وجهة نظر بشأن “ما يسمى بالمبادرة الوطنية “

وجهة نظر بشأن “ما يسمى بالمبادرة الوطنية “

 

افتح صدرك للمبادرات باب الاجتهاد مفتوح!: الفكر تتبدل صورته إذا ما تبدل موضوعه! ما بالك أنه يوجد أكثر من مائة حزب ومجموعة تُبدل بالفكر وصوره؟، أي مبادرة مهما كانت على نضج لا بد أن يحل الصانع محلها في السياق النفسي، وهذا ليس شخصنة إن الشخصية جزء منها والطابع الموسوم به الصانع له مكانته في كومة الأفكار، فالفكر يتجلى أحياناً برشاقة تقودنا للاعتقاد أننا نحلق في ما وراء الوقائع تحت تأثير الفكر الصوري، وكل فكر صوري هو تبسيط نفسي ناقص مهما بني على مادة ومثالية ومهما استبدل من أمثلة أو أحل بعضها محل بعض، المبادرات تعددت وكل واحدة في زمنها استهدفت التراجع قليلاً عن نص قرارات الأمم المتحدة باستثناء مبادرة كوفي أنان المطابقة لجوهر القرارات، وهذه المبادرة الأخيرة طفح فيها الكيل مهما تلون الصانع فهي تكشفه أكثر. ذاكرة الشعب السوري ليست مسطحة كما يضن البعض إنها عميقة متعددة التعاريج بعمق وجود الشعب التاريخي على هذه الأرض وتنوع نسيجه الاثني والديني والعرقي، ولذلك ليس من الصعب عليه التفريق بين المبادرات المتنوعة التي تُطرح باسمه أو “حرصاً عليه”، ذاكرة الشعب السوري تختزن أسماء ورموز وشخصيات لعبت دوراً في شق الصف الوطني، سواء في زمن المجلس الوطني أو بعده الائتلاف وصولاً للجنة التفاوض العليا “وبعد ما عصر الجميع التناحر والتناقض”، وتتذكر ذاكرة الشعب مرحلة الحرب والتذبذبات التي ابداه المندفعون اليوم لطرح مبادرات واعتماد نهج حلفاء النظام دعماً لها، وجاء دورهم واضحاً لإضعاف معسكر العلمانيين والوطنيين أمام الإسلام السياسي، المبادرة الجديدة تأتي لإنقاذ النظام وحلفائه، إن من ساهم مبكراً بتفكيك وحدة الصف وإن كان يعتبر اسمياً مواطناً سورياً ولا نصادر له ذلك الحق، لا يمكن له أن يظهر اليوم صادقاً مع نفسه في تقديم المبادرات البناءة، بعد أن جال وصال على كل المتدخلين السلبيين مستجدياً المساعدة للوقوف على رجليه وبشكل مشوه لمواصلة الطعن بالثورة والإجهاز عليها، مستغلاً تارة أخطاء واستعصاء الثورة، وتارة قوة الغزاة والنظام، ولا يهمل تراجع “اصدقاء الشعب” تارة أخرى، وعليه اليوم إدراك أن كل شيء يمشي جنباً إلى جنب المفاهيم وإنشاء المفاهيم، والمسألة لا تتعلق بالكلمات ذاتها وتبديل معناها، فالعلاقات النظرية بين المفاهيم تبدل تعريفها كما يبدل تغيير تعريف المفاهيم علاقاتها المتبادلة، ويكشف الغوص في جوهر المبادرة والمؤتمر الصحفي عن محاولات اعتماد تلك المتاهة. على صاحب المبادرة التذكر أنه في الفلسفة يمكننا التأكيد على أن الفكر تتبدل صورته إذا ما تبدل موضوعه، فهناك معارف تبدو ثابتة وتجعلنا نتوهم أن سكون المحتوى المتلاعب به ناجم عن استقرار الحاوي وإرادة حرة، فقوام بنية الأفكار ليست بالتراكم أو بحجم كتلة المعارف الثابتة، بل الفكر العلمي الذي يقود إلى نتائج هو الذي يجسد الواقع الموضوعي أمام كتلة الجماهير ليصبح جزءاً من الحدث التاريخي وإنشاء المفاهيم غير المثلومة أو الملوثة، فالجماهير جربتك وعرفتك وكل محاولاتك لن تنطلي عليها، وأنت تدرك ذلك وعليك وفق ما تدعيه من الحرص ألا ترتبط أي مبادرة باسمك لأسباب منها ما هو في تاريخك في السبعينات والثمانينات وبعدها في المنظمات الدولية والغزل المكشوف مع النظام وزياراتك لسورية آنذاك، وفق هذه المقدمة أود تناول “المبادرة الوطنية السورية” ومؤتمر صاحبها الصحفي. في جوهر المبادرة اختفت كلياً إمكانية تحديد المسؤولية وأمام استخدام أفعال المبني للمجهول والاستعارة غير الموفقة، بل تعدت ذلك للقول أن التدمير سببه الضحية، والمجتمع الدولي ” وفق مفهوم المؤامرة الكونية” وتعترف المبادرة بوجوب تشكيل لجنة محاسبة وعدالة انتقالية ولا تضع المسبب في دائرة الاتهام، على الرغم من عمل العديد من اللجان الحقوقية الدولية باتجاه اتهام رأس النظام والمقربين جداً بجرائم حرب، تطرح المبادرة بحياء تشكيل هيئة انتقال ولكنها تدعوا للبدء بعملية الإعمار بوجود السلطة القمعية، متجاهلة المصطلحات والمفاهيم الواردة في القرارات الدولية وجنيف (1) كمعنى ومدلول، كل ذلك يُعبر عنه بتبديل مفاهيم وتبديل معنى وتعريفات ليتغير الهدف والمعنى والوظيفة في إطار سبك الكلمات والتلاعب. واضح ومن مقدمة المؤتمر الصحفي أن المتحدث يقلقه الركود وعليه تحريك المسألة السورية ولو على حساب تضحيات السوريين لا يهم ؟!، يتحدث عن حراك عفوي في هذه الآونة ويتجاهل الحراك العفوي التلقائي في عام 2011 وهذا ما يفسر اعتقاده أن حراك السوريين آنذاك هو حركة تشدد ولا يذكر دور النظام الذي احتاج لشهور لقلب الطاولة على أهداف الجماهير والثورة، يكرر صاحب المبادرة عند حديثه أنه لا أحد وراء طرحها ولكي لا تصادر إرادة المؤتمر الجامع يطالب أو يتحدث عن احتمالية (كان) عقده في دمشق وهذا بحد ذاته تسويق رخيص مفاده أن النظام الذي فعل ما فعل هو نظام وديع يقبل اجتماع “المعارضة ” في عقر دمشق المحتلة إنها خباثة من القاصد وليست غباء فكرة وهناك ما وراء ذلك. وكما قالت العرب الكذب ملح الرجال تقول المبادرة أنها نشأت بتعاضد ثلة من أبناء الشعب ونحن لسنا بصدد تصنيفات تأخذ الثلة والجماعة والكثرة والقلة وغيرها قياساً لجوهر الأفكار، “لا أحد ينادي على زيته عكر”, ولكن نقول لصاحب المبادرة أن النظام اليوم لا يمانع من العمل مع “المعارضة” من أجل التعاون لتقليم أظافر المحتلين الذين هم سبب إعادة تأهيله وكانت التكلفة باهظة أودت بالسيادة، الحالة التي وصلت إليها البلاد قديمة العقود ولكن أبرزها وضوحاً وتدميراً كانت السنوات الأخيرة، وعندما نطالب بالتغيير الديموقراطي تمتد يد التغيير عمقاً إلى تخوم نهاية الخمسينات. الاعتراف بقرارات جنيف والأمم المتحدة ليس بالبراعة التي تقدمونها بتغيير التعريف والمصطلح لتقريبه من خطاب إلى من يهمه الأمر، الاعتراف هو احترام نصية القرارات التي وأدها النظام على الرغم من موافقته عليها، إن الذاكرة القصيرة تجيز لصاحب المبادرة الادعاء أنه مكتشف القطب الخامس المقابل لزحل وهناك يكمن الحل، إن ما ورد في ثنايا وأسطر المبادرة والقصد تجميلها يتضمن الكثير مما كرسته تضحيات الشعب وقواه الحقيقية والفارق أن الشعب لم يساوم كما ساوم من يدور حول محوره خوفاً منه أو ادعاء الحرص عليه، البراعة تتطلب من الجميع الاعتراف وتحديد وبشكل لا يقبل الشك الجناة، والدعوة للثبات حول الحل السياسي المُتَضمَن بقرارات الأمم المتحدة دون لف ودوران وتضمين وتظليل، والاعتذار للشعب عن الممارسات التي قمتم بها سابقاً بعيداً عن أهدافه.
الدكتور اسماعيل ابو عساف

  • Social Links:

Leave a Reply