منذ أن وجدت المجتمعات البشرية وراح الإنسان يتطور شيئاً فشيئاً على مدى الزمن الطويل ظهرت حضارات في مناطق مختلفة من العالم نتيجة لتطور الظروف الموضوعية لكل منطقة بتأثير العوامل الجغرافيا والجيولوجية والمناخية ، فنشأت على شواطئ البحار وضفاف الأنهار حضارات مختلفة امتدت إلى الداخل وأدى النمو الاقتصادي ليسرة الحياة والمعيشة خاصة عندما تطورت الزراعة ، مما سمح للعقل البشري أن يفكر بأمور مجردة وراح يتساءل عن الحياة والموت والوجود ليصل إلى أجوبة تهدئ من قلقه ومن تلك اللحظة اشتغل العقل البشري بالتأمل والتفكير للوصول إلى معتقدات يوجه بها حياته الروحية فأبدعت مخيلته الفنية الشعر والموسيقى والرسم والأساطير الدينية ، فالدين هو أمر طبيعي للبشرية وهو مثل الفن كان وما يزال محاولة لإيجاد معنى وقيمة للحياة .
وتطورت تلك المعتقدات إلى أن وصلت إلى معتقد أساسي هو الوجود المطلق الأسمى من كل الموجودات التي ندركها بالحواس ، فظهر الفكر الديني المتطور .
إن فكرة الموجود الأسمى الخالق العالم القادر هي الفكرة الأساسية لجميع الأديان المتطورة سواء كان الموجود الأسمى واحداً ميتافيزيقياً أي فيما وراء الطبيعة كالأديان السماوية التوحيدية أو قدرة روحية منتشرة في الطبيعة والكون كالبرهماتية والبوذية ، واختلفت مقومات الأديان الفكرية تبعاً لاختلاف ظروف المنطقة التي نشأت فيها نتيجة اختلاف أنماط الحياة وتضافر عادات متأصلة قديمة وظروف مناخية واقتصادية وجغرافية كونت مجتمعاً ذي صفات خاصة مميزة له عن غيره .
وهكذا ظهرت الأديان منذ أن بدأت تتكون الحضارات ، ففي بلاد الإغريق ساد الفكر العقلاني الذي يعتمد على المنطق والبرهان على وجود عالمٍ سماوي أسمى وأكمل هو العالم الحقيقي ( أفلاطون ) أو موجود أسمى ، عقلٌ أسمى فاضت عنه الموجودات الأخرى ( أرسطو ) .
وفي أرض الفراعنة مع تعدد الآلهة فقد توصل الفرعون أخناتون إلى توحيد الآلهة تحت سيادة إله الشمس آتون الذي هو الموجود الأسمى .
وفي عبادة سكان ما بين النهرين فإن الموجود الأسمى بحرك الأفلاك السماوية كآلهة تتصرف بأقدار البشر ، أما في الهند فإن الموجود الأسمى موجودٌ في كلّ ذرة من عناصر الحياة على الأرض يذوب فيها كما يذوب الملح في الماء إن براهماً هو الموجود الأسمى ، هو قدرةٌ تغذي كل شيء في الحياة .
وعلم ذرادشت دين الفيدا : إن الآلهة المتعددة هي تمظهرات لمطلق واحد مقدس متعالي ليس بإمكان أحد أن يفهم سر وجوده .
وفي بلاد الشام ظهرت النبوات السماوية فاختار الله تعالى ( الموجود الأسمى ) الخالق العالم القادر أنبياءه من بين الناس وأوحى إليهم أن يبشروا به ويهدوا شعبهم إلى السراط المستقيم .
إن الموجود الأسمى الله تعالى هو الأساس ذاته في جميع الثقافات والحضارات في العالم المتحضر ، فالدين هو عنصرٌ مكونٌ أساسيٌ للثقافة والحضارة .
إن ما نقرأه الآن من انتشار الأفكار حول صراع الحضارات وبمعنى أدق صراع الأديان ليس هو صراعٌ دينيٌ بحت ، بل هو صراع بين الدول التي تملكُ كلّ مقومات القوّة والنفوذ ، عسكرية واقتصادية وثقافية وعلمية والتي تبغي المزيد من السيطرة على الشعوب والدول الأضعف ، وبين تلك الشعوب التي تقاوم دفاعاً عن إرثها الحضاري وتعمل جاهدة على خط التنمية الاقتصادية والثقافية والتحرر ومن خلال الصراع ظهرت الحركات الأصولية المتطرفة من الجانبين ، وإني أشيرُ هنا إلى عالمنا العربي الإسلامي والعالم الغربي ، فمن أجل حفظ السلام دعا المجتمع الدولي إلى عقد المؤتمرات الدولية تحت شعار حوار الأديان والحضارات وهذه بادرة طيبة تدل على أن علماء الدين والثقافة يتدارسون فيما بينهم العناصر المكونة لكل دين وثقافة ويتفهمونها بروح موضوعية بعيدة عن أي تأثيرات غير قابلة لتقبل الطرف الآخر كثقافة ودين وحضارة موازية لها واضعة نصب عينيها هدف التعاطي والتبادل بين العقائد والأفكار والآراء المؤدية إلى طريق الحوار الإيجابي المتفهم للآخر منتجة لأفكارٍ جديدةٍ تلقي الضوء على العناصر الإيجابية لكل ثقافة ودين التي هي متماثلة في الأصل مبدأ ودعوةً ، فتغني التراث الحضاري الإنساني .
إننا نعيش في عصر يتميز عن كل ما قبله بالانفتاح فتقارب أجزاء العالم بعضها من بعض وتداخل المصالح وتبادل الثقافات وتنقل الاختراعات العلمية والطبية والتكنولوجية فيما بينها بسرعة مدهشة ( حتى المرض ) كلّ ذلك يجعل من العالم وحدة متكاملة كل عنصر حضاري فيه يسهم في إغناء الحضارة الإنسانية ، أما إذا مالَ الصراع الحضاري لدى المتطرفين والمتشبثين بذواتهم كأفضل ما في العالم فينبذون الآخر ومعتقداته وحضارته خوفاً منه من المزاحمة على امتيازاته ، فإن هذا يوّلدُ موقفاً مقابلا من الجانب الآخر فينغلق على نفسه وعلى معتقداته ليحميها فيتولدُ الحقد والشقاق .
إن كل حضارةٍ ينتجها شعب ما في بلدٍ ما ، هي كنزٌ وإرثٌ للبشرية جميعاً ، فالعالم كله يترصد تطور الاكتشافات العلمية والأفكار الثقافية التي تعالج الواقع الذي نعيش فيه وتستشف حلولاً له وتعطي رؤية جديدة لمستقبل إنساني ينعم بالسلام .

Social Links: