عن مكافحة الفساد في سوريا

عن مكافحة الفساد في سوريا

هيفاء بيطار -بروكار برس

من خلال عملي أكثر من ربع قرن في المستشفى الوطني الحكومي بصفتي طبيبة اختصاصية في طب العيون، والمستشفى الوطني هو مستشفى الفقراء أو قاع المدينة ثم تحول إلى مستشفى الطبقة الوسطى بسبب الغلاء الفاحش وانعدام الضمان الصحي، ولأن الراتب هزيل جداً ويليق به اسم راتب الاحتقار. طوال هذه السنوات التي عملت فيها طبيبة اختصاصية بأمراض العين وجراحتها لاحظت أشكالاً متنوعة ومُروعة من الفساد. ولأبدأ بالبناء أولاً، أي بالحجر قبل البشر. فالمستشفى الوطني كان مبنى رائع الجمال أنيقا واستخدمت في بنائه أغلى مواد البناء وأفضلها وقد شيد في أيام الانتداب الفرنسي، وكانت أبوابه من أفضل أنواع الخشب، والباب كله خشب أي لا يوجد فراغ بين سطحيه، كذلك النوافذ بإطار خشبي.

وتحررت سوريا من الانتداب الفرنسي وهذا أمر جيد وعظيم ، إذ يجب أن يكون لسوريا سيادتها وكرامتها واستقلالها وتعاقب المديرون لإدارة المستشفى، كذلك مديرو الصحة ذوو الصلاحيات المطلقة، وكل هؤلاء المديرين كانوا يعينون من قبل حزب البعث. وسعوا المستشفى الوطني أي بنيت أبنية جديدة حول البناء الأساسي، ولكن لم يفهم أحد من العاملين في المستشفى (ولا المرضى) لماذا خلعت كل أبواب الخشب الكثيف ومن أجود أنواع الخشب من المبنى القديم للمستشفى واستبدلت بأبواب لا يُمكن على الإطلاق أن تُسمى أبواباً خشبية، بل هي أقرب إلى الورق المقوى وبين سطحي الباب فراغ كبير ويكفي ضربة متوسطة القوة من يد طفل حتى ينفقع الباب.  أين ذهب المديرون (مدير الصحة ومدير المستشفى والمدير الإداري وغيرهم من أعضاء لجان الشراء) بالأبواب الخشبية التي تعادل ثروة وأي احتقار ونهب يقلع العين للمواطن والمريض بتركيب أبواب أشبه بالورق المُقوى. طالت تلك العملية النوافذ أيضاً إذ خُلعت إطاراتها الخشبية والأباجورات واستبدلت بإطارات من أرخص أنواع الألمنيوم، والغريب أنه كل نوافذ المستشفى قد سدت بشبك حديدي تماماً كشبك النوافذ في السجون وروعني هذا المنظر إذ كنت أحس أنني أدخل إلى غرفة سجن وليس غرفة مريض، وسألت المدير الإداري للمستشفى وقتها عن سبب سد نوافذ المستشفى بشبك الحديد ذي فتحات الصغيرة؟ فقال لي بثقة وسخرية: لأن شعب سوريا لص يا دكتورة، لأننا اكتشفنا أنهم يرمون بالبطانيات الصوفية من النوافذ إلى أقرباء أو أصدقاء لهم في الشارع.  يا سبحان الله المريض البائس الفقير في المستشفى الوطني سوف يسرق البطانيات الصوفية ويرميها من الشباك! لذا تسارع الإدارة الحكيمة لسد النوافذ بشبك الحديد منعاً للسرقات، كنت أريد أن أقول للمدير إياه بأن لجان شراء الطعام للمرضى وللأطباء المقيمين (وعددهم حوالى مئة طبيب من اختصاصات مختلفة) تقوم تلك اللجان بسرقة أكثر من 80 في المئة من المبلغ الكبير المُخصص لشراء الطعام، حتى أن عددا من الأطباء المقيمين الذين كانوا يسكنون في الطابق السادس والأخير للمستشفى الوطني احتجوا وسألوا أين علب حليب النيدو الكبيرة (التي كانت توزع وقتها بسخاء على المرضى والأطباء المقيمين) لكنها اختفت كما اختفى البيض واللحم، وكنت أنظر إلى وجبة المريض وتصيبني حالة من الذهول فالوجبة صحن من الرز أو البرغل منظره يسد الشهية وقطعة لحم تحتاج إلى عدسة مكبرة كي تراها وحبات عدة من العنب أو تفاحة بحجم الجوزة. كانت شبكة الفساد ولجان الشراء تسرق طعام المرضى والأطباء المقيمين ولم يُحاسب أحد منهم واستمروا في سرقاتهم سنوات طويلة وهم مطمئنون ألّا أحد سيحاسبهم.

أما في ما يخص الأجهزة الطبية والأدوات والخيطان الجراحية فهنا الكارثة العظمى، لا يمكن أن أنسى يوم رست المناقصة على شركة أجهزة طبية مشهورة جداً واشترى مدير الصحة مدعوماً بلجنة الشراء التي تحدد الأسعار جهازاً لتصوير قعر العين الظليل الملون وهو إنجاز عظيم يستفيد منه المواطن السوري حيث تُصوّر شبكية عينيه مجاناً، ودخل مدير الصحة مع بعض المرافقين له وبصحبتهم العمال الذين يحملون جهاز تصوير قعر العين الظليل وما يزال في علبته الكرتونية محكمة الإغلاق بشرائط لاصقة وتهللت وجوهنا فرحاً بالجهاز الحديث الذي سيخدم كل مرضى اللاذقية وريفها والمدن المجاورة لها ويوفر على كل مريض آلافا. وتبين في ما بعد أن الجهاز معطوب أساساً وأن مدير الصحة ولجنة الشراء اشتروه معطوباً لكن السعر الذي قدموه للمناقصة كان سعر جهاز يصلح للاستعمال وليس معطوباً، واستفادوا من الفرق الكبير بين سعر جهاز تصوير قعر العين المعطوب والجهاز السليم. بعد أيام من هذه الحادثة وقع رئيس الشعبة العينية وأتحفظ على ذكر اسمه استقالته، وبخاصة أنهم ورطوه في التوقيع على أوراق استلام الجهاز. وحالياً يقيم الطبيب الإنساني الرائع أشهر طبيب عيون في سوريا واللاذقية في دولة أوروبية بعد أن تأكد أنه يتعامل مع عصابة تنهب المال العام وتتاجر بصحة المواطن السوري.

لجان الشراء كانت تقدم مناقصات لأغلى الأدوات الجراحية والخيوط الجراحية مناقصات بالملايين لكنهم كانوا يحضرون أردأ الأنواع، وكيف أنسى لما قدمنا طلباً لمدير الصحة لشراء خيوط جراحية لخياطة قرنية العين في عملية الماء الزرقاء واشترطنا عليه أن تكون الخيوط ماركة أتيكون (أفضل خيوط جراحية لخياطة جروح العين) ووقع رئيس الشعبة العينية طلب شراء خيوط أتيكون، لكنهم أحضروا لنا خيوطاً من أسوأ الأنواع صناعة باكستان وسعر الخيط عشرين ليرة سورية بينما كان سعر خيط ماركة أتيكون 1200 ليرة سورية (الزمن في أوائل 2000أو 2001) وكان من المستحيل أن نخيط جرح العين بخيط رديء سعره عشرين ليرة وصناعة باكستانية فكنا نضطر أن نطلب من المريض المعدم أن يشتري خيط أتيكون من تجار الأدوات الطبية، ولاحظت ذات يوم وأنا أجري عملية ماء زرقاء لأحد المرضى في المستشفى الوطني (وكان المريض المسكين قد اشترى خيط أتيكون ب 1200ليرة سورية) يومها كان الدولار بخمسين ليرة، لاحظت أن الممرضة التي تساعدني في العملية تفتح خيوطا عدة صناعة باكستانية وتضعها على طاولة العمليات، وصرخت بها لماذا تفتحين هذه الخيوط السيئة وأنت تعرفين أنني لن أستعملها ولن أخيط بها، فارتبكت ولم تجب لكنني أصررت أن تتكلم وهددتها أنني لن أسكت عن هذا السلوك فرجتني أن أحفظ السر كي لا يؤذوها وينقلوها إلى مستوصف بعيد في قرية بعيدة قالت لي بصوت مرتجف من الذعر: أرجوك يا دكتورة لا تؤذيني ولا تقولي أنني اعترفت لك بشيء لكن مدير المستشفى قال لي: في كل عملية ماء زرقاء افتحي خيوطا صناعة باكستانية عدة كي نستهلكهم ونحن نعرف أن الطبيب لن يخيط بها لكن يجب أن نستهلكها.. وعدتها ألا أتكلم عنها أبداً لكنني طرت بقوة قهري وغضبي إلى مكتب مدير المستشفى ثم إلى مكتب مدير الصحة ومعي كومة من الخيطان الباكستانية وقلت لهم: بحسب علمي وتحت نظري وُقعت مناقصة الشراء لشراء أجود أنواع خيوط جراحة العين ماركة أتيكون فإذا بكم تتحفوننا بأسوأ الأنواع. فنظرا إلي بكره وقال لي أحدهم: أنت بتضلي حاملة السلم بالعرض خطأ وحصل ولازم نستهلك هذه الخيوط.

لقد كتبت عن الفساد الطبي المروع في روايتين لي هما: نسر بجناح وحيد ورواية هوى التي اشترتها المؤسسة العامة للسينما وكان يومها السيد محمد الأحمد مدير المؤسسة العامة للسينما وكلفوا المبدعة واحة الراهب بإخراج الفيلم (سنة 2010) وأصروا إصراراً عنيداً أن تكون سلاف فواخرجي بطلة الفيلم، ومع احترامي لشخص السيدة سلاف فواخرجي وموهبتها لكنني قلت بكل صراحة: أنا من رسمت الشخصيات وبطلة الرواية لا تشبه على الإطلاق سلاف فواخرجي فهي ممرضة مطلقة فقيرة لديها طفل وتعيش مع أهلها الفقراء وتتورط في سرقة أدوات جراحية وتدخل في حلقة الفساد. ورشحت يومها الممثلة المبدعة ديما قندلفت لأنها أقرب إلى الشخصية بطلة روايتي ولأنها بارعة في إظهار الانفعالات الداخلية، وقلت لمحمد الأحمد ممرضة بمثل جمال سلاف فواخرجي من البديهي أن يحبها طبيب اختصاصي ويتزوجها. لكنه أصر على سلاف فواخرجي لأنها نجمة وكانت في وقتها قد شاركت في فيلم (حليم). الفيلم كلف أكثر من ثلاثين مليون ولم يعرض في سوريا، ولم يقل لي أحد لماذا لم يعرض، ولكنه عرض في دول عربية أخرى وحقق نجاحاً وحين طلبت نسخة من الفيلم المأخوذ عن روايتي اعتذر مني محمد الأحمد بلباقة وقال لي: مستحيل أرسل لك نسخة من الفيلم قبل عرض أول له في صالات سوريا. وهكذا وجدت نفسي مخذولة ومجروحة الكرامة وقد رقد فيلم هوى كالأموات في قبر في مستودعات المؤسسة العامة للسينما، أليس هذا هدراً للمال العام، لماذا تصنعون أفلاماً تكلف الملايين وتضعونها في قبر لا يتفرج عليها المواطن السوري.

أخيراً طوال أكثر من ربع قرن من عملي في المستشفى الحكومي الوطني كنت شاهدة على أنواع مروعة من الفساد فأحد مديري الصحة الذي بقي في منصبه أكثر من عشرين عاماً بلغت سرقاته المليارات وظل جهاز التفتيش المركزي يروح ويجيء يحقق ويسأل الأطباء والعاملين في المستشفى أشهرا حتى أن مدير الصحة كان له حصة من المبالغ المخصصة لمكافحة القوارض (لأن المستشفى الوطني تعج بالجرذان أيضاً الآتية من المرفأ القريب منها) ولأنها قذرة أيضاً فرائحة مراحيضها تصيبك بالدوار وقسم العناية المشددة فيها كارثي حيث معظم اسطوانات الأوكسجين معطلة وكذلك أجهزة تخطيط القلب، وغرفة العناية المشددة تشبه المهجع في الخدمة العسكرية عبارة عن أكثر من عشرة أسرة يفصل بين سرير وسرير ستارة قذرة مهترئة ولا يوجد الحد الأدنى من التعقيم حتى أنني كنت أسميها: العناية الإلهية ووافقني كثير من الأطباء والممرضات على هذا الاسم. لم يٌعقب مدير الصحة إياه على الرغم من الأشهر الطويلة من التحقيق التي قام بها جهاز التفتيش المركزي بل سافر خارج سوريا ليعود بعد سنوات وكأن فساده ذاب. واستلم بعده مدير صحة فاسد آخر واستمر في نهج سلفه نفسه سنوات وبدل أن يُعاقب كُلف أن يكون سفيراً في أحد الدول العربية، واستلم مدير صحة ثالث الإدارة وفي سنوات قليلة بلغت سرقاته أكثر من مليار ليرة وسُجن أشهرا قليلة دفع فيها رشوة للقضاء بضعة ملايين وخرج رابحاً المليار ومعظم الناس تحتاج إليه لأنه طبيب وثري جداً ويملك مستشفى خاصا. فالثروة سلطة. وهكذا هي مكافحة الفساد في سوريا والمستشفى الوطني الذي يمثل عينه صغيرة من سوريا غارق في الفساد وأحب أن أختم بحادثة محفورة كالوشم في ذاكرتي منظر ممرضة على أعتاب الستين من عمرها أرادت أن تبري قلم رصاص فاستعملت شفرة صغيرة من قسم العمليات فانبرى أحد أكبر الأطباء الفاسدين الذي لم يكن يفحص مريضاً إلا ويحوله إلى عيادته الخاصة إلى تسفيهها والصراخ في وجهها أمام حشد من زميلاتها والأطباء ولم يحترم أنها بعمر والدته وأن هذه الشفرة بالكاد سعرها خمس ليرات. صدع رؤوسنا بموعظة أخلاقية منافقة تثير الغثيان وهو يُحقر تلك الممرضة المسكينة ويتهمها بالفساد وهدر المال العام ولم يستطع أحد أن يقاطعه ولا أن يحاول تهدئته لأنه مدعوم لأن والده أحد أهم ضباط الأمن.

  • Social Links:

Leave a Reply