د.مخلص الصيادي
المشهد في العراق وفي لبنان كثيف، ومعقد ، وذو دلالات مميزة، ورغم وجود تباين في العديد من جوانب هذا الحراك الشعبي في البلدين، إلا أن نقاطا مشتركة عديدة تجمع بينهما، خصوصا ونحن نمعن النظر في طبيعة وتركيبة القوى المسيطرة ، ثم في طبيعة وشعارات الحراك الشعبي الذي يشهده البلدان :
** من هذه النقاط المشتركة أن نظام الحكم في العراق ولبنان يقوم على قاعدة دستورية وقانوية واحدة ، هي قاعدة الانقسام الطائفي، وبالتالي فإن مراكز السلطة والثروة موزعة على قاعدة الانقسام هذه،
لبنان نتيجة وضع تاريخي صنعته فرنسا ورعاه الغرب الاستعماري مبكرا.
والعراق نتيجة دستور برايمر ، والدبابات التي حملت الطبقة السياسية العميلة الراهنة الى سدة الحكم.
** ومن هذه النقاط أن البلدين يسيران على الهوى الإيراني، أي أن مركز القرار في إيران يقبض بشكل محكم على مراكز القرار في البلدين ، في لبنان بفعل حزب الله، وحلفائه، وفي العراق بفعل الكتلة الشيعية المرتبطة بولاية الفقيه وميليشياتها العسكرية، وكتلها وتحالفاتها البرلمانية ، وهذا الارتباط في لبنان وفي العراق واضح وقطعي وعلني، وهو عند أهله جزء من عقيدتهم، والتزامهم المبدئي، وهو لهذا الطابع التزام فوق كل اعتبار وقبل كل اعتبار.
** ومن هذه النقاط أن التحالف السياسي والميلشياوي بين القوى المسيطرة في العراق وقرينتها في لبنان. هو تحالف متعدد الجوانب ، كشفت الساحة السورية الكثير من جوانبه لكنه هو أبعد بكثير من الساحة السورية وما يجري فيها ، إذ يمتد في عمقه إلى جوهر المشروع الذي تحمله وتمثله طهران، وتختصره نظرية ولاية الفقيه، التي تجعل الولي الفقيه بمنزلة ، الإمام الغائب ، أي هو مصدر الشرعية ، لكل هذا الطيف من القوى الطائفية، بغض النظر عن الزمان، والمكان.
** ومن المشتركات أبضا أن واشنطن التي تضغط على إيران وعلى حلفائها في المنطقة هي التي سلمت العراق للإيرانيين ، وهي التي قبلت بأن تتواجد قواتها وقواعدها في العراق إلى جنب الميليشيات الطائفية التابعة لطهران، وهذا يؤشر إلى حدود الاختلاف ومستواه بين إيران والولايات المتحدة، وبالتالي الى حدود الاختلاف والتوافق بين اتباعهما في البلدين.
** ومن هذه المشاركات أن السمة العامة التي تجمع مراكز وشخوص القرار في البلدين هو الفساد الذي لم يسبق له مثيل، الفساد الذي ينظر إلى ثروات البلد باعتبارها أموالا مباحة لهم دون رقيب أو مساءلة. الفساد الذي يعتبر نفسه محررا من أي مسؤولية أو قيد إجتماعي، أو حتى التزام طائفي، الفساد الطليق والمطلق.
كل هذه العوامل. وعوامل أخرى تسمح للباحث أن ينظر إلى الوضع في العراق ولبنان ويدرسهما باعتبار ما يجمعهما من مشتركات. وذلك رغم وجود عوامل ومظاهر مختلفة بين البلدين.
والذي يعزز هذا الأساس المشترك أن الحراك الشعبي في البلدين اعتمد – بشكل مثير للدهشة، والتفكر – ، الشعارات نفسها، وبدون تعقيد، أو مواربة.
مطلب الحراك الشعبي في البلدبن هو التخلص من كل الطبقة السياسية الحاكم بوجوهها وأحزابها ، ووفق اللهجة اللبنانية “كلن”، أي كلهم جميعا.
وحين يرفع هذا الشعار ويطغى على ساحات الحراك الشعبي في لبنان والعراق، يعني أن هذا الحراك وأهله أسقط كل الاعتبارات، والتقديرات، والمجاملات، والمقدسات، التي ارتبطت ولوقت طويل بقيادات، أو رموز أو شعارات، أو مفاهيم .
جميعهم: يعني جميعهم، من حسن نصر الله، ونبيه بري وسعد الحريري ، وميشال عون حتى عادل عبد المهدي ، ومحمد الحكيم وهادي العامري وسليم الجبوري وقادة اقليم كردستان …. الخ ، لا يستثنى أحد أيا كانت طائفته أو مرجعية زعامته.
جميعهم: يعني حكما بفسادهم جميعهم، لا يتميز أحد عن أحد، بل إن المسؤولية عن الفساد ، تتناسب طردا مع حجم مسؤولية كل واحد، وما توفرت له من قدرة في القرار السياسي والسلطة الاجتماعية، في هذا البلد أو ذاك.
مطلب الحراك الشعبي الموحد في لبنان والعراق تمثل أيضا في الدعوة إلى دستور جديد يحرر البلد من الطائفية، التي اعتبرت واحدة من أهم مصادر الفساد، والاستبداد ومصادر حمايته.
وما يجب التنبه إليه في هذا الشعار المطالب بتجاوز الطائفية، أنه يعني ويتطلع إلى تجاوز البنية التي زرعها الغرب الاستعماري في المنطقة ليثبت عبرها وجوده. وهي البنية التي استندت إليها طهران كي تخطف القرار الوطني في هذين البلدين، وتجعله في قبضتها.
وهي البنية التي أطلقت من خلالها طهران مشروعها في المنطقة كلها ، وخصوصا المنطقة العربية، لتفتيت الوحدة الوطنية في كل بلد من هذه البلدان.
رفع شعار تجاوز الطائفية، وصناعة دستور جديد على قاعدة المواطنة، يعني في جوهره استرداد الوطن وقرار الوطن من مغتصبيه. واسترداد المواطن من مختطفيه.
ولعل مرشد الجمهورية الايرانية كان يدرك بعمق هذه الحقيقة حينما وقف ليهاجم الحراك الشعبي في العراق ولبنان، ويعتبر الحراك مشروعا امريكيا صهيونيا، تماما كما سبق أن وصف الحراك الشعبي في سوريا بالصفات نفسها.
قد يكون من المبكر أن نضع تصورات محددة ، لمستقبل الوضع في لبنان والعراق، فكما بدأنا القول الأمر معقد وكثيف ، وإذا كنا نتطلع إلى أن يصل الحراك الشعبي في البلدين إلى مبتغاه، وأن يضع البلدين على بداية طريق الخلاص.
لكن رغم هذا التعقيد والكثافة في مكونات الحراك في البلدين فإن أمرا جوهريا نستطيع أن نجزم فيه ، وهو أن خسارة ايران في هذين البلدين ، ومعالم هزيمتها باتت واضحة المعالم أيا ما كان توقع المستقبل.
وأظن أن نتيجة كهذه لا يجادل فيها إلا مكابر، وقد بدأنا نسمع آراء وتحليلات من جانب المعسكر الايراني ، تعترف ولو بشكل خجول بهذه النتيجة، وتحاول أن ترجعها إلا أخطاء تكتيكية وقعت فيها قيادات محلية هنا أو هناك، أو دفعت إليها ظروف عصيبة تمر بها هذه القيادات، أو تلك البلدان.
لكن كل تلك التبريرات الأولية الخجولة، لا تعني شيئا في ميزان الحقيقة. ذلك أن خسارة إيران لهذه المواقع ، هو مقدمة لخسارتها مواقع أخرى، ومقدمة لتراجع مشروعها كله.
والذي يريد أن يبحث عن السبب في ذلك، عليه أن يبحث في المشروع الايراني نفسه ، ففيه علته، وفي ثناياه عوامل فنائه. وفي هذا الجانب حديث يطول لكن له وقت آخر .

Social Links: