جيهان الخلف
وصفت المرأة منذ نشوء الحضارات الإنسانية بكلمات حملت من الرقة والأنوثة وجمال الإنسانية وعذوبة الروح وتألق النفس الكثير لكن هذه الصفات اقتصرت على قصائد الشعراء ونصوص الأدباء, بينما سيطر العقل الذكوري على الواقع الذي صورها في كثير من الأحيان كشيء مادي مسيطر عليه ضعيف البنية لا يملك قرار وإرادة ولم تأخذ المرأة حقها بوصفها إنسان ذا جسد وروح وبالتالي يحمل مشاعر وأحاسيس وفي حالات نادرة ما كانت تخرج المرأة وفي غفلة عن مجتمع الرجل لتظهر نفسها في بيئة سيطر عليها الذكور.
وفي فوضى من هذه الصور المتناقضة يصف الإسلام المرأة بوصف لو أخذه الرجل بمعناه ليرتفع شأن المرأة واعتلت عرش الإمارة
فقد وصفهن بالقوارير, وهو جمع قارورة وهي وعاء من الزجاج وتشبيه المرأة بالقارورة دلالة على سهولة الكسر والمرأة بما تحمل من الرقة وشفافية الروح وجمال الإنسانية وصف أرتقى بالأنثى إلى منزلة رفيعة الشأن تحظى بكثير من الاهتمام والحرص فالزجاج الذي يسهل كسره يحتاج إلى لطف ولين في المعاملة وبالتالي هي دعوة واضحة وصريحة للرجل بان يتعامل مع المرأة بما يوافق معاني الأنوثة من الرقة وهي نفس المعاملة التي يحتاجها الزجاج والقارورة والمرأة كلاهما تحتاج إلى حرص وحذر، وبالتالي فالقوة البدنية ليست مطلوبة هنا إنما شيء من الإنسانية والروحانية بيد أن المرأة تكسر بكلمة جارحة أو موقف مؤلم بالمقابل فإن نظيرتها قارورة الزجاج أي شيء مهما كان بسيطاً فإنه يشوه صفاءها ويحطم رقتها والمرأة وصفت بالضعف وسهولة الكسر, مما جعلها ذريعة كبرى للرجل ليسيطر عليها ورفض نظرية أنها مكونة من جسد وروح وبالتالي هي إنسان وليست مادة.
كما كان للموروث الديني والشعبي دور خطير، حيث نصب الرجال أنفسهم بأنهم قوامون على النساء، فالقوامة فسرت لدى البعض بأنها سيطرة الرجل على المرأة وتحكمه بكل تفاصيل حياتها، بينما كانت القوامة لغوياً تعني القيام بأمور القوم واصطلاحا أتت من كلمة قوم أي القوم وهم مجموعة من الناس الذين اجتمعوا على أمر ليفعلوه والقوامة تشترط القوة البدنية والمادية وهذه صفات رآها الرجل تميزه وتخصه وترفع من شأنه ففرض نفسه من خلالها، وترجح الكفة لصالحه في صراعه مع المرأة، ومع سيطرة الرجل لم تتغير, المفاهيم الذكورية وبالتالي له الحق في التعبير عن ذاته، ولكن المرأة التي حملت إلى جانب صفات الأنوثة والرقة شيء, من الإرادة والتصميم والتمرد والرغبة في الخروج من الدائرة والسجن الذي وضعها فيه الرجل ليست ذلك المخلوق الضعيف فقد تتمرد بلحظة وتقلب الموازين لصالحها إن أتيحت لها الفرصة المناسبة ليعلو صوتها وتصرخ بأنها إنسان ولها حقوق.
فرغم الدعوات الكثيرة من بعض الرجال لتأخذ المرأة مكانها الصحيح إلا أنها كانت تقابل بصد من المجتمع بالإضافة لمعارضة قوية من العقول الذكورية، وهنا بقيت المرأة أسيرة في مجتمع الشعارات الخلبية، وحتى ذلك الصوت الرجولي ظل قول دون فعل أي حبر على ورق، فعلى الرغم من كل ما حققته المرأة من إنجازات علمية وثقافية بقيت تقف في ظل الرجل، والذي وجد أن اعترافه بحقوق المرأة تعني أنه ضعيف، وهذا شيء رفضه الرجل بشدة، وظل ينظر للمرأة من منظور جسدي وجنسي بحت، وعبارة عن كائن خلق لتلبية حاجاته، وعبد مملوك لإشباع رغباته ونزواته المجنونة
فالرجل لم يرى في المرأة ذلك الأنسان الذي يملك حرية الرأي والقرار، ولم يعترف لها يوماً أنها شريك في حياته، وتملك مثله في الحقوق، فالرجل عندما يقف عند هذا الحد سيكون قد جرد المرأة من كل صفاتها الإنسانية، وبالتالي حرمها من كافة حقوقها، وهذا يعكس فكر الرجل غير الإنساني، ويظهر سيطرة الذكورية على المجتمع.
وهنا ارتكب الرجل جريمة أخرى ضد المرأة بتجريدها من أنوثتها وسلبها أهم ما تتميز به، والعكس صحيح، فكلما زادت إنسانية الرجل مظهراً احتراماً أكثر للمرأة، كلما زادت رجولته، فالإنسانية صفة يملكها الرجل، ويمنحها للآخرين من خلال المعاملة، فهي مكتسبة بالأفعال وليست بالأقوال، فالله عز وجل ساوى بين المرأة والرجل في القرآن، بقوله وخلقناكم من (ذكر وأنثى) أي شخصين متساويين في الحقوق والواجبات، واسمين معطوف أحدهما على الآخر لتشابهما في الصفات.
وعدم تمتع المرأة بحقوقها موروث شعبي مترسخ في العادات والتقاليد بالإضافة لثقافة المجتمع بما في ذلك بعض المواقف البيئية، ويكمن ضعف المرأة في أوقات النزعات الداخلية أو الدولية كما يحدث الآن في سوريا والعراق، وكثير من دول العالم الثالث، ودائما ما حاول الرجل في كل الظروف إظهار المرأة كائن ضعيف لا يستحق الاهتمام.
ومن هنا فإن على الدول أن تسعى إلى ضمان تساوي الرجال والنساء, في التمتع بجميع الحقوق المنصوص بها أي تكفل للمرأة التمتع بحقوق الإنسان، ومن هنا وجب عليها نشر, هذه الثقافة بين السكان، وموظفي الدولة في مجال حقوق الإنسان، وتعديل القوانين، واتخاذ كل الخطوات لإزالة العقبات أمام المساواة بين الرجل والمرأة، وبالتالي الدولة هي الطرف المعني باعتماد تدابير لحماية المرأة ليس هذا فحسب بل يجب عليها اتخاذ تدابير إيجابية في جميع المجالات لتحقيق هدف تمكين المرأة من التمتع بحقوقها على نحو فعال وعلى أساس المساواة وعلى الدول أن تقدم المعلومات التي تتعلق بالدور الفعلي للمرأة في المجتمع حتى يتسنى معرفة التدابير, التي يجب اتخاذها بالإضافة للأحكام التشريعية التي تضمن تنفيذ كل الخطط والتدابير لذلك وإزاحة كافة المصاعب والتغلب عليها كما يقع على المجتمع كفالة التساوي والتمتع بحقوق الإنسان دون أي تمييز بما في ذلك التمييز بين الجنسين هذا يقودنا إلى ضرورة حماية المرأة من الاغتصاب والاختطاف وخاصة أثناء النزاعات الداخلية والدولية وغيرها من أشكال العنف القائم على الجنس وبالتالي فإن تطوير الواقع وتشريعاته القانونية أصبحت ضرورة ملحة وحتمية من أجل تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة وتحطيم العقلية الذكورية المسيطرة وبالتالي الخروج من دائرة الموروث الثقافي الذي يظلم المرأة وهذا يجعلنا نقف في وجه من يطلقون شعارات المساواة دون تطبيقها.
Social Links: