ترجمة: عمر الشافعي
الناشر: مركز الدراسات الاشتراكية 1998
صدرت الطبعة الأولى من كتاب رأسمالية الدولة في روسيا عام 1948، في ذلك الوقت صعدت الستالينية إلى قمتها بعد انتصار روسيا على ألمانيا النازية، وبعد احتلال روسيا لدول أوروبا الشرقية، وكان جيش ماو ينتشر بسرعة في الصين واقترب من إحراز النصر النهائي.
كان الإيمان بأن روسيا دولة اشتراكية مفروضا على الأحزاب الشيوعية الستالينية، ولم يكن ممكنا التفكير أو التشكيك في قيادة ستالين لروسيا وبنائه للاشتراكية، وكان من البديهي لهذه الأحزاب أن دول أوروبا الشرقية اشتراكية أيضا، بينما وقفت الأممية الرابعة عند تحليل مؤسسها تروتسكي بأن روسيا دولة عمالية منحطة ولكنها اعتبرت أن دول أوروبا الشرقية رأسمالية، وجاء كتاب رأسمالية الدولة في روسيا ليثبت أنه ليس هناك خلاف حقيقي بين روسيا ودول أوروبا الشرقية فكلاهما رأسمالية دولة.
وفي عام 1989 انهارت الأنظمة الستالينية في أوروبا الشرقية وبعد ذلك في روسيا، وكان تأثير هذا الانهيار هائلاً على كل الأحزاب الستالينية فتحطمت أو تحولت إلى اليمين وأيدت سياسات السوق والخصخصة وأصبحت لا تختلف عن أحزاب الاشتراكية الديمقراطية، وكمثال على ذلك تفتت الحزب الشيوعي البريطاني بعد إعلان سكرتيره العام أن روسيا لم تكن اشتراكية وأنها رأسمالية دولة، وأن حزب العمال الاشتراكي الذي أسسه مؤلف هذا الكتاب كان على حق، وكان ذلك الإعلان بمثابة صدمة هائلة كأن يعلن البابا أن الله غير موجود.
وخلال أحداث 1989 في أوروبا الشرقية، لم يدافع العمال عن “دولهم” بل على العكس كانوا من ضمن الثائرين على الأنظمة الستالينية، ولم تجد هذه الأنظمة من يدافع عنها سوى أجهزة الشرطة السرية والمخابرات، وبعد ذلك أيد العمال الروس بوريس يلتسين على الرغم من أنه كان المتحدث باسم السوق، وهذا يثبت ما جاء في هذا الكتاب حول طبيعة الدولة والطبقة الحاكمة في روسيا والاستغلال الذي كان يعاني منه العمال الروس في ظل ما سُمي بالاشتراكية.
إذا حدث تغير من نظام اجتماعي لآخر يصحبه بالضرورة تغيير في أجهزة الدولة، ولكن آلة الدولة لم تمس في أي مكان بعد 1989، فالجيش السوفيتي وجهاز المخابرات الروسية وبيروقراطية الدولة استمرت كما هي تؤدي دورها تماما مثلما كان الوضع قبل التغيير في روسيا وأوروبا الشرقية، وإذا قيل أن ما حدث يعتبر ثورة مضادة مكنت الرأسمالية من استعادة مواقعها، فكيف يمكن تفسير عدم تغيير الطبقة الحاكمة بأخرى، فقد شاهدنا نفس الأشخاص الذين كانوا يقودون الدولة والأحزاب الحاكمة السابقة تحت أسم “الاشتراكية” هم أنفسهم الذين يحكمون في ظل السوق.
إن نظرية رأسمالية الدولة تربط بين حلقات التراث الثوري وتتوقع ظهور حركات جماهيرية ثورية، فقد انطلقت من أرضية ماركسية ثورية تؤكد على أن الاشتراكية هي التحرر الذاتي للطبقة العاملة، وتؤكد أيضا على مبدأ الأممية واستحالة تحقيق الاشتراكية في بلد واحد، لذلك فقد مكنت هذه النظرية حزب العمال الاشتراكي أن يحيا وينمو في ظل انهيار الأحزاب الستالينية الكبرى بالإضافة لأحزاب الأممية الرابعة.
إن نظرية رأسمالية الدولة تعطي دفعة للنضال من أجل تغيير العالم اعتمادا على التحرر الذاتي للطبقة العاملة، وهى أساس للنضال بعيداً عن أكاذيب الستالينية التي خدعت الطبقة العاملة وعرضتها لأبشع صور الاستبداد والاستغلال باسم الاشتراكية، إن فضح هذه الأكاذيب واجب على الاشتراكيين الثوريين لكي يتمكنوا من توضيح أن سقوط الأنظمة الستالينية يفتح الطريق أمام الاشتراكية الحقيقية التي يتحرر خلالها العمال والمضطهدين من كل أشكال الاستغلال والاضطهاد.
إن الفرصة أصبحت مهيأة الآن أكثر من أي وقت مضى للدعاية للأفكار الاشتراكية الثورية، بعد انهيار الأنظمة الستالينية ودخول الأحزاب الإصلاحية في أزمة بسبب عدم قدرتها على تقديم أي إصلاحات في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية العالمية التي يتحمل أعباءها العمال في كل دول العالم نتيجة محاولات الرأسماليين الحفاظ على تدفق الأرباح على حساب تشريد وإفقار الطبقة العاملة.
هذه الأوضاع تخلق ظروفا مواتية لبناء وطرح البديل الاشتراكي الثوري، فقد أصبح بناء أحزاب ومنظمات ثورية اليوم ممكنا وأسهل بكثير مما كان عليه الوضع في الماضي، حيث يستطيع الثوريين الآن جذب قطاعات متزايدة من الطبقة العاملة وجماهير الفقراء إلى مشروع اشتراكي ثوري لتغيير المجتمع بالإطاحة بالرأسمالية وبناء المجتمع الاشتراكي.

Social Links: