأتي أهمية الصحافة من دورها في البحث عن الحقيقة، ويأتي كبرياؤها من نزاهتها وصدقها في عملها، حيث إنها، عندما توصل معلومة مهمة إلى القارئ، تقوم بعمل وطني وإنساني يحتاج إليه المجتمع، وعندما تكشف فسادًا تهتز الدنيا من حولها، وتبقى هي شامخة لما لها من أسس صلبة تقف عليها، وعندما ترى “صاحبة الجلالة” أبناءها يُمارسون مهنتهم بأخلاق عالية؛ يزادد اعتزازها وافتخارها بنفسها، ولكنها عندما تراهم يستغلون جلالتها وهيبتها في عدم نقل الحقائق كما هي، أو تزييفها أو تغيير لغتها؛ تقف متألمة مفجوعة يُمزّق الألم صدرها.

تُرى، ما حال “صاحبة الجلالة”، وهي ترى ما آل إليه حال الإعلام السوري من حرف للمسار الإعلامي، واتهامات بالخيانات، ونشر كثير من الأمور التي لا تستند إلى المهنية والحِرفية والموضوعية التي أوصت بها؟ إنها -بالتأكيد- تجلس على عرشها واجمة، تنتظر من يعيد لها صولجانها.

كثير من المؤسسات الإعلامية السورية تعمل بمبدأ التبعية لأجندات سياسية خارجية، وهذا ما يُفقدها الجانب الموضوعي في المهنية الإعلامية والأخلاقية، كونها تُمثّل أجندة سياسية. وهي تعاني -بسبب تبعيتها- انقسامًا حادًا بينها، ويظهر هذا الأمر بوضوح من خلال طريقة الطرح في وسائلها. ومن المعلوم أن الإعلام يستطيع أن يُوحّد الشعب ويُظهر الحقائق ويوضح أسباب المشكلات، كما أنه يستطيع أن العكس. وفي الوقت الذي ينبغي فيه لوسائل الإعلام أن تتنافس في تقديم مهنية واحترافية، وتنقل صوت الإنسان السوري في جميع حالاته، وأن تؤدي دورًا أكثر إيجابية، وتضيف الصبغة الإنسانية في الفترات الحرجة؛ تنحرف هذه الوسائل عن الغاية، وتعمل على ازدياد وتيرة الكراهية.

السلطة الرابعة منتج ديمقراطي ذو شأن كبير، ومصادرة الآراء وتحجيمها وفق الأهواء والميول، وجعلها مزامير وأبواق، ستعود بنا إلى دائرة العبودية، في وقتٍ يتطلع فيه الإنسان إلى بلوغ حريته وعيش إنسانيته.

ينبغي أن يكون هناك توثيق واضح وشامل للأخطاء التي وقعت فيها وسائل الإعلام، من أجل ضمان أن تتمّ معالجة مشكلات الإعلام في المرحلة الانتقالية، بعد سنوات من التفرقة والحروب والمعاناة الإنسانية. إن آمال السوريين وأحلامهم كثيرة، ومن بينها أن يعيدوا للصحافة دورها وقيمتها ومكانتها، وأن يبقى أصحابها ثابتين على أسسها ومبادئها.

  • Social Links:

Leave a Reply