ما بين القواد والجاسوس، الفاسد والقاتل …الجريمة مستمرة.

ما بين القواد والجاسوس، الفاسد والقاتل …الجريمة مستمرة.

سامر كعكرلي 

خلال التحقيق في قضية الجاسوس الإسرائيلي “إيلي كوهين” دخل على قاضي التحقيق ( كان وقتها الرائد صلاح الظلي) شخص رافعا” يديه وقائلا” بأعلى صوته: ((سيدي!! أنا عرصه فقط، ولا شيء أكثر، فقد كنت مسؤولا” عن تأمين فتيات الليل، لزوم متعة الضباط الذين كان كوهين يستقبلهم في منزله))، فقال له المحقق وهل أسجل هذا الكلام في محضر رسمي، فرد عليه ))نعم سيدي.. سجل وثبت بأنني عرصه فقط)). وذلك بمفاضلة بين القواد والتجسس لإدراك ذلك الشخص ( الذي يقال بأنه أصبح وزيرا” في أحد حكومات الأسد الأب) بأن صفة القواد ستقوده حتماً لأعلى المراتب في دولة الأسد.
ومفاضلة القواد هذا، لا تختلف عن المفاضلة ما بين الفساد والقتل التي قدمها “شوقي الماجري” في مسلسله “دقيقة صمت” الذي عُرض على قناة الجديد والذي تعرض لضجة إعلامية تتلخص بالهجوم عنيف من قبل المؤيدين لأنه على حد زعمهم يسئ للنظام الذي باتوا يعبدوه، وتوج هذا الهجوم ببيان رسمي من قبل وزارة إعلام النظام تبرأت من هذا العمل. واتهمت كاتبه سامر رضوان بأنه شخص مشبوه وملاحق قضائياً وبدون الدخول بموقف الكاتب رضوان وتصريحه على قناة الجديد التي تعتبر قناة موالية لنظام الأسد بأنه يعرف نفسه على أنه عدو لنظام الأسد لأن الحكم على ما شاهدناه خلال الثلاثين حلقة من المسلسل.
ولكن قبل الدخول بتفاصيل المسلسل أود أن أنوه بأن هذه الضجة الإعلامية التي رافقت عرض المسلسل قد انطلت علي شخصياً وجعلتني متشوقا” لحضوره، على الرغم من مقاطعتي للدراما السورية منذ انطلاق ثورة الكرامة والشرف في سورية، وذلك لأسباب بات الجميع يعرفها وعلى رأسها الموقف المخزي الذي وقفه غالبية ما يسمى نجوم سورية في تلك الثورة، وأيضاً على الرغم من نصيحة كاتب السيناريو السوري الأستاذ حافظ قرقوط بعدم الاهتمام لهذه الضجة ولاسيما وأن القائمون على العمل باتوا معروفين بمواقفهم المخزية تجاه شعبنا السوري، فالمخرج “شوقي الماجري” قاد مظاهرات لقوميي تونس تطالب بعودة النظام السوري للجامعة العربية، وبطل المسلسل عابد فهد يهدي الجائزة التي حصل عليها في بيروت للجيش الأسد.
بالعودة للمسلسل فهو بدأ منذ لحظته الأولى بعرض قضية فساد في أحد سجون سورية وخلاصة تلك القضية بأنه تم إعدام شخصين بريئين بدلا” من آخرين محكومين بالإعدام، ويبني المسلسل روايته استناداً لتلك القضية التي يمكن تصنيفها بدولة الأسد على أنها من أتفه قضايا الفساد وبالطبع ليس استهتاراً بدماء الأبرياء، ولكن في نظام مثل نظام الأسد يقتل في اليوم الواحد عشرات وربما مئات الأبرياء إما تحت القصف أو بالمعتقل يعتبر إعدام بريئين تفصيلاً صغيراً في دولة الموت.
وبخلال سرد المخرج لتفاصيل مسلسله بث عدة سموم خبيثة، توضح بشكل جَّلي بأن أصابع رجال المخابرات السورية من وراء هذا المسلسل. وأولى تلك السموم بأنه أوحى للمشاهد في الحلقات الخمسة والعشرين الأولى بأن فريق الفساد الذي يتزعمه الممثل “فايز قزق” بشخصية “راغب بيك” ينتمي للصف الثاني من النظام السوري أي قد يكونوا أعضاء قيادة قطرية ولا سيما وأن كلمة “اجتماع القيادة” كررت كثيراً في تلك الحلقات، ليعود المخرج في نهاية المسلسل ويوضح أن هذا الفريق الفاسد ينتمي للصف الثالث وربما الرابع في التسلسل الهرمي لنظام الأسد.وذلك بهدف تبرئة رموز النظام من قضايا الفساد، وليزيد المخرج في تضليله جعل “فايز قزق” في أحد المشاهد يطرح فكرة اشتراك المجلس القضائي الأعلى الذي يرأسه دستورياً رأس النظام في طمس معالم الجريمة، ولكن بحركة بهلوانية من المخرج ينتقل عبر كلمة قالها المخرج على لسان “فايز قزق” هي ((هذا مستحيل)) وذلك لتأكيد المسلسل بأن رأس النظام بعيد كل البعد عن قضايا الفساد.
والسم الآخر الذي استخدمه المخرج هو تركيزه على عصام شاهين العميد في سلك الشرطة، والذي لعب دوره الممثل “خالد القيش” حيث جعله المخرج الرأس المدبر لكل القضية الفاسدة مع التركيز الشديد على عدم ظهوره سوى بالزي الرسمي لإبعاد الشبهة عن رجال الأمن الحاضنين الرئيسين لأي قضية فساد في سورية، وأنا هنا لا أدافع عن سلك الشرطة المدنية في ظل نظام الأسد ولكن في بلد كانت طرفة أن ((كل خمس عمداء يساوون سيارة مبيت فوكس صالون)) هي السائدة، من غير المعقول بأن يكون طرفاً في قضية بهذا الحجم.
والقضية الأخرى في شخصية العميد عصام هي إصرار المخرج على ماكياج الممثل “خالد القيش” الذي جعله شبيه نوعا ما “لرستم غزالي” الذي قتله النظام بعد أن انتهت مهمته سواء في لبنان أو في قنع الثورة السورية وطبعاً لذلك مدلولات كبيرة، أهمها البعد الطائفي ومحاولة للإبعاد أي شبهة على ضباط الأمن الذين ينتمون لطائفة رأس النظام.
ولعل أخطر سموم المسلسل برأي شخصياً هو ما حاول المخرج شوقي الماجري تكريسه عندما جعل شيخ الضيعة “أبو إبراهيم” الذي لعب دوره الممثل “جهاد الزعبي” يتكلم بالغة القاف والتي ترتبط في ثقافة الشعب السوري بطائفة رأس النظام السوري، مع العلم بأن جميع الممثلين الرئيسين في مشاهد الضيعة يتكلمون اللهجة الدمشقية المعتادة، وبالطبع يهدف المخرج بذلك لهدفين رئيسيين: الأول هو إثارة الطائفة العلوية على باقي مكونات الشعب السوري بسبب ما يعتقدونه بنظرته الدونية لتلك الطائفة، وهو ما استغله النظام السوري بشكل جيد بخلال قمعه لثورة الشعب السوري، وقد نجح بذلك المخرج بدليل كم التعليقات الطائفية الكبيرة على القائمين على المسلسل وعلى رأسهم “نبيل فياض” الذي عالج تعصبه المقيت الإعلامي السوري “مشعل العدوي” في تسجيل مصور خاص به. والسبب الثاني هو إصرار المخرج على عدم تقبل شيخ الضيعة وما يمثله من فكرة العودة من الموت في وقت جعل كل أفراد القرية من متعلمين ومثقفين وبسطاء يؤمنون بتلك الفكرة في تناقض غريب لدور رجل الدين في تلك الأمور.
في النهاية يريد “شوقي الماجري” ومن خلفه كل أجهزة القمع والقتل التي يتحصن بها نظام الأسد تكريس فكرة أن النظام قد يكون فاسداً ببعض أزلامه إلا أنه غير مجرم، ولكن وإن نجحت مفاضلة القواد في فترة زمنية كان الشعب السوري مغيباً بالكامل إلا أن النظام وكافة أجهزته يعلمون الآن بأن زمن تغييب الشعب السوري قد انتهى بلا رجعة بفضل أشرف وأطهر ثورة عرفتها البشرية، وأن مقصلة العدالة التي ستقتص منهم على أجرامهم قادمة لا محالة فبدأ الصراخ والقول بأنه قد يكون فاسد لا مجرم، ولكن سبق السيف العذل فالدماء الطاهرة الزكية التي سفكها هذا النظام ضد الشعب السوري لن تذهب هباءً، ولن يحاكم هذا النظام وزمرته سوى بتهمة القتل لأن القاعدة القانونية تقول بأن الجريمة الكبيرة تقصي الجريمة الصغيرة.

  • Social Links:

Leave a Reply