في ذكرى تأبین المرحوم الطیب تیزیني

في ذكرى تأبین المرحوم الطیب تیزیني

أطیب تحیة للأخوة والرفاق المشاركین في هذه الفعالیة في ذكرى أربعینیة المرحوم الراحل المفكر
الطیب تیزیني .
كل الشكر لمنظمي هذه الفعالیة التي تعبر عن معاني الوفاء والتقدیر لقامات وطنیة وفكریة سوریة ؛ مع
الأمل أن یصبح ذلك من أعرافنا الوطنیة والثوریة ؛ وألا یكون ظرفیا” ولا مرتبطا” بشخص أو
فكرة معینة بل تقلیدا” مستمرا” في تكریم الراحلین المبدعین في كل المجالات .
الأخوة الكرام
في ذكرى تأبین الراحل الطیب یحضرني ؛ مواقف وذكریات مشتركة معه أسرد بعضها هنا
بإیجاز ؛ ثم أقدم لكم اقتراحات في تكریس اسم الطیب الراحل وإرثه الفكري والفلسفي ؛ أعتقد أن
المجال الضیق هنا لا یساعد في الحدیث والبحث في تقییم ونقد الإنتاج الضخم للراحل وإن كان
یمكن الإشارة بعجالة لنشاطه السیاسي والاجتماعي .
أود بدایة التعلیق على الحالة التي رافقت إعلان وفاة الطیب وردود الأفعال التي رافقت عملیة نعي
المرحوم في وسائل التواصل الاجتماعي .
للأسف بدأت تنتشر ظاهرة ؛ربما تكون سوریة خاصة ؛ تترافق مع كل حالة لإعلان وفاة أحد
المشاهیر أو الرموز والأعلام ؛ تبدأ في إشكالیة الترحم على الفقید ؛ حیث یدور النقاش والجدل
والخصام حول جواز الترحم علیه أم لا ؟ في إشارة واضحة لربط ذلك بدینه أو مذهبه وطائفته أو
مدرسته الفكریة والأیدلوجیة وحتى السیاسیة ؛ ویشكل تكریس هذه الظاهرة إشارة خطیرة لحالة
التصدع الفكري والمجتمعي وتفشي العداوة والأحقاد وتراجع التسامح بشكل واضح ؛ وما یثیر القلق في
تلك الظاهرة انخراط فئة واسعة من المثقفین والسیاسیین في تفاصیلها والوقوع في فخها ؛ وأكد ذلك
الحاجة لثورة فكریة ثقافیة لتغییر وقلب مفاهیم بائدة لكنها لا تزال سائدة في المجتمع .
انتشرت نعوة الطیب تیزیني بشكل واسع على وسائل التواصل الاجتماعي مع إشادة بمناقبه وتواضعه
وسجایاه الطیبة ؛ وكانت صورتان الأكثر انتشارا” للمرحوم بعد وفاته : الأولى بكاؤه في لقاء متلفز
على الهواء مباشرة عندما تذكر شهداء مجزرة الساعة بحمص ؛ والثانیة كلمته في اللقاء التشاوري التي
كانت جریئة وصادقة ؛حیث اتضح بعد سنوات أنها كانت تشخیصا” صائبا” للمأساة السوریة واستقراء
مبكر لمستقبل سوري دامي ؛ وحتى الذین لم یكونوا یعرفون الطیب من قبل أصابهم الندم على
تقصیرهم ؛ وفتح ذلك الباب للتساؤل عن أسباب تجاهل المبدعین والمفكرین في حیاتهم ثم تذكرهم فجأة
عند رحیلهم والإضاءة علیهم بعد فوات الأوان .
المفاجئ كان موقف نظام الأسد ؛ حیث جرى تجاهل تام لذكر رحیل الطیب في مختلف وسائل الإعلام
التابعة للنظام ؛ وساهم الترهیب المخابراتي في نشر الخوف والحذر الذي جعل عددا” قلیلا” فقط من
الأشخاص یرافق الطیب في رحلته الأخیرة قبل وداع حمص ؛ وأعطى ذلك مؤشرا” واضحا” لثقافة
الانتقام التي لا تزال أجهزة النظام تمارسها حتى على الراحلین الرافضین والمعارضین لنظام الأسد .
معرفتي وتفاعلي مع الطیب في الإطار العام كانت من خلال كتبه ومقالاته ومحاضراته ؛ ومن
خلال ندوة الأربعاء الحمصیة في مقهى قرطبة بجورة الشیاح التي كانت تضم ثلة من أعلام الثقافة
والأدب والفكر في حمص ؛ وهي جلسة دوریة لطیفة ممتعة ؛ لكنها محدودة الحضور لضیق المكان

وقد شاركت بعض جلساتها بدعوة من الطیب والراحل الشاعر الأستاذ خالد الزهراوي والدكتور عبد
الإله النبهان وغیرهم من الأعلام المعروفین ؛ ویا ریت تلك الجلسات كانت مسجلة أو موثقة سواء
بالصوت أو الصورة ؛ لكانت مهمة لتضاف لأرشیف حمص الثقافي .
أما لقاءاتي الثنائیة مع الراحل فكانت باقتراح صدیق مشترك بعد رسائل متبادلة ؛ أعقبها إبداء الطیب
رغبة في اللقاء الذي تكرر فیما بعد حسب الظروف .
انطباعي الشخصي عن الراحل الطیب ؛ كان في محاضراته قاسي ورصین وصارم سواء في مواقفه
الحادة أو في لغته العربیة السلسة الجمیلة ؛ واستخدام مصطلحات فلسفیة فكریة ؛ ومنها ما بات یعرف
من ابتكار الطیب في توصیف الفساد والإفساد والدولة الأمنیة .
في لقاء ممتع مع الطیب اقترح وقتها هو أن یكون على رصیف مقهى الفرح التي یهوى الجلوس فیها
مع أركیلة من التنباك ؛ كان توقیت اللقاء بعد مواقف واضحة حادة من الطیب باتجاه معارضة النظام ؛
وتوقیعه على إعلان دمشق وبیروت ؛ وكان وقتها متابعا” من أجهزة المخابرات التي قامت بالتقاط
عدة صور لنا .
لقاء جمیل أخر جرى مع إرهاصات الثورة السوریة ولیلة سقوط بن علي دیكتاتور تونس ؛ حیث تأخر
عن اللقاء الذي كان في مكتبي بحمص یوم الجمعة مساء كما أذكر ؛ وقد أثار تأخره قلقا” شدیدا” ؛
لكنه انهمر بالبكاء فور دخوله وهو یردد متى نرى مثل هذا الیوم الذي یعلن فیه عن رحیل النظام ؟
وهل سنرى أو نعیش ذلك الیوم الذي تتمتع فیه سوریة بالحریة ؟ كان شعوره صادقا” جعلني من التأثر
الشدید عاجزا” عن الرد .
في مقهى قرطبة بعد أن كادت جلسة الأربعاء تتلاشى لصعوبة التئام الشمل ؛ وتحولها لبعد الظهر بدلا”
من اللیل ؛ شاهدت الطیب حزینا” مكسوؤ الخاطر ؛ مرة عند انتشار قصة زینب الحصني المحیرة
؛وكان هناك قریب لها في المقهى فطلبت منه أن یروي للطیب الواقعة كما حدثت و سبب له ذلك
صدمة كبیرة مع اكتشاف زیف وسائل إعلام النظام ؛ ومرة أخرى بعد اللقاء التشاوري وكان لي وقتها
عتب على الطیب ا لمشاركته في اللقاء ؛ ولكنه برر ذلك بقیامه بما شعر أنه واجب وطني ؛ رغم توافقه
معي بعدم جدوى أي حوار مع النظام وأنه لن یستجیب وأنه قام باستغلال اسم الطیب في حضور اللقاء .
في القاهرة كنت ضیف محطة النیل الإخباریة في برنامج حواري ؛ كانوا یبحثون عن ضیف من الداخل
السوري ولم یفلحوا في ذلك ؛ وعندما سألوني اقترحت اسم الطیب واتصلت به ؛ وقبل المشاركة في
اللقاء ؛ وأبدع في الحوار الأمر الذي استدعى مقدم البرنامج أن یطیل له زمن المداخلة أكثر من المقرر
وكنت سعیدا” بمشاركته تلك .
لا یتیح هذا المقام الضیق إمكانیة الحدیث والتفصیل عن فكر الطیب الفلسفي ؛ ولا عن رؤیته في
التغییر ؛ ومواقفه من نظام الأسد ؛ ورؤیته للعمل ضمن مؤسسات الدولة المختلفة ومحاولة التغییر من
خلالها ؛ ویحتاج ذلك لمناسبة ووقفات أخرى قد ینظمها منبركم الكریم بمشاركة طیبة من أخوة ورفاق
كرام .
هناك الكثیر مما یمكن عمله في تكریم فقیدنا الطیب الذي عاش وترجل متواضعا” نبیلا” كریم النفس ؛
ولن ترتاح روح الراحل قبل أن یرى الرسالة التي نذر نفسه وحیاته لها قد باتت حقیقة واقعة وهي رسالة
الحریة

أقترح أن یقوم مختصون في وسائل التواصل الاجتماعي بإنشاء صفحات تحمل اسم المرحوم من أجل
العمل على أرشفة حیاته وذكریاته وذكریات الأخرین معه ؛ وكذلك الاضاءة على إنتاجه الفكري
والفلسفي ؛ ونشر قراءات نقدیة لمشروعه النقدي للتراث العربي الإسلامي ؛ ویحتاج ذلك تضافر
جهود مجموعة من المختصین والمهتمین والمحبین للراحل واعتقد أنهم كثر .
التكریم الأساسي للطیب یحصل كما كان یحلم عندما تغدو سوریة دولة حرة مستقلة دیمقراطیة ؛
وعندها یمكن اقتراح متحف یضم إنتاجه وأرشیف حیاته ؛ وأتمنى أن یتم تسمیة أحد مراكز الأبحاث
باسمه وهو كان یحلم أن یقوم بتأسیس ذلك مع صحیفة ودار نشر حسب ما أفضى لي بذلك .
ولا بد من إعادة طبع كتب الراحل وإنتاجه الغزیر بطبعات أنیقة محققة مفهرسة وهو أمر ممكن لو
توفرت جهود مخلصة في التواصل مع دور نشر ومراكز أبحاث مهتمة .
ختاما”
أشكر منظمي هذه الفعالیة الطیبة في ذكرى أربعینیة رحیل الطیب
الراحل الطیب تم تصنیفه ضمن أهم مائة فیلسوف في العالم في القرن العشرین لكن رحلة وداعه
المحدودة كشفت هشاشة المجتمع واستمرار سطوة الدولة الأمنیة التي حاربها في حیاته .
لا كرامة لنبي أو طیب في وطنه كما یقال في الأمثال …لكن في سوریا الحرة سیكون تكریم العباقرة
السوریین في كل المجالات …ومنهم طیب الذكر طیبنا التیزیني
وداعا” ایها الطیب النبیل الراحل .. من أمنیاتي العودة لحمص لالتقي طیفك النبیل في الأماكن التي
جمعتنا ذات یوم واسترجع صدى صوتك الجمیل فیها ..

  • Social Links:

Leave a Reply