أقامت منظمة مسار للحداثة والديمقراطية لقاءا تأبينيا للرفيق الأمين العام منصور الأتاسي مساء أول أمس الخميس تحدث فيه رفاقنا وأصدقاؤنا عن الفقيد وعلاقتهم ومعرفتهم به.
سننشر في الرافد تباعاً الكلمات التي ألقيت بهذا الحفل التأبيني.
كلمة الدكتور ريمون معلولي أمين سر لقاء القوى الوطنية الديمقراطية
أصدقائي وأحبابي الحضور، معرفتي بصديقي منصور تكونت عبر محطتين زمنيتين متباعدتین جداً.
المحطة الأولى : بدأت عندما التقیته لأول مرة في موسكو عام ١٩٨٣ ، كُنّا في عداد عدد من الشبان السوريين خرجوا من سوريا للدراسة في معهد العلوم الاجتماعية، وقد اختار هو لنفسه اسم سعيد الذي عُرف به على مدى عام وبالتالي أسم منصور لم نكن نعرفه إلا بعد بضع سنوات من عودتنا لسوريا.
طبعاً أمضینا عاماً في بناءٍ سكني واحدٍ ، نلتقي يومياً في غرفة دراسة واحدة وكمجموعة واحدة تشاركنا في القيام بأنشطة كثیرة: اجتماعیة و ثقافیة و سیاسیة ما سمح لي بأن أكوِّن عنه انطباعاً واضحاً إلى حدٍ بعديد، فأول ما يلفت انتباهي هو حيويته، ووسامته، وفي الواقع وبعد أن التقيته بعد أكثر من ثلاثة عقود ما زال وسیماً على الرغم من تعب السنون البادي على جسده ومحياه. وفي الجلسات النقاشیة و الدرسیة وخلال الأنشطة المختلفة التي كنا ننخرط فيها كان یبدي جدیة والتراماً واتزاناً ملفت للنظر.
ومن خلال تفاعلنا وقراءاتنا وزياراتنا المخططة سلفاً اكتسبنا خبرات بعضها كان جيداً، ولكن أهمها كان مؤلماً، فقد لاحظنا، واستنتجنا بأن ما كان يدعى بالاتحاد السوڤییتي لم يكن على الصورة التي كانت يُصور بها لنا في المجلات والكتب… فقد كان جسداً یأكله الفساد، يسيطر شؤونه العامة، وعلى أجهزة الدولة حزب “شيوعي” بيروقراطي بامتياز ، تمكن من تعطيل الحياة الديمقراطية والاجتماعية والثقافية والسياسية في البلاد.
يُدلدس وينافق للوفود الزائرة، يعرض عليهم بضاعته الفاسدة: المعامل والمدارس وبيوت الفلاحين والأسواق…الخ في قوالب وصور غير حقيقية تحمل عنوان النظام الاشتراكي وانجازاته، وهي في الحقيقة أقرب ما تكون إلى القبور المكلسة، لكننا سرعان ما نكتشفها. وهذا ما كان يثير قلقنا. كنا نناقش ذلك فيما بيننا سعيد/ منصور وانا وباقي أفراد المجموعة.
انقطعت أخبار منصور عني بعد عودتنا الى سوريا وبالتالي لم أكن على علم بأية معلومات واضحة ويقينية عنه طيلة السنوات الممتدة بين 1984 وحتى 2011 عام اندلاع الثورة سوى بعضها من كانت تردني من هنا ومن هناك ومن هذا الصديق أو ذاك إلى ان عرفت بأن منصور منخرط بقوة في الثورة وبالحراك الجماهیري، وتم اعتقاله. فمع بدية الثورة تفجرت طاقاته الكامنة، وتحررت كل قدراته الإبداعية، الخلاقة وصبّها في نهر الثورة – قضية الشعب- الذي انحاز له بقوة
وفيما بعد، التقته عبر شبكة الانترنيت عندما بدأت الاحظ ان جریدة اسمها الرافد كانت تنشر بعض مقالاتي نقلاً عن جیرون، بحثت عن تلك الجریدة التي اسمها الرافد فجدت أن جزباً يدعى حزب الیسار الدیموقراطي السوري هو صاحبها ومُصدّرُها، وعرفت أن الأمین العام لهذا الحزب هو منصور الاتاسي.
بالطبع كان ذلك خبراً مفرحاً جداً بالنسبة لي، وسرعان ما التقينا بالصوت والصورة عبر منبر منظمة مسار – منبر الديمقراطية والحداثة- وخلال عدة لقاءات سياسية – فكرية تناولنا فيها القضية السورية بأبعادها الداخلية والإقليمية والدولية ومألات الثورة كنت أصغي لصوت منصور وآرائه حول وحدة الیسار، وعن أهمية تحالف القوى الوطنیة و الدیموقراطیة السوریة، ويوما بعد يوم كان إعجابي وترحيبي بمواقفه يتعمق وتأكدت بأن ظني السابق عن نبل هذا الرجل وأصالته لم يخب، وسرعان ما انخرطنا في مجموعة عمل لصیاغة نداء نوجهه للقوى الوطنية الديمقراطية السورية ندعوها للعمل معاً خدمة لأهداف الثورة والشعب السوري بعد أن عاثت بها قوى الثورة المضادة وباتت تشكل خطراً حقيقياً عليها.
أصدرنا النداء، و من خلاله تم الإعلان عن تشكیل ” اللقاء الوطني الدیموقراطي” ,
خلال هذه الفترة اتضحت لي سمات عميقة في شخصية منصور، هي لا شك صفات القائد والمناضل الثوري، وكان أبرزها تمتعه بشخصیة متماسكة أخلاقیاً فكریاً سیاسیاً ، فهو هو بذاته في الداخل والخارج، قولاً و فعلاً، فضلاً عن مثابرته وقدرته على طرح المبادرات،ً فقد كان في كل مرة نلتقي به خلالها يحمل أفكاراً جدیدة، ما كان یثیر دهشتي وإعجابي به ، وفي الوقت نفسه كان التواضع سمة بارزة تنم عن أصالة أخلاقية يتمتع بها إلى حد لا یصدق، فضلاً عن تمتعه برؤیة استراتیجیة نافذة، فكان یعمل على محورین نضاليين متكاملین: تمثل المحور الأول بقضية الیسار، فكان همه و شغله الشاغل هو كيف یمكن ان نعید تقییم تجربة الیسار العربي، ومن خلال مراجعة فكرية- سياسية نقدية، فعند منصور لا توجد أفكارٌ مقدسةٌ، لإن جميع الأفكار كانت قابلة للنقاش و النقد. لديه، وبالفعل انخرطنا في ورشة عمل سماها ورشة وحدة اليسار دعى اليها عدداً من المفكرين المعروفين.
أما المحور الثاني فكان الهاجس الأكبر لديه واعني العمل على تامين اللقاء، التقارب، التحالف سموها ما شئتم بین مختلف القوى والاحزاب والتنظیمات و الشخصیات الوطنیة الدیموقراطیة السوریة.
بعد ان وضعنا اللائحة التنظيمية للقاء الوطني الديمقراطي الوليد تم انتخاب منصور منسقاً عاماً له وبالطبع، وبعد إصدار النداء، كان شغلة الشاغل العمل بدأب على التواصل مع القوى الوطنیة الدیموقراطیة للبحث عن مشتركات معها، لعقد أوسع تحالف فيما بينها، ولا بد من تأمين قطب وطني ديمقراطي ذي وزن مؤثر على مجرى الاحداث السورية خدمة لقضية السوريين وأهداف ثورتهم، لكن القدر لم يمهل منصور.فقد فارقنا جسداً ولكنه
سيبقى حياً، حاضراً، بفكره وصبره وعزيمته بين محبيه أبداً.

Social Links: