مصعب الحمادي – اسطنبول
في الكلام عن الأحداث الجسيمة في حياة الشعوب والبلدان لابد للمكاشفة أن تتغلب على المجاملة والعقل على العاطفة والحكمة على الرأي والهوى.
لم يكن هناك شعبٌ أجدر بالثورة من الشعب السوري. فعائلة الأسد وأشياعها جمعوا كل موبقات الحكم في نظامٍ واحد ضمن توليفةٍ مقيتة من الفساد والقمع، الطائفية والحقد، الإهمال والتخلف، التنكيل والإجرام، الخيانة والارتهان.
في آذار ٢٠١١ قامت ثورة وطنية في سوريا كانت بدايتها مطالبات بالإصلاح ومظاهرات سلمية. نعم كان غالبية المتظاهرين عرب سنة بحكم واقع كونهم أغلبية عددية في البلاد، لكن تظاهر معهم جنباً إلى جنب أفرادٌ من كل مكونات الشعب السوري بمن فيهم العلويون. كما أن السنة أنفسهم ما كانوا – ولم يكونوا يوماً – كتلةً متجانسة. ومن باب الاختزال يمكن القول أن غالبية السنة في سوريا ليسوا متزمتين وقسطاً كبيراً منهم متحللٌ من كثيرٍ من واجباتهم الدينية بحيث يصعب تصنيفهم كسنّة في الأساس، بل سوريين أو عرب أو مسلمين على ما لهذه الكلمات من إطلاق. فالثورة إذاً ليس لها علاقة لا من قريبٍ ولا من بعيد بالدين أو القضية الدينية، وهي لا تخص طائفةً دون أخرى، ولا مكوّن عرقي دون آخر، مع الإقرار أن النظام الذي انفجرت في وجهه الثورة طائفي، ليس بمعنى أنه يمثل العلويين أو يحمي مصالحهم دون باقي طبقات الشعب (مع أن ذلك ينطبق على شريحة محدودة من العلويين الحاصلين على امتيازات غير مستحَقة من النظام)، بل بمعنى أن النظام يختبئ وراء العلويين ومظلمتهم التاريخية ليشدّ بنيان جيشه ومخابراته بعصبيةٍ فئوية تلفّ أفراداً حاقدين مع بعضهم البعض لسحق وطنهم ومواطنيهم ونهبهم وإذلالهم.
شهورٌ قليلة من الأحداث المتسارعة بين عامي 2011 و2012 هزت النظام، زلزلت كيانه ودكّت عروشه، فغضبُ السوريين كبيرٌ ومتراكم ورغبتهم بالحياة قديمة وعظيمة، وحريتهم التي ينشدوها صار من الصعب منعها عنهم في عالم الفيسبوك والتويتر. لقد كانت بنية القمع التي تأسس عليها نظام الأسد تصبح عتيقة بنيوياً وسيصير من المستحيل يوماً بعد يوم على هذا النظام وكل نظام يشبهه أن يستمر في الحكم بنفس الأساليب ويستحمّ بنفس الطأس القديمة.
في أواسط عام ٢٠١٢ أثمرت الثورة وكاد الشعب يهمّ بالقطاف لولا أن النظام ابتدره بحربٍ غير تقليدية معتمداً تكتيكات العمليات النفسية لتشتيت أنظار السوريين عن مرادهم، وحرفهم عن هدفهم، وإيقاعهم في متناقضاتهم الفكرية والدينية القديمة والمتجذرة والتمهيد لجلب الهزيمة عليهم بأيديهم. عمل النظام باتجاهاتٍ متوازية لاستحضار الهويات ما قبل الوطنية للسوريين. ونفّذ مكائد صارت مكشوفة ومشهورة. فالسنة أخرج لهم متطرفو سجن صيدنايا من أتباع تنظيم القاعدة ليقودوا ثورتهم نحو الدولة الإسلامية حتى يستطيع النظام مداراة طائفيته وإجرامه بادّعاء علمانيةٍ زائفة يحامي بها عن نفسه أمام المجتمع الدولي وهو يستخدم القوة المفرطة لقمع انتفاضة شعبه. والعلويون وباقي الأقليات استثار فيهم مخاوف تاريخية دفينة ليقفوا في صف النظام ضد الطوفان السني الذي يتهددهم بالويل والثبور لو نجحت الثورة. كان لدى النظام خطة ذكية محكمة لكن الغريب أن تتلاقى خطة النظام مع منهج جماعة الإخوان المسلمين السورية في المنفى التي نزلت إلى الميدان لتساعد النظام (من حيث أرادت أن تساعد الثورة) عن طريق تحويل الثورة إلى جهادٍ سني ضد حكم “النصيرية” فتُدخل الثورة في دهاليز الطائفية ومهاوي الانقسام والفرقة والتكفير حتى بين العرب السنة أنفسهم.
السوريون لا يعرفون من هم الإخوان المسلمون وكثيرون لا يثقون بهم. فهذه الجماعة الطائفية التي غادر قادتها البلاد منذ الثمانينات ترعرعت في كنف حكوماتٍ أجنبية. هذه الحكومات هي نفسها التي ابتعثتهم ليلعبوا أدواراً قيادية في تمثيل ثورةٍ مسروقة لصالح تلك الحكومات وبلدانها. وهكذا صار لدى السوريين معارضةٌ خارجية معظم قادتها يحملون جنسياتٍ أمريكية وبريطانية وأوربية، عوائلهم في مأمنٍ من قصف النظام وانتقامه وحياتهم في بلدانهم تسير بحالتها الطبيعية دون أن تتأثر بمآلات الثورة ونتائجها. لا عجب إذاً أنهم لعبوا بمصير سوريا كهواةٍ ليس لديهم ما يخسروه، وسلّموا قرارهم لدولٍ نفطية وظيفية كان دورها إغراقهم بالأعطيات لشراء ذممٍ رخيصة لغايات غير سورية بتاتاً.
لم يكن لدى الغالبية من السوريين الذين نزلوا للشارع متظاهرين من الوعي السياسي والثقافة العامة ليحيطوا بمكائد النظام، فهم ضحايا أنظمته التعليمية المتخلفة وسياساته التجهيلية المتعمدة. ولم يكن عند العرب السنة من الإرث التنويري في مذهبهم والوعي الوطني في تكوينتهم الهوياتية الغضّة ما يساعدهم على تفادي هلوسات متطرفي صيدنايا وضلالات الإخوان المسلمين وطعناتهم. وبدلاً من العمل على كسب العلويين وباقي الأقليات إلى صفهم، واستمالة الرأي العام الدولي للوقوف مع الثورة بتبني خطاب وطني ومدني متخضر، وقع معظم جمهور السنة الثائر تحت سحر الإخوان وباقي المتطرفين فانساقوا وراء خطاباتٍ دينية بائدة تستدعي قيام الخلافة الإسلامية لسحق “الكفار والنصيرية.” كشف كثيرٌ من السنة عن “قرعتهم” وتبنّوا شعاراتٍ دينية فجّة وأسسوا كتائب ومؤسسات سياسية وعسكرية وإعلامية تحت عناوين طائفية ضيقة ومقيتة.
والنخب السورية التي انحازت للثورة لم تكن على الإطلاق عاملاً مساعداً لجمهرة الثوار كي يتجنبوا الأفخاخ التي نُصبت لهم وأحابيل الإخوان والمتطرفين التي وقعوا فيها. فالنخب السورية منخورةٌ بحكم كونها ما صارت نخباً أصلاً إلا في عالم البعث وتحت مكرمات النظام وتقديمه لهم لعقودٍ قبل تغيير ولاءاتهم (بعضهم بدعوى الانشقاق) ويتوجهون لطرح أقلامهم السيالة للبيع بالدولارات التي يتعامل فيها تنظيم الإخوان المسلمين ورعاته. فلا عجب إذاً أن مئات الأقلام والمنابر تواطأت مع تغوّل الإخوان وسرقتهم لثورة السوريين فسلكت طرق السلامة في التنظير والكتابة وما كادت تتوقف عن كونها أبواقاً للنظام إلا لتبدأ العمل كأبواقٍ للإخوان المسلمين, أو لتصبح على الأقل شياطين خرساء سكتت عن أكبر تزويرٍ وأفظع غبنٍ تعرّض لهما عامة السوريين في تاريخهم المعاصر. بهذه الطريقة أوجد الإخوان المسلمون للثورة المُصادرة والممسوخة نشطاءها السياسيين وناطقيها الإعلاميين ومراكز دراساتها وجمعياتها ومنظماتها وقنواتها التلفزيونية ومواقعها الإخبارية وباحثيها وشرعييها وأبطالها المزعومين بل وأعدائها المفترضين من العلمانيين الآبقين – حسب أدبيات الجماعة – الذين يزعمون عداء نظام الأسد مع أن النظام هو الآخر علماني حسب الرؤية العصابيّة الضيقة للإخوان المسلمين.
والعلويون الذين طالما شد النظام بهم أزره كعصبة لم يكونوا بحاجة الكثير من الإقناع حتى يرسلوا شبابهم للموت من أجل عائلة الأسد. فالنظام لا ريب على حق وهاهم السنة ينصاعون لتنظيم القاعدة ويصيخون السمع لجماعة الإخوان المسلمين. تحت أي سماءٍ وعلى أي أرضٍ سيعيش العلويون وباقي الأقليات إذا أسس الإخوان المسلمون نظامهم الدينيّ في سوريا؟ كما أن العلويين تعرضوا بدورهم للخيانة من قبل النظام الذي ازدهر بالاتجار بهم واستنزاف أبنائهم في جيشه ومخابراته لحماية نفسه وامتيازات رجالاته. وهكذا حُرمت الطائفة من أن تكون لديها شريحة عريضة متنورة ومرجعية دينية حكيمة تلجأ إليها في أوقات الفتن لترشد أبناءها لما فيه خيرهم وخير وطنهم عندما تلمّ بهم الأحداث الخطيرة من قبيل هذه الثورة التي عصفت بالبلاد وتحولت إلى نارٍ طائفية أحرقت الكثيرين. إذ ليس للعلويين مظلّة تظلهم غير أجهزة المخابرات التي صارت القيادة فيها حكراً على أبناء الطائفة وامتيازاّ حصرياً لهم. وعلى امتداد العقود الطويلة لحكم الأسد الأب والابن، التحمت الطائفة بالنظام وصار وجهاؤها ومشايخها هم أسافل ضباط الجيش وأراذل مجرمي المخابرات.
سوريا بعد ثمان سنين تنزف وهي مثقلةٌ بالجراح. أنصار الثورة نكصوا على أعقابهم وباعوا الثورة بالرخيص لتنظيم الإخوان المسلمين وأحلافه من جماعات القاعدة، فخسروا البيعة وضاعت الثورة وفاتت الفرصة. وكثيرٌ من الثوار والنشطاء القدماء وقفوا مصدومين على الحياد وهم يرون أن دورهم صار هامشياً في ثورةٍ تحولت إلى عصفورية جهادية ومهرجانٍ طائفيٍّ صاخب. أما خصوم وأعداء الثورة ممن قاتلوا مع النظام فقد باؤوا بأحمالٍ من الفقر وأثقالٍ من الإذلال من نفس النظام الذي أقنعهم يوماً أنه حاميهم الوحيد. وهم إلى ذلك أصبحوا شهود زورٍ على تدمير النظام لمدن سوريا وقراها، وقتله نصف مليون من أهلها، وتهجيره ما يقارب ثلث سكانها، إضافة لاستجلابه الاحتلالين الروسي والإيراني لما تبقى من أشلاء الوطن. ولكن في نهاية المطاف النظام سعيدٌ لبقائه في الحكم ولو على حيٍّ في دمشق، والإخوان المسلمون يبحثون لهم عن موطئ قدمٍ وفتات من السلطة ولو على قريةٍ من قرى إدلب. سوريا صارت أقاليم نفوذ دولية وصار صعبٌ أن يتذكّر السوريون أنهم أبناء بلدٍ واحد.
سفينة الوطن مخروقة وهي آيلةٌ للغرق

Social Links: