محمود الوهب
“في مطلع العام 2005 أدلت وزيرة الخارجية الأميركية “كونداليزا رايس” بحديث صحفي لجريدة واشنطن بوست الأميركية, أفصحت فيه عن نيِّة الولايات المتحدة الأميركية بنشر الديمقراطية في العالم العربي لإعادة تشكيل ما يُعرف بـ “الشرق الأوسط الجديد “، ذلك الذي قال به في أواخر تسعينيات القرن الماضي رئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريس في كتاب له حمل العنوان نفسه. ورأت كونداليزا أن ذلك سيكون عبر ما أسمته بإحداث “الفوضى الخلاقة” في الشرق الأوسط. ولعلَّ كونداليزا حين قالت ذلك إنما كانت تعني بالضبط أنَّ المنطقة تحتاج إلى صياغة جديدة تأخذ، لاشك، بمصالح الولايات المتحدة الأمريكية بالدرجة الأولى، خصوصاً بعد أن زال من الوجود نقيضها الاتحاد السوفييتي، وغدت وريثته روسيا شريكاً صغيراً، وطبيعي أن تعنى الفوضى الخلاقة بمصالح إسرائيل، فلا فصل بينها وبين أمريكا.. وتعي أمريكا، بكل تأكيد، أن مشكلات المنطقة العميقة لم تحل بعد، وهي أشبه بجمر تحت الرماد، لابد أن تشعله، في وقت ما، رياح الغضب الشعبي..!
لاشك في أن وزيرة الخارجية كانت تعي الكارثة الفظيعة التي ألحقتها حكومتها بشعب العراق من قتل وتدمير دون أي حساب لمعاناته.. صحيح أن ثمة حكماً ديكتاتورياً كان قائماً وأنَّ انعدام الحريات والبعد عن الديمقراطية كان يشكل وجعاً حقيقياً للشعب العراقي.. لكن المؤكد أن الولايات المتحدة لا تريد للعراق ولا لأي بلد محسوب على العالم الثالث الانتقال إلى الديمقراطية التي تنهضه وتقوي بنيانه.. وليس غريباً أن تتضافر الجهود الأمريكية والإسرائيلية ضد رغبات الشعوب التي تتطلع إلى الديمقراطية بحق.. ولذلك فقد تآلفت مع حكومات عسكرية مستبدة رغم رفعها شعارات العداء لأمريكا وإسرائيل أو شعارات تتعلق بالتنمية ونهضة الأوطان.. فأمريكا تدرك أن الطريق السليم إلى التنمية والنهوض، لا يأتي عبر الاستبداد.. وبالفعل فقد توجه الحكومات العسكرية الاستبدادية إلى نزاعات عربية/عربية استفادت منها أمريكا وشجعتها وجعلتها فيما بعد مدخلاً رئيساً لا إلى تلك الفوضى التي تحدثت عنها كونداليزا رايس فحسب بل إلى استعباد المنطقة من جديد ومنعها من الدخول إلى حضارة اليوم بناء سياسياً ونمواً اقتصادياً وبالتالي إلى تخلف شعوب المنطقة وإغراقها بتلك الصراعات..
وعودة إلى تاريخنا المعاصر، والتمعن في الانقلابات العسكرية التي أتت بوجه ظاهري زاد من زخم الشعارات الوطنية والقومية، في الوقت الذي عمل على معاداة لا الأنظمة التقليدية الشبيهة بتلك التي انقلبت عليها فحسب متهمة إياها بالرجعية والعمالة، بل اختلقت خلافات مع الأنظمة الشبيهة (بعثا سورية والعراق مثالاً) تحت تأثير الحب المطلق للسلطة والذات، وهكذا كانت في كل مفصل تاريخي تميل إلى المحافظة على سلطتها أكثر من أي شعار ترفعه..! فمنذ ثورة تموز في مصر التي قادها الضباط الأحرار عام 1952 التي أعلنت عن إصلاحات جذرية للحكم الفاسد الذي انقلبت عليه، إلى الانقلابات البعثية في كل من سورية والعراق على مدى ستينيات القرن الماضي، إلى انقلابي ليبيا والسودان، أخذت معظم تلك الانقلابات تطبيق شعاراتها بالأسلوب العسكري لا بسعيها إلى الدولة النموذج وضرب المثل في الديمقراطية والتنمية.. وهكذا تدخّل جمال عبد الناصر في اليمن، ومارس حافظ الأسد الأمر نفسه في لبنان، كذلك احتل صدام حسين الكويت بعد انشغاله بحرب السنوات الثماني مع إيران، وهكذا..! وإذا كان العسكر الثوريون قد فعلوا ذلك منشغلين عن أهدافهم الحقيقية المعلنة فإن الأنظمة الأخرى ونموذجها الأبرز المملكة العربية السعودية قد سعت إلى حلفاء لها أكبر وأخطر على المنطقة كلها.. والمقصود بهؤلاء طبعاً الولايات المتحدة الأمريكية الحريصة على إسرائيل أكثر من أي دولة أخرى.. ولم يكن ذلك الانقسام حاداً ومطلقاً بل تحكمه مصالح الحاكم هنا وهناك، فقد يجري تقارب بين هؤلاء وأولئك كما حصل بين نظام حافظ الأسد البعثي والمملكة العربية السعودية منذ مجيئه متخلصاً من رفاقه البعثيين اليساريين، ثم ليدخل إلى لبنان متفقاً مع المملكة على إبعاد منظمة التحرير الفلسطينية واقتلاعها من وسطها الطبيعي الذي يمكنها من خلاله تحقيق أهدافها التي هي جزء من أهداف حزب البعث كما تقول وثائقه السياسية وشعاراته المعلنة.. وبعد أن غادرت منظمة التحرير صار لا بد من سعي الولايات المتحدة وإسرائيل نحو هدف آخر.. وهكذا رشِّح العراق ذو الحدود الأكثر قرباً من إسرائيل بعد سورية ومصر والأردن وهو الذي يمتلك جيشاً قوياً وثروات عظيمة.. يذكر أن سعود الفيصل وزير خارجية المملكة العربية السعودية همس في أذن ياسر عرفات في أحد لقاءاته (ما يشي بقلق ضمني لدى المملكة) “ما الذي سيفعله صاحبك(يقصد صدام) بهذا الجيش الكبير؟! فرد عرفات بنكتة ذكية:
أترغب أن نطلب إليه أن يغرقه بالبحر..” كان ذلك بعد أن حقق العراق نصراً في حربه مع إيران، وهكذا اقتيد العراق طوعاً أو كرهاً لاحتلال الكويت الأمر الذي ألَّب عليه العالم أجمع.. ودخل حافظ الأسد تلك الحرب إلى جانب أمريكا مبرراً ذلك برسالة صورية (يقول عنها العوام: “فض عتب”) كانت قد أرسلت إلى صدام حسين، في وقت كان الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب قد اتخذ قرار الحرب تحت اسم “التحالف” أو “عاصفة الصحراء” وضم أربعاً وثلاثين دولة منها: السعودية والإمارات والبحرين وقطر وعُمَان ومصر وسورية والمغرب وقد استقال حينها أمين الجامعة العربية التونسي “الشاذلي القليبي” فيما أعلن الأردن رسميا تأييده للعراق وعدَّ الحرب عدواناً على الأمة العربية، ومثله فعلت منظمة التحرير الفلسطينية إضافة إلى موريتانيا واليمن والسودان وليبيا..!
وحين أخذت موجة الربيع العربي تتجلى قوية، على أرضية هزائم متعددة الأوجه لأنظمة استبدادية وقادة عسكريين غارقين في فساد نتن، وتخلف غير مسبوق، باحتجاجاته الشعبية المليونية هاتفة للحرية والديمقراطية، انتبهت إليها كل من أمريكا وإسرائيل ومعهما حلفاؤهما الكثر في المنطقة لا لوأد ذلك الربيع بل للالتفاف عليه وتحويله إلى نوع من تلك الفوضى التي قالت عنها السيدة رايس، وما يؤسف له أنَّ الأنظمة وقفت إلى جانبهما لا إلى جانب شعوبها فساهمت في تدمير أوطانها وأكثر ما ينطبق هذا على سورية التي فرِّغت من كل قواها لتشكل ثالثة الأثافي التي تطبخ عليها إسرائيل قوت سلامتها.. ولعلَّ المساعي التي يقوم بها اليوم حلفاء أمريكا في العراق وسورية وليبيا واليمن وحتى في الجزائر والسودان الصاعدة هذه الأخيرة بقوة مستفيدة ممن سبقها..!
وربما يتساءل بعضهم اليوم:
هل نحن أمام موجة جديدة من حكم العسكر تأتي على أنقاض من سبقها؟! لا أعتقد ذلك فالمسألة أبعد من هذا التصور وأعمق.. والتاريخ لا يعيد نفسه، كما أنَّ الناس التي خرجت إلى الشوارع سواء بوعيها الذي دفعها للخروج أم بما اكتسبته خلال تجربتها الأخيرة.. لن تتوقف إلا بتحقيق الديمقراطية التي غدت مطلباً رئيساً يرتبط بعيش الشعوب وخبزها اليومي وبقدرتها على النمو والإبداع والارتقاء ولعلَّ تجربتي السودان والجزائر تؤكدان ذلك..! ثمَّ لا بد من أن تلامس رياح الديمقراطية الأنظمة كلها دونما استثناء فليست منطقتنا العربية خروجاً على المجتمعات البشرية كافة..!

Social Links: