خطر حكومة سعد الحريري على اللاجئين

خطر حكومة سعد الحريري على اللاجئين

 

مطلع عام 2011 وفي الثاني عشر من الشهر الأول منه، أسقط حزب الله اللبناني حكومة سعد الحريري على خلفية المحكمة الدولية للتحقيق باغتيال والده رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، حيث كانت مليشيا حزب الله تملك في تلك الحكومة الثلث المعطّل، وباستقالة وزراء مليشيا حزب الله وحلفائها سقطت الحكومة اللبنانية تلك، دخلت لبنان على إثرها في مرحلة شغور، لكن تسارع الأحداث التي بدأت تواجه نظام الأسد في شهر آذار/مارس 2011دفع حزب الله لتسريع تشكيل حكومة جديدة تكون تحت هيمنته المطلقة، وتكون قادرة على تقديم الدعم اللازم للنظام السوري، وحمايته من السقوط على غرار ما حدث في بلدان الربيع العربي تونس ومصر، كان الرئيس التونسي قد غادر بلاده في 14/1/2011، فيما تنحى الرئيس المصري حسني مبارك عن الحكم في 11/2/2011، لتنفجر الثورة بعدها بثلاثة أيام في ليبيا ضد حكم الرئيس الليبي معمر القذافي.
بعد خمسة أشهر من تعطيل الحكومة اللبنانية تم تكليف مرشّح حزب الله “نجيب ميقاتي” بتشكيل حكومة جديدة نالت الثقة بأغلبية بسيطة بعد مقاطعة نصف عدد مجلس النواب تقريباً التابعين لتيار 14 آذار المعارض لمليشيا حزب الله جلسة التصويت على بيانها الوزاري، وكانت واضحة نوايا مليشيا حزب الله للتدخل العسكري في سوريا بتعيين وزير دفاع من تيار المردة حليف مليشيا حزب الله، وضم حقيبة وزارة الداخلية والبلديات بالوكالة إليه.
وليكون رأس النظام بشار الأسد أول المهنئين بهذه الحكومة التي وصفها النائب وليد الجراح من تيار المستقبل بأنها “أتت لتؤدي خدمة لسوريا يدفع اللبنانيون ثمنها” و “أنها حكومة يسيطر عليها حزب الله ومناخها العام مواجهة مع المجتمع الدولي”، بينما قال الأمين العام لقوى 14 آذار فارس سعيد أن “لبنان أصبح رهينة بيد حزب الله و نظام الأسد بعد تشكيل حكومة تتولى فيها مليشيا حزب الله وحلفاؤها غالبية الوزارات.
وقال إن الحكومة التي أعلنت برئاسة نجيب ميقاتي “تابعة لنظام الأسد الذي يواجه أزمة، ولحزب الله الذي ينتظر بين اليوم الآخر صدور القرار الظني” في قضية اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في عام 2005، وتابع “لقد خسر نظام الأسد منذ اندلاع الاحتجاجات في 15 مارس كل صداقاته في العالم العربي وتركيا، وهو يريد حكومة صديقة في لبنان تعينه على مواجهة الانتفاضة السورية”.
ما إن بدأت جامعة الدول العربية في إصدار قراراتها لمحاولة تهدئة الأوضاع في سوريا حتى بدأت بالمقابل هذه الحكومة اللبنانية التي تسيطر عليها مليشيا حزب الله بمحاولة حماية نظام الأسد من السقوط سياسياً أولاً، فعندما صدر قرار الجامعة رقم7446 تاريخ 12/2/2012 الذي يدعو إلى “وقف جميع أشكال التعاون الدبلوماسي مع ممثلي نظام الأسد في الدول والهيئات والمؤتمرات الدولية” سارعت حكومة ميقاتي إلى التحفّظ على هذا القرار الذي تضمّن أيضاً “دعوة مجلس الأمن إلى إصدار قرار بتشكيل قوات حفظ سلام عربية أممية مشتركة للإشراف على تنفيذ وقف إطلاق النار”.
ومع أن الحكومة اللبنانية اتخذت منذ الشهر الثالث 2012 موقفاً اطّرد فيما بعد في كل قرارات الجامعة العربية أطلقت عليه مبدأ “النأي بالنفس” إلا أن تقارير عديدة لمعهد دراسات الحرب الأمريكي كانت تشير إلى تدخل ميليشيا “حزب الله” في سورية منذ مطلع عام 2011، بشكل محدود الحجم والنطاق ويقتصر على تقديم الدعم والاستشارة، إلا أنه تحوّل في عام 2012 حيث بدأ ظهور ميليشيا “حزب الله” في القرى الريفية شمال شرق حدود لبنان، وحول مقام السيدة زينب في ريف دمشق، وأنه تم زجّ المقاتلين لأول المرة بداية 2012، ومع تتالي التقارير التي تتحدث عن دفن مقاتلين من الحزب، خصوصاً بعد الإعلان عن دفن القائد الهام في الميليشيا “علي حسن ناصيف” في وادي البقاع في شهر أكتوبر/ تشرين الأول عام 2012، اضطر “حسن نصر الله” للاعتراف أمام أنصاره بأن “بعض أفراد حزب الله قد كانوا يحاربون في سوريا”، لكنه أكد أن المقاتلين ذهبوا إلى سورية من تلقاء نفسهم وليس تطبيقاً لأوامر رسمية”.
ومع اشتداد المعارك وسط البلاد في مدينة حمص وريفها، وظهور بوادر الهزيمة العسكرية لنظام الأسد، تعهد “حسن نصر الله” في خطابه يوم 30 نيسان/أبريل 2012 أن قواته “ستقوم بكل ما في استطاعتها لمساعدة حلفائها داخل وحول القصير”، وذلك بعدما تمكنت قوات المعارضة من طرد النظام من المدينة، لتبدأ ميليشيا حزب الله بشنّ عملية تعد الأكبر لها في سورية، حيث هاجمت القصير بأكثر من ألف مقاتل تساندهم تغطية جوية من طيران النظام، لتنتهي المعركة بسيطرة الميليشيا على المدينة بداية شهر حزيران/يونيو 2012.
صدر حينها قرار الجامعة العربية رقم 7649 تاريخ 5/6/2013 الذي يحمل “الإدانة الشديدة لكل أشكال التدخل الخارجي، خاصة تدخل حزب الله وفقاً لما ورد على لسان أمينه العام”، وهنا أيضاً كانت حكومة ميقاتي حاضرة لتعترض على هذا القرار الذي خرج مذيّلاً بـ “إن الحكومة اللبنانية تعترض على الفقرة المتعلّقة بإدانة تدخّل حزب الله، وتنأى بنفسها عن سائر الفقرات”.
بالطبع وإلى يومنا هذا ستبقى الحكومات اللبنانية على تغيّر رؤسائها ووزرائها عاجزة عن تفسير مبدأ النأي بالنفس الذي تتخذه شعاراً لها، مع هذا التدخّل العسكري الواسع النطاق لمليشيا حزب الله أحد أهم وأكبر مكونات هذه الحكومات، ورفضه جميع الدعوات الداخلية والخارجية لسحب عناصره من سوريا.
اليوم وبعد تعطيل وزاري دام تسعة أشهر ولدت حكومة سعد الحريري، والتي على غرار حكومة ميقاتي السابقة ما كانت لتولد إلا بعد أن تأكدت مليشيا حزب الله من قدرتها على الاستمرار في نهجها بالسيطرة على القرار السياسي والعسكري والأمني في لبنان، وكانت الحكومة حريصة في بيانها الوزاري على الإعلان عن “النأي بالنفس عن السياسات التي تُخل بعلاقاتنا العربية” و “ضرورة ابتعاد لبنان عن الصراعات الخارجية ملتزمين احترام ميثاق جامعة الدول العربية وبشكل خاص المادة الثامنة منه” هذه المادة التي توجب على الأنظمة العربية أن “تحترم كل دولة من الدول المشتركة في الجامعة نظام الحكم القائم في دول الجامعة الأخرى، وتعتبره حقاً من حقوق تلك الدول، وتتعهد بأن لا تقوم بعمل يرمي إلى تغيير ذلك النظام فيها”.
الذي يهمنا بعد هذا العرض الوصول إلى الفقرة المتعلقة بوضع اللاجئين السوريين في لبنان الذين أصرّ سعد الحريري على سلبهم صفة اللاجئين ليرفع عن نفسه أي تبعات قانونية اتجاههم، باعتبار أن لبنان من الدول التي لم توقّع على اتفاقية اللاجئين في الأمم المتحدة، واكتفى بتسميتهم النازحين السوريين، قال الحريري: “ستواصل الحكومة العمل مع المجتمع الدولي للوفاء بالتزاماته التي أعلن عنها في مواجهة أعباء النزوح السوري ولاحترام المواثيق الدولية، مع الإصرار على أن الحل الوحيد هو بعودة النازحين الآمنة إلى بلدهم ورفض أي شكل من أشكال اندماجهم أو إدماجهم في المجتمعات المضيفة” مع أن بيان المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين 22 تشرين الأول/أكتوبر 2013 يقول صراحة أنه “ترى المفوضية أن معظم السوريين الذين يلتمسون الحماية الدولية من المرجح أن يستوفوا متطلبات تعريف اللاجئ الوارد في المادة 1 ألف(2)، من اتفاقية 1951 المتعلقة بوضع اللاجئين، حيث أن لديهم مخاوف مبررة من التعرض للاضطهاد مرتبطة بأحد أسباب الاتفاقية”.
الأخطر في البيان الوزاري للحريري قوله: “تجدد الحكومة ترحيبها بالمبادرة الروسية لإعادة النازحين السوريين إلى بلادهم، باعتبارها المبادرة الدولية الوحيدة المتكاملة وتتضمن خطوات عملية وواضحة. وستعمل الحكومة على تفعيل التواصل اللبناني -الروسي في هذا المجال من خلال اللجنة الأمنية -التقنية التي تم تشكيلها”.
لا نريد استباق الأمور والقول إن تنفيذ “المبادرة الروسية” كان الشرط الأول لمليشيا حزب الله في منح الإذن لتشكيل الحكومة، لكن سيظهر حقيقة ذلك في قادم الأيام مع التذكير بأن مركز الجسر للدراسات نشر الموقف منها في بحث سابق بعنوان ” خطة وزارة الدفاع الروسية للإعادة القسرية للاجئين السوريين خلال شهرين فقط”.
إن ظهور بوادر تشديد شروط الحصول على وثائق الإقامة على الأراضي اللبنانية للاجئين السوريين، ورفع رسوم الحصول عليها، ومنع اللاجئين من سوق العمل، والحيلولة دون دخول أولادهم المدارس الحكومية وحقهم في الحصول على التعليم المجاني، ومنعهم من الوصول للخدمات الصحية وباقي الخدمات الحياتية الضرورية، وفرض حظر التجوّل عليهم، وتجييش خطاب الكراهية ضدهم، واستثماره سياسياً، سيكون مؤشراً أولياً على نهج الحريري القادم، وإن هذه الإجراءات هي بمنزلة الإعادة القسرية، والترحيل غير القانوني من لبنان، وستتحمّل حكومة الحريري جميع الأضرار التي ستلحق باللاجئين السوريين جراء طردهم أو إلجائهم لمغادرة لبنان نحو المجهول في سوريا.
إن طرح قضية عودة اللاجئين في الوقت الراهن دون اتخاذ أي خطوات بتوفير الشروط الآمنة لعودتهم مثل تغيير القوانين السائدة في البلاد كالقانون رقم ١٠ المتعلق بالملكيات، وقانون الخدمة العسكرية، وضمان عدم الملاحقة، وإعادة تأهيل المناطق التي غادروها، وتوفير سبل العيش الكريم، وبدء عملية انتقال سياسي حقيقي في البلاد، سيعرّض اللاجئين لمخاطر التعرّض لعمليات الانتقام، وللاضطهاد من جديد على يد الأجهزة العسكرية والأمنية للنظام، والميليشيات الطائفية التابعة له.
إن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين مطالبة وبشكل فوري فتح هذا الجزء من البيان الوزاري مع رئيس الحكومة الحريري وتحذيره من مغبّة اتخاذ خطوة من هذا النوع بالشراكة الثنائية مع الروس الذين هم شركاء النظام في الجريمة الكاملة المستمرة بحق الشعب السوري، وتبيان أن عدم توقيع لبنان على اتفاقية اللاجئين لن يعفي الحريري من الملاحقة والمحاسبة بموجب أحكام القانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

  • Social Links:

Leave a Reply