وائل السواح – تلفزيون سوريا
كان عليّ في الخارج أن أتعلّم فنّ الحرية. وفنّ الحرية يبدأ بإتقان المشي والحديث والتخلص من لغتك العدائية التي اكتسبتها خلال عشرة أعوام ذكورية، ريفية، خشنة واكتساب لغة المدينة والمجتمع من جديد. ثم عليك أن تتعلم من جديد الجلوس على كرسي أو أريكة، بعد أن افترشت الأرض كل تلك الفترة، لم تجلس خلالها على كرسي. ظللت أشهرا طويلة، ولا زلت بعد دهر من الحريّة، أتحيّن الفرصة الممكنة لأجلس على الأرض، وكثيرا ما انحدرت من كنبتي التي أجلس عليها على السجادة في فصل الشتاء، فأمدّد ساقيّ، وأتابع حديثا مع زوجتي أو بعض ضيوفي، وتنظر زوجتي إليّ في ما يشبه التأنيب. ثم يأتي، بعد ذلك، دور السلوك المديني كارتياد المقاهي والبارات والندوات والمحاضرات والأمسيات الموسيقية.
بيد أن أهم من ذلك هو أن تتعلم ألا تخاف. تمرّ سنوات طويلة قبل أن تستطيع أن تمر بجانب رجل مسلح أو سيارة أمن أو فرع من الفروع التي زرتها خلال رحلتك الطويلة دون أن ترتعش للحظة، قبل أن تدرك أنه لم يعد من خطر عليك. حين سافرت من دمشق إلى حمص بعد يومين من إطلاق سراحي، كان معي ورقة صغيرة كتب عليها: “المواطن وائل السوّاح كان موقوفا لأسباب أمنية. تعتبر هذه الوثيقة وثيقة شخصية حتى استصداره بطاقة شخصية جديدة.” صحبني أخي سحبان إلى كراج العباسيين لسيارات الأجرة، ثم ودّعني وتركني لمصيري. جاء السائق وطلب بطاقة الهوية. بيد مرتجفة أعطيته تلك الورقة، فقرأها، وأعاد قراءتها، دون أن يفهم شيئا.
“ما هذه؟”
تمنيت لو أن سحبان ما تركني لمصيري الغامض. قلت بصوت مرتجف:” وثيقة تعريف.”
“شو يعني. ما معك هوية.”
“لا.”
“فقدتها؟”
“لا، كنت موقوفا.”
نظر إلي لوهلة ثم سأل باضطراب: “بالحبس يعني؟”
فهمها أخيرا. أحسست بالراحة لأنني لم أقلها أنا، ولكنني لم أعرف ماذا سيتبع ذلك. أخذ السائق الورقة وابتعد بها إلى حيث لا أدري. صار خوفي خوفين: أن تسبب لي هذه الورقة مزيدا من المشاكل وأن يفقد السائق الورقة ببساطة. كم كان ذلك سيكلفني عرقا جديدا ودما وأعصابا؟ وهل كانوا سيعطونني بديلا عنها. دقائق، عاد بعدها السائق وأعطاني الوثيقة، ثم ركب السيارة وانطلق بها إلى حمص، دون أن يعيرني أي انتباه. ورائي، في المقعد الخلفي، كان ثمة ثلاثة ركاب آخرين. خلت أعينهم مثبتته في مؤخرة رأسي كالسكاكين. وفي رأسي دارت عشرات السيناريوهات حول كيف يمكن لهذه الرحلة أن تنتهي.
الرحلة انتهت في حمص. وقفت السيارة في المحطة الأخيرة، ونزل منها الركاب ومضى كل في سبيله. على أن الخوف لم يزايلني. ظلّ ينخر في العظم ويضغط على الرئتين وشرايين القلب. ظلّ الخوف يرافقني في كل مرة كنت أخرج فيها من البيت. ويزداد حين يتعين على أن أسافر من مدينة إلى أخرى. واستبد بي خصوصا في كل مرة أغادر فيها مطار دمشق أو أعود إليه من رحلة إلى الخارج. لست أدري كم سيؤثر هذا على صورة البطل الذي سترسمه لي في ذهنها ابنتي. ولكنني لست بطلا. لا أريد أن أكون. أريد أن أعيش في علم لا يرافقني فيه شعور الخوف من رنة التلفون، وقرع جرس الباب، واقتراب رجل غريب في الشارع نحوي ليسأل عن الطريق أو الساعة.
حين طلب منا السجان أن نضبّ أغراضنا، جمعنا، منيف وأنا، أشياءنا في دقيقتين: علب الحلاوة والدخان وكيس السكاكر وقنينة الزيت. حملنا كل شيء ومشينا وراء السجان. خرجنا من رواق الزنازين الانفرادية إلى بهو الحمام الذي يضمّ أيضا زنازين جماعية. فتح السجان باب المهجع رقم 2 وأدخلنا إلى عالم مختلف تماما عن كل عالم آخر. كانت مساحة المهجع لا تزيد عن اثني عشر مترا مربعا ويضم حوالي الثلاثين سجينا. نفَذَتْ إلى أنفي رائحة حامضة واخزة، هي مزيج من العرق ورائحة الرجولة المخمرة. شخصت إلينا الأبصار. ستون عينا راحت تغسلنا بالفضول والتساؤل، حتى بدرت مني عبارة تحية:
” السلام عليكم.”
“وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.”
ثم راح شخص يعطي تعليماته للآخرين فبدأت الأجساد تزمزم بعضها وتلزّ من أجل خلق مساحة للجسدين الوافدين. ذلك الشخص كان رئيس المهجع ويحلو للسجانين أن ينادونه “شاويش.” وهو رجل اكتشفت فيما بعد أنه يمتلك سلطة حقيقية على المسجونين في مهجعه. بعض الشاويشية كانوا يحولون حياة السجناء داخل المهجع إلى كابوس دائم. آخرون كانوا يكتفون بميزاتهم ويساعدون الآخرين إذا استطاعوا. من ميزات الشاويش أنه يأخذ المكان الذي يحلو له، وهو غالبا قرب الباب، وهو يأخذ مساحة مضاعفة مرة أو مرتين عن أي سجين آخر في المهجع، ويتمتع بوجبة وافرة، وهو الذي يقسّم الرزاق بين أفراد المهجع. بيد أن الأهم هو أنه لا يقف في الرتل بانتظار الدخول إلى الحمام. وهذه وحدها ميزة في غاية الأهمية، إذا علمت أن الدور يمكن أن يأخذ ساعة كاملة أو ساعتين قبل أن تصل إلى غايتك وهي إفراغ المثانة أو الأمعاء، ولا نتحدث هنا عن ترف غسل اليدين قبل الطعام أو بعده، فهذه أشياء لا طاقة للسجين بها.
في أحد المهاجع، كان ثمة مساعدون للشاويش وأحدهم كان مساعد الشاويش لتنظيم دخول الحمام. كان هذا الشرف من نصيب معتقل فلسطيني من لبنان، نشأ وتربى على ثقافة البارودة والمليشيا والحرس الشخصي. وله كنية عجيبة: أبو عجقة. كان أبو عجقة تمثيلا ممتازا لكل المسؤولين الكبار والصغار في البلدان العربية. وكما أن المسؤولين يفرضون الضرائب على الكماليات، كان أبو عجقة يفرض الضرائب على دخول الحمام. فإذا كنت تريد دخول إلى الحمام مرة ثانية، أو أن تتجاوز دورك أو أن تبقى دقيقة إضافية في الداخل، ثمة إتاوة تدفعها فيتم لك ذلك. والإتاوة كانت سيجارة حمراء قصيرة. لا تضحك رجاء، فلم يكن تأمين ذلك بميسور على الكثير من السجناء، ولذلك كان الدخول استثنائيا إلى الحمام ترفا يتمتع به الشاويش ومساعدوه والمقتدرون على دفع الإتاوة وواحد أو اثنان من وجهاء المهجع. الآخرون كانوا يستطيعون ذلك فقط إذا أجادوا التذلل للشاويش أو لأبي عجقة. بعد ذلك بسنوات، حين نقلنا إلى سجن صيدنايا ولم يعد لرؤساء المهاجع أو أبي العجقات سلطة تذكر، حُشر أبو عجقة بيننا لبضعة عشر شهرا، وقد فقد هيبته وسطوته وزالت الهالة التي كانت تكلّل رأسه، وصار يتزلّف من أجل سيجارة، تماما مثل أي مسؤول في بلادنا يفقد منصبه ومكتبه وسياراته، فينزي في زاوية للنساين.
شاويش المهجع 2 لم يكن بهذا السوء، كان لطيف المعشر، قوي البنية، تخشاه أول ما تراه، ثمّ سرعان ما تطمئنّ إليه وتأنس رفقته. ولم يكن في مهجعنا حمام، فكان حل المسألة مثله مثل المنفردات. يفتح السجان الباب ويتمتع الشاويش بميزة الوقوف عند باب الحمام المقابل للمهجع ويبدأ بالنداء: واحد إذا كان أحد المرحاضين شاغرا أو اثنان إذا كان الاثنان شاغرين. كانت فسحة الحمام فسحة من الحرية: الباب مفتوح على مصراعه والسجناء يدخلون ويخرجون، يفرغون مثاناتهم ويعودون والماء البارد المنعش يقطر من وجوههم وأيديهم. لا فرق إذا كان الوقت صيفا أو شتاء، ففي المهجع كل الفصول صيف. مرة فتح الباب صباحا سجان كان وصل لتوه إلى الفرع، وكان على حذائه وفوق كتفيه آثار ندف الثلج. نحن في الداخل كنا بالسراويل القصيرة والغيارات الداخلية من شدة الحر.
كما أن كثافة البشر في المتر المربع الواحد لم تكن عالية كما سيكون الحال عندما ننتقل إلى المهجع رقم 4، حين كان ثمانين شخصا يسكنون أربعة وعشرين مترا مربعا. وذلك كان حسنا، إذ أن العدد وصل قبل ذلك بعام إلى مائة وستين.
التهم سجناء المهجع 2 الجرائد التي أحضرناها، منيف وأنا، من الزنزانة. مثلنا، قرأوا كلّ حرف فيها، وحاولوا إعادة حل الكلمات المتقاطعة، وتلهّف بعضهم على صور بعض الممثلات التي كانت في الصفحات الفنية. ولكنهم فعلوا ذلك بقدر ما يستطيعون من السرية، لأن معظم المعتقلين كانوا من خلفيات إسلامية.
ويبدو أن قاطني المهجع 2 كانوا يتمتعون بدعم ما، ففي داخل المهجع أقيمت الصلاة وعقدت حلقات حفظ القرآن. ولأن الجرائد فقدت جدّتها، ولأن الأحاديث بين المعتقلين، تخفت بعد حين، وجد المعتقلون في حفظ القرآن تسرية لهم. وكان نصيبي جزءا من سورة البقرة وبعض السور المتوسطة الطول كالواقعة والكهف.
في المهجع 2 تعرّفت أيضا على قوّة الجماعة. كان المعتقلون في معظمهم إسلاميين، بدون زيارات، بأسمال بالية وقليل من الطعام. حين تشاركنا معهم، منيف وأنا، ما نملكه من زيت وحلاوة، رفضوا أوّل الأمر، وحين أصرّينا، تناول كلّ منهم قطعة حلاوة صغيرة، مجاملة، وبدا أثرها الطيّب على وجوههم. ولم يرتابوا في نقل اثنين شيوعيين إلى مهجعهم، أحدهما علوي، واستمرّوا في طقوسهم، كما هي دون تغيير. وكان بينهم شاب في نحو العشرين، نحيفا ضئيل الجسم، ولكنه يشعّ حيوية وحماسا، وكان في كلّ يوم بعد صلاة الظهر يتلو دعاء طويلا، بصوت قوي، يدعو فيه إلهه أن يبيد الحكّام الظالمين وينصر المستضعفين. وكان الجميع يردّدون وراءه بقوّة وإيمان: آمين. ووجدت نفسي، ومعي منيف، نردّد مع المردّدين، بصوت خافت في البداية، ثمّ بصوت واثق قوي: آمين. آمين.
******
على أن المقام لم يطل في المهجع 2. فقد قررت الإدارة نقلنا إلى المهجع 13 في القسم الغربي من الفرع. كان القسم الغربي مخصصا للسجناء المرفهين، فأعداد سكان المهجع الواحد لا يتجاوز العشرين مما يتيح للسجين فراشا بعرض 50 سنتيمترا، وهو ترف لا يحلم به سكان المهاجع الأخرى. فارقت شباب المهجع 2 بحسرة، ومع أن الوضع في المهجع الجديد أفضل حالا، وفيه حمام داخله، فقد ظلّ قسم من قلبي وعقلي مع الشباب الذين خلّفتهم هناك.
كان شاويش المهجع 13، أمين رعيدي، واحدا من أسوأ الرجال الذين عرفتهم في السجن: قصير القامة قوي البنية بلحية سوداء جعداء، يأكل كالفيل ويدخن كالمدخنة. ويبد أنه كان من إحدى العصابات المدعومة من جميل الأسد، شقيق حافظ وشبيح اللاذقية الأول وقتها ورئيس جمعية المرتضى التي كانت تروّع الآمنين وتجبي الإتاوات من الناس عنوة. على أن أمين تجاوز الحدّ عندما قتل رجلا من رجال مكافحة التهريب، وقد تخلى عنه معلمه فانهار وأظهر أسوأ ما لديه من خصال. ولكنه حين يكون في مزاج جيد فإنه غالبا ما يسمح للسجناء بالحوار في المهجع. وكان يحب خاصة الاستماع إلى إمام مسجد كان موقوفا في المهجع ومنه سمعت لأول مرة جدلا عنيف حول ما إذا كان الموتى يبعثون يوم القيامة بأجسادهم أن بأرواحهم. كان ينام إلى جانبه خادم المسجد الذي كان يصر على أن القيامة بالجسد لا بالروح فقط، بينما كان الإمام يعيد بهدوء شرح مقولته عن قيامة الروح. ولكن الحوارات كلها كانت تتوقف عندما يقع الشاويش صريع نوبة يأس، فيبدأ بالصراخ والشباب والضرب، ويتوقف المصلون عن صلاتهم، فهم إن فعلوا لم يأمنوا أن يخلع الشاويش سرواله ويقف أمامهم متلفظا بأقذع الألفاظ وأكثرها سوقية.
أعطاني الشاويش مكانا بجانب مارد ضخم بشعر أسود خشن كثّ وعينين سوداوين عملاقتين وكفين كل منهما كرحى الطاحون، ولكن أيضا بقلب نبيل لا يقدر على إيذاء أحد وثقافة شافة وشخصية ماتعة لا تنسى. سألته، بعد دقائق من دخولنا المهجع، متظاهرا بالخبرة: “شو دعوتك؟” ودعوتك في هذا المقام تعني بأي تهمة أتيت. نظر إلي بعينين باسمتين وقال: ” دبحت دجيجة”. واحتجت إلى ثلاثين ثانية لأدرك أنه كان يداعبني. بعدها علمت أنه من الشباب أيضا. كان ذلك محمد عيسى. أحد الأبطال الحقيقيين الذين مرّا في حياتي. كان واحدا ممن حرّروا مرصد جبل الشيخ سنة 73. وهو في كل مرة يروي فيها قصة الانتصار الكبير تدمع عيناه ويبين التناقض الغريب بين حجمه ودموعه. ولكي يبدد جو الحزن يبدأ يروي قصصا عن إقامته في المغرب أثناء دورة عسكرية أجراها هناك وعن النساء اللواتي يبادرن هن إلى دعوتك إلى فنجان من القهوة.
ما الذي يجعل رقيبا أول في الوحدات الخاصة ينضمّ إلى تنظيم سياسي يساري محظور؟ الفقر والرهافة وتقصّي العدل. كان لدى محمد عيسى الأشياء الثلاثة جميعها. كان يسكن مع زوجته وأبنائه الثلاثة في بيت صغير منفي في منطقة الدحاديل خارج دمشق، سأزوره كثيرا حين يُطلَق سراحنا، لنسكر ونحكي في السياسة والثقافة والفلسفة. ولست أعرف إن كان قبل السجن قد قرأ مجموعة شعرية كاملة أو كتب قصيدة. أعرف، مع ذلك، أنه خلال السجن وبعده، سيكتب قصائد شديدة الإيجاز والرهافة والعمق:
“عندما أنزلوه عن السرير،
كانت الأرض قد انخفضت
مقدار ساقين».
“وطنكم صيدٌ ثمين
وطني… زر مقطوع
أشد عليه قبضتي. ”
وبفضل محمد عيسى، لم يستطع الشاويش أن يسيء لأي منا نحن الثلاثة، محمد، منيف وأنا. وقد حاول مرة فتصدّى له العملاق وأفهمه أن يبتعد عنا، ويبدو أن إدارة السجن أيضا أفهمته ذلك، فكان لا يتعرّض لنا مهما بلغ من نوبات جنونه. ومع ذلك، لم يكن المهجع أفضل المهاجع في السجن، ولم نندم عندما فتح الباب يوما وقال لنا السجان أن نلملم أشياءنا. فعلنا، وبدأت ملحمة المهجع الخامس.
في المهجع الخامس، سأعرف نمطا جديدا للحبس. كنا ثمانين معتقلا في نحو 24 مترا مربعا. سأتعلّم مفردات جديدة، مثل التسييف، وهي تعني النوم على أحد جانبيك كالسيف، طوال الليل، دون أي التواء في جسمك، يحدّك من أمامك وخلفك، سجناء آخرون يلتصقون بك كسمك السردين في علبة الصفيح. وفي المهجع الخامس، سأتعرف إلى التعذيب الوحشي الذي لم أتعرّض له أنا. سيأخذون أحدنا ساعات، ثمّ يعيدونه محمولا على بطانية فيرمونه بيننا ككيس زبالة، مهشمّا ومدمّى ومنكسرا، فيروح الشباب في المهجع يغسلون جروحه ويضمدونها بقماش قذر يقتطعونه من غياراتهم الداخلية.
وفي المهجع الخامس، سأعرف قيمة الهواء، كان ثمانون شخصا يتنافسون على سرقة كمية الهواء التي كانت تأتينا من خلال أنابيب التهوية التي تضخ الهواء من الخارج إلى المهجع في القبو الذي كان بلا نافذة طبعا. وحين يفتح الباب كنا نتسابق على إدخال قصعات الطعام من الخارج لاستنشاق بعض الهواء الأقلّ فسادا. صديقي منصور المنصور كان يحب إدخال طعام الفطور، لأن السجانين يكونون وصلوا لتوهم من الخارج، وعلى ثيابهم هواء الخارج المنعش والبرودة الطازجة، وخاصة شتاء. وحين ذات مرّة رأى ثلجا على كتفي سجان وصل الفرع لتوه، اقترب منه حتى كاد يحكّ أنفه بملابسه يحاول تنشق البرودة، وحين أغلق الباب، دمعت عيناه، وانزوى بعيدا، يحلم بندف ثلج بيضاء نقية تهبط بصمت على سطح منزله في حوران.
كان المهجع الخامس بابلا سورية بامتياز، فيها من كل المناطق والأديان والأعراق. وفي المهجع، تعرّفت على سوريا الحقيقية. سوريا خارج دمشق وحمص وحلب واللاذقية. تعرفّت على أكراد لا يجيدون العربية، كان بينهم شاب في منتصف العقد الثالث، يكرر بانتظام إنه مظلوم، وإنه هنا لأنهم يردون أخاه الأصغر. تعرّفت على شامل، بدوي عملاق من عشيرة الهيب، أسمر غامق بشاربين يقف عليهما نسر كما كان يقول، لا يزال يعتقد أن شيخ القبيلة قادر على إطلاق سراحه. روى لي شامل أمتع الحكايات البدوية عن فرسان وسيمين وأشدّاء وصبايا حسان وغزو متبادل.
في المهجع أيضا كان محمود، شاب من سراقب، شديد الهدوء والصبر، يعود من جلسة تحقيق، فيواسينا بدل أن نواسيه، وحين كان لا ينزف من قدميه، كان يحدثني عن مدينته والعلاقات الاجتماعية فيها، عن أعراسها وأتراحها، وعن الصبية التي أحبها خمس سنوات دون أن يلمّح لها ولو بنظرة. وفاجأني أنه لم يغادر سراقب سوى بضع مرات، إلى إدلب، فقط. وفي المهجع، كان أبو عزّو، رجل متين من ريف الرقّة، يفيق كلّ صباح، ويطلب من الشاويش أن يسمح له بالاغتسال، لأنه حلم بزوجته، كما كان يوقل بتباهٍ واضح برجولته.
ولكن شخصا واحدا سوف يجعلني أقع أسير سحره. كان بهاء الخطيب في السابعة عشرة من عمره، اعتقل قبل أن يجلس لامتحانات الشهادة الثانوية، نحيلا، قصيرا، وسيما، وذكيا. جاء من أسرة دمشقية ثرية وعريقة، تسكن بيتا كبيرا في المالكي، ليعيش على البرغل ويسيّف في نحو 25 سنتمترا. وضعني الشاويش بجانبه. سألته عن دراسته وأسرته، وسألني عن مهنتي وتهمتي. وأبدى اهتماما واضحا بفهم الشيوعية. اعتقل مع أربعة من أخوته، بسبب تردّدهم على مساجد في المدينة لحضور دروس دينية. وتمّ توزيعهم على مهاجع مختلفة في الفرع، قبل ترحيلهم إلى تدمر. كنا نسهر كلّ ليلة للفجر، يصلّي الفجر بعدها بعينيه، لأن الصلاة في المهجع الخامس كانت محظورة، ثم يغفو. حكى لي عن أمه وأبيه وأخيه زكي الذي كان يتعمشق على نافذة المهجع لكي يراه في المهجع المقابل، وحكيت له عن النساء اللواتي عرفتهن. رغم حداثة سنه كانت له رؤى ثاقبة في الحياة والحرية والسجن. في معنى أن تفقد حريّتك، وكيف تعوّض عن فقدان الحرية الخارجية، بحيرة داخلية، وكيف تستبدل الطعام والشراب بالفكر والحلم، وتستبدل الشوارع والحارات والمقاهي بجادات العقل، وتستبدل المدينة بالله. أما أنا الذي كنت أفضّل الحرية الخارجية والشوارع والمقاهي وعرق الريان، فكنت أتساءل من أين، وهو بهذه السنّ، يأتي بكلّ هذا العمق. وما إن أصمت متأملا عبارة قالها حتى يفاجئني بفكرة أكثر عمقا وغرابة.
كلّ أسبوع في يوم محدّد، كان يفتح الباب، ويقف عند الباب رئيس السجن ومعه ثلّة من السجانين، وفي يده ورقة قاتلة عليها أسماء. تصفرّ وجوه الجميع. بترقّب، ينادي على خمسة أو عشرة منّا، يجمعون أشياءهم، نودّعهم، ونحن نعرف أنهم ذاهبون إلى سجن تدمر الرهيب الذي سمعنا عنه الكثير. في واحد من تلك الأيام، كان اسم بهاء بين من نودي عليهم. شحب وجهه الحيي شحوبا خفيفا، ولكنه لم يهنْ أو يُظْهر جَزَعا. بشجاعة نادرة، جمع أشياءه القليلة، وعانق أصدقاءه في المهجع، وتوقف معي لحظة. عانقني، وهمس: “لا تنس هذه الأيام.” ولم أنسَ!
****

Social Links: