جَنَّة جَنَّة جَنَّة …

جَنَّة جَنَّة جَنَّة …

لم يحمل الفجر بشائرَ ، كانت جيوبه خاوية إلا من أنين ، انسلت خيوطه مرتجفة مذعورة بلون باهت كاليباس ، شوارع كأوردة مريضة شارفت على الانسداد ، تكلست من غبار راكمه عجاج الخنوع ، تصلبت من زفرات السابلة ينفثون وجعاً بألف آه و آه لألف سبب و سبب ، القهر البادي على الوجوه سمة ، علامة فارقة ، خيبة الأمل حفرت أخاديدها في سحناتها ، رسم فيها الانتظار علامات الاستفهام ، أحاطها الإبهام بإشارات التعجب ، وحده الخوف كان سيد اللحظة ، يقف بكل وقاحة ليتحدى الجميع ، الموت أقرب من جفن إلى عين ، أسرع من رفة هدب ، الأرصفة تترنح تحت أقدام العابرين كأنها الطريق إلى الجلجلة و كأنهم في طريقهم إلى جنازة جماعية و الصليب وطن ، الياسمين يتدلى فوق الأسوار بفضول يشوبه الحذر ، ربما ينتظر مطراً يغسل بياضه الذي أصابه الشحوب فصار أصفر كأن مرضاً اعتراه و أجَّل ضوعه إلى حين ، عربة السحلب لم تغير مكانها ، المازَهر ينعش الصدور ، و رَشَّة القرفة تكمل النكهة ، الأكف تقبض على الكؤوس بشغف و لذة ، تستمد منها بعض الدفء في صباح آذاريٍّ يشيع الشتاء نحو ربيع جديد ، على عربة الفول النابت عمال لَفُّوا رؤوسهم بشماخات بيضاء مرقطة بالأبيض أو الأسود ، منهم من حشر رأسه حتى أذنيه بطاقية صوف ، ستروا أبدانهم بما تيسر من فيلتات خاكية و بنطلونات جينز ، انتعلوا جزمات مطاطية أو أحذية بالية شائخة ، منهم من ثنى مؤخراتها لسهولة خلعها عند الضرورة ، مشهد يوحي بالكآبة و التعلق بالحياة في آن ، يرافقه صوت فيروز الهاطل كرذاذ ناعم من الراديو المربوط إلى أحد أعمدة العربة بخيط مَصِّيص : بقطفلك بس هالمرة / هالمرة بس عابكرا / عابكرا بس شي زهرة / شي زهرة حمرا و بس ، فجأة و دون سابق إنذار ، كل شيء تبدل ، تقول الحكاية إن الأغنية وفت بوعدها ، صار الورد حقيقة ، رائحة المازهر ملأت المكان ، راق بياض الياسمين ، صار أكثر نقاءً ، أضاءت الوجوه ، صارت أكثر صفاءً ، علت الأخاديد ابتسامات مترددة ، أفرجت الشفاه عن بوح حبيس القلوب طال انتظاره ، بوح علا رويداً رويداً حتى صار صرخة .
الساحات التي كانت وعاء الصخب و الوجوم و الحيرة و الترقب ، اتسعت ، صارت مسارح و كرنفالات و أعراساً ، الأزقة التي كانت مرتع المخبرين و العسس و الخوف صارت نهراً من القرنفل مسيجاً بالزنايق ، البرد الذي كان يسكن الضلوع صار دفئاً حرر الذات من هوان ، الجدار السميك الفاصل بين الخطوة المترددة و الموت المتربص ، شاخ ، صار بقايا وهم ، سرعان ما سقطت مداميكه كأوراق الخريف ، هرم الفزع .
الأيادي تشابَكُ كالسنابل ، كتف بكتف ، لهفة بلهفة ، حرف بحرف ، الموسيقا حامل وفيٌّ للحلم ، و الرقص طقس الأبرياء الأنقياء ، الرقص ارتقاء إلى أعلى ، يصير الموت شهياً حين نرقص ، تصير طريقه محفوفة بالدحنون ، تكتسي الأقحوان ، و تتخضب بماء الخلود ، الأهازيج لغة الحرية ، الجمع جوقة عصافير ، النغمات زقزقةٌ ، هديلٌ ، سرعان ما التف حولها كل من تاق إلى التحليق في فضاء أرحب .
صَّبِيَّةُ جميلة على الأكتاف تضفر صوتها بصوت شجي لشابٍّ أسمر ، الجمع حلقات دبكة ، هارموني بلا مايسترو ، المايسترو نبض القلوب : جنة جنة جنة / سوريا يا وطنَّا / يا وطن يا حْبَيٍّبْ / يا بو قليب الطيب / و الله نارك جنة … من أين أتى كل هذا الجمال ؟ كيف ائتلفت هذه القلوب ؟
أفرج الفجر عن ضياء مشتهى ، لا علامات تعجب تعلو الوجوه ، لا إشارات استفهام ، ليس ثمة علامة فارقة ، الخوف الذي تسيد اللحظة ذاب ثم سال كجليد لفحته الشمس ، صار السحلب أكثر دفئاً و المازهر ضوعاً زكياً و طعم القرفة أشهى ، و أغنية فيروز فاتحة كل صباح لاتزال تقطف زهورها الحمراء .
نزار غالب فليحان

  • Social Links:

Leave a Reply