“صَبَوات ياسين” لـ خيري الذهبي

“صَبَوات ياسين” لـ خيري الذهبي

المُثَقَّفُ من التَشَتُّتِ إلى العَدَم و الحاكم من العَدَمِ إلى التَّأْليه

لأن العادة و المنطق يفرضان عليك أن تقرأ الرواية تبعاً لتوالي عرضها من الصفحة الأولى حتى نهايتها بترتيب لا يمكن الإخلال فيه ، فإنك تفعل ذلك بتلقائية لا تردد فيها و لا إعادة نظر ، لكن يحدث – حين تود كتابة قراءتك حول نص روائي – أن يمنحك هذا النص الحرية كاملة في تناوله من كل لحظة فيه ، و من كل فكرة ، و من كل انعطافة أو تحول في سير الأحداث أو في تدفق السرد .
هكذا “صَبَوات ياسين” ، نص كتبه “خيري الذهبي” كما ينسج العنكبوت مملكته متيناً كفاية ريح شفيفاً كفاية نور ، كخياط بإبرة واحدة و بألف إصبع و ألف كشتبان ، انطلق في حبكته من القطبة الأولى – لا بد من بداية – و مع كل قطبة كان يعود ليتفقد ما أنجزه بلهفة ، حتى أنجز آخر القُطَبِ و استراح و هو ينظر إلى النص نظرته إلى إيناع “كَبَّادةٍ” جديدة في فناء البيت الذي ولد فيه في “قنوات” دمشق التي رحل عنها جسداً و أسكنها القلب .
“خيري الذهبي” كان الرواي في هذا النص ، الراوي العليم ، على الرغم من ثقافة و وعي الشخصية الرئيسية “ياسين” و إمكانية أن تكون هي الراوي ، لكن – ربما – فضل الكاتب أن لا يشغل “ياسين” برواية النص ، و تركه لصَبَواته و تشتته و انكساراته و حرماناته و تشظيه ، و ترك للقارئ متعة متابعة الصراع الداخلي المعتمل داخل “ياسين” و حرقة ترقب المآلات التي سيؤول إليها ، و هنا لا بد أن أسجل أن “خيري الذهبي” يصف هذه الحالة بأنها “شيزوفرينيا المثقف” .
فبين سيرة الحاكم الجديد و تاريخه الذي يجب أن يُكْتَبَ أمامه و تحت إشرافه كي يستمتع به حيّاً و يخنق البلاد و العباد به مَيْتاً ، و بين سيرته التي كتبها خلسةً ، يضيع “ياسين” في متاهة أن يبقى مخلصاً لمبادئه و ما جبل عليه حين كان واحداً من مجموعة مثقفي الماضي في زمن ما قبل انقلاب الحاكم الجديد ، أو أن يكون شاهد زور يشوه تاريخاً مضى و شاهد زور مرة ثانية يجمِّل تاريخ الحاكم الجديد .
و كلما أشرف “ياسين” على السقوط في منزلقات السلطة ، كانت كلمات “دلال” – صديقة العهد الجميل – تحضر :
“أنت آخر من نتكل عليه – يا سين – إكراماً لكل الأيام الماضية ، لا تسقط ! لا تعبث بالتاريخ ! ياسين … أنا أعرف ما يجرُّونك إليه : أن تكون الشاهد من الماضي و الرسالة إلى المستقبل على عدالة ما يفعلونه … ياسين … لا تسرق حلم الغد من أبنائنا !”
و لا يطلب الحاكم الجديد سيرة أقل من أكثر سيرة تأثيراً في الذاكرة الشعبية للبشر ، هذا ما يطلبه السلطان الموعود بالحكم ، و هذا ما أسماه ياسين “سيرة مولانا عنقاء الزمان” .
“ياسين” الذي لو سمع نصيحة زوجته “أسيمة” و قفز من قطار السلطة المُنْقَلَبِ عليها لكان نجا من إقصاء السلطة المُنْقَلِبَةِ و تجريدها إياه من حقوقه المدنية و السياسية عبر خطاب ثُبِّتَ بدبوس على باب بيته .
هي خيبة أخرى تضاف إلى خيبات “ياسين” ابن الأرفعي ، الأب المقامر و البورصجي السكير الذي ترفض زوجته أن تصرف على أبنائها من ماله الحرام معتمدة على ما يصرف لها من وقف لأحد الأقرباء ، لينتهي الأمر بها في بيت أهلها حيث أمها و أخيها ، هناك تتعزز خيبة حرمان “ياسين” من حضن الأم لأن اللثم و اللمس هناك حرام ، ثم تحضر خيبة عدم الالتفات لإبداع “ياسين” في الكتابة و تفضيل التزام خاله و عبادته و إمامته ، إلى أن ينتهي به الأمر ناقداً لاذعاً بعد أن ترك كتابة القصة ، أراد أن يكون المستبد العادل في عمله كناقد ، فاصطدم بـ “أسيمة” التي هاجمها بأكثر من مقال بعد أن لفتت نظره على المسرح دون أن تعيره اهتماماً قبل أن ترد عليه بلكمة ترج مخه فيقعا في حب بعضهما و يتزوجان .
لكن “ياسين” يصبح ذات انقلاب طريد السلطة الجديدة ، فيهرب إلى بيت جده حيث يخبئه الخال – الند على مستوى العائلة و الند على مستوى الفكر – في مزرعته ، ليهرب ثانية بعد اكتشاف مكانه من قبل عسس السلطة الجديدة إلى جزيرة نائية عن المدينة محاطة بنهر “قليط” الذي تقذفه المدينة بكل فضلاتها ، هناك تنقذه “ليلى” من النهر و تعمِّده من ماء “قليط” الآسن بماء نظيف و تتخذه زوجاً ، فيجد فيها الخلاص من كل خيباته ، إمتاع و مؤانسة و حب و تفانٍ في منحه الدلال الذي يشتهيه ، أحيت “ليلى” – التي تعمل و أهل بلدتها بفرز نفايات المدينة و بيعها – جسد “ياسين” بعد أن كان رميماً و أيقظته بعد أن كان في سبات عميق و أعادت إليه لذة أن يحيا مع امرأة منعتقة من الرتابة نحو الحياة كما يجب أن تعاش بلا صراعات و لا دماء و لا قتل ، نزوع نحو الحياة ليس إلا .
لكن نداء المدينة يعلو في رأس “ياسين” ، يأبى إلا أن يترك “ليلى” و يعود ثانية إلى “أسيمة” حيث تتلقفه أذرع السلطة و تُكْرِهُهُ على كتابة سيرة الحاكم الجديد ، فيذعن و ينكب على كتابتها ، إلى جانب كتابة سيرته السرية ، و يحاط بمغريات السلطة من المناصب و العيش الرغيد و المحاباة ، ليتصاعد الصراع المرير بين أن يخضع لمشيئة السلطة أو أن يثور عليها ، الصراع الذي لم تكن ثمة ضرورة له أو لمرارته لو أن عواقب أن تقرر ما تشاء بحرية مطلقة لا تبدأ بالتصفية .
طيلة النص يبحث “ياسين” عن ذاته ، يخلق من نفسه “ياسيناً” آخراً ، يجهد في الوقوع على ملامحه ، يضيعها ، يلملمها ، تضيع من جديد ، ظل رهين صراع النقيضين ، الالتزام و الخضوع ، حتى اقتنع نهاية الأمر أنه العدم حين لم يعثر لوجهه على أثر في المرآة .
“ياسين” في “صَبَوات ياسين” يفعل فعل “دويدار” و “الدينوري” في كتابة سيرة “الظاهر بيبرس” على فصول متوالية يوافق عليها “الملك الظاهر” ليعتمدها ، و كما جُعِلَ “الظاهر بيبرس” بمنزلة الإله ، طُلِبَ من “ياسين” أن يصل بالحاكم الجديد إلى منزلة الإله .
في لقاء تلفزيوني معه ، يقول “خيري الذهبي” لـ “أحمد علي الزين” :
“هناك ظاهرة في بلادنا غير موجودة في بلاد أخرى ، هي أن تشتري عبيداً و تجعلهم ملوكاً ، أي النظام المملوكي ، و يتطرق “خيري الذهبي” لسيرة “الظاهر بيبرس” و يقول : إنها ظلت سيرة شعوب المنطقة ثمانمائة عاماً ، ثم يستأنف : لدينا قادة أعظم من “الظاهر بيبرس” ألف مرة ، لكنهم دون سيرة ، و من كُتِبَتْ سيرتهم هم من تركوا وراءهم هذا التاريخ الذي وصلنا إليه الآن ، الحاكم يملك الأرض و ما عليها و ما فوقها و ما تحتها و يملك رقاب الناس جميعاً”

نزار غالب فليحان

  • Social Links:

Leave a Reply