ما هو التراث الماركسي الحقيقي؟

ما هو التراث الماركسي الحقيقي؟

نتابع نشر الكراس الذي كتبه المفكر الماركسي البريطاني جون مولينو في منتصف الثمانينات

ماهي الماركسية 4/6

 

3 – من الممارسة إلى النظرية: وحدة الماركسية

لاستكمال البرهنة على أن جوهر الماركسية، هو التعبير النظري عن الثورة البروليتارية، من الضروري التدليل على الصلات بين ظروف وجود البروليتاريا والمهام التي تواجهها في الصراع (الممارسة الاجتماعية التي هي البروليتاريا) من جانب، والمقولات الأساسية للنظرية الماركسية من جانب آخر. القيام بهذا بشكل شامل وصارم غير ممكن في هذا المقال، انه يقتضي مجلدا على الأقل. كل ما نستطيع عمله هو أن نتعقب الخطوط العامة لبعض أهم هذه الصلات.

 

دعونا نبدأ بتلك الجوانب التي يمكن تسميتها بالمبادئ السياسية والبرنامج الأساسي للماركسية.. أولاً: الأممية. فلا شك أن الأممية تلعب دورا مركزيا في فكر ماركس، إلا أن الأممية الماركسية لا تدين بأي شئ لالتزام أخلاقي مجرد إزاء الاخوة الأممية للشعوب(36) (وهو في الحقيقة التزام ليبرالي برجوازي) بل تجد جذورها في وجود البروليتاريا كطبقة دولية نشأت بواسطة السوق الرأسمالي العالمي، ومنخرطة في صراع أممي ضد هذا النظام. كثيرا ما انتقد القول في البيان الشيوعي بأن العمال لا وطن لهم، وان الفروق والعداءات الوطنية بين الشعوب تذوب اكثر واكثر يومياً، بفضل نمو البرجوازية، وحرية التجارة والسوق العالمي، والتماثل في أنماط الإنتاج، وظروف الحياة المقابلة لكل ذلك، أقول انه كثيرا ما انتقد هذا القول على انه مبالغة أو خطأ سافر، في ضوء استمرار قبضة الأيديولوجية الوطنية على البروليتاريا، ومع ذلك فهو يظل صحيحاً على مستويين.. أولاً: كتقرير لنزعه وليس واقعا محققا. ثانياً: كتقرير عن البروليتاريا بالنسبة للطبقات الاجتماعية الأخرى. ما هو مشترك اليوم بين أنماط الإنتاج (والثقافة) في اليابان والبرازيل وبريطانيا اكثر بمراحل مما كان عليه منذ قرن. ما فيما يتعلق بالفلاحين، فلم يكن من الممكن حتى الحديث بجدية عن وعي أو تنظيم أممي، كما أن أممية البرجوازية، رغم خلقها للاقتصاد العالمي، ووفرة المنظمات الدولية الخاصة بها، تظل أدنى كيفيا من الإمكانية الأممية للبروليتاريا. فأعلى مستوى يمكن أن ترقى إليه هو الكتلة أو التحالف الدولي المقام ضد كتل دولية متنافسة. وحتى هذه الكتل تضطرب باستمرار بفعل العداءات الوطنية.

إن الطابع الأساسي للأممية الماركسية هو – كما لاحظنا – أولوية الكل (مصالح الطبقة العاملة العالمية) على الجزء. لنجعل هذا الكلام ملموسا: نقول أن العامل الثوري الذي لم يترك بلدته على الإطلاق، ويتحدث بلغته الأم فقط، ومع ذلك يعارض حكومته في وقت الحرب هو أكثر أممية بكثير من الأستاذ المتعلم الذي سافر عبر العالم، ويتحدث أكثر من ست من اللغات، ومتعمق في معرفته بالثقافات المختلفة، ومع ذلك يؤيد حكومته في وقت الحرب. مرة أخرى، بسبب أولوية الكل، فالأممية الماركسية متوافقة تماما، مع الاعتراف بحق تقرير المصير الوطني وتأييد صراعات التحرر الوطني، إذا كانت مصلحة الطبقة العاملة العالمية تقتضيه.(37)

ثانياً: خذ مبدأ ملكية الدولة لوسائل الإنتاج. يرى الكثيرون (خاصة البرجوازية، ولكن أيضاً بعض مدعي الماركسية) إن هذا هو المبدأ الأساسي للماركسية والاشتراكية بصفة عامة وهم يفكرون عامة كالآتي: الرأسمالية التي تساوي الملكية الفردية، غير عاقلة وظالمة، وتسبب الأزمات الاقتصادية والفقر والحروب الخ. أما إذا كان الإنتاج مملوكاً للدولة، وكان هناك تخطيط من الدولة للاقتصاد، سيكون هذا ترتيباً أفضل وأكثر عقلانية، على وجه الإجمال، وستنتهي هذه الشرور. ينظر بعد ذلك إلى صراع البروليتاريا كوسيلة يمكن عن طريقها لهذا الهدف أن يتحقق. حتى إذا استطاعت وسيلة أخرى أن تقدم نفسها نحو هذا الهدف، مثل حرب العصابات الفلاحية أو التشريع البرلماني، فان هذا لا يغير من الأمر شيئاً.

 

إن التفكير الماركسي مختلف تماماً، فالبروليتاريا محبوسة في صراع طبقي ضد البرجوازية التي تستغلها وتقمعها، والطريقة الوحيدة لانتصارها في هذه المعركة وتحريرها لنفسها هي الانتصار على البرجوازية سياسيا والاستيلاء على وسائل الإنتاج، وهي لا تستطيع أن تفعل ذلك إلا بخلق دولتها. وهكذا تطرح القضية في البيان الشيوعي:

 

لقد رأينا أعلاه إن الخطوة الأولى في ثورة الطبقة العاملة، هي رفع البروليتاريا إلى وضع الطبقة الحاكمة، أي كسب معركة الديمقراطية. ستستخدم البروليتاريا تفوقها السياسي، لتنتزع على مراحل كل رأس المال من البرجوازية، ولتركيز كل وسائل الإنتاج في أيدي الدولة، أي البروليتاريا المنظمة كطبقة حاكمة، ولزيادة مجموع القوى الإنتاجية بأسرع ما يمكن.

 

فبالنسبة لأنصار اشتراكية الدولة، يكون الهدف هو ملكية الدولة، والطبقة العاملة هي الوسيلة، أما بالنسبة للماركسية يكون الهدف هو تحرر الطبقة، وملكية الدولة هي الوسيلة. إن الفرق بين ما أسماه هال دريبر “روحي الاشتراكية”، كان له أهمية ضخمة في المائة عام الأخيرة، وسنعود إليه مراراً وتكراراً.

 

الهدف النهائي للماركسية – المجتمع اللاطبقي – هو بالطبع أمنية إنسانية قديمة. ما يميز الماركسية هو أنها تطرح المجتمع اللاطبقي، كإمكانية واقعية، من تطور البروليتاريا، فهي “طبقة لا تستطيع بحكم وضعها الكلي في المجتمع – أن تحرر نفسها إلا بالإلغاء التام لكل حكم طبقي وكل عبودية وكل استغلال”(38)، لنستشهد بالبيان الشيوعي مرة أخرى:

 

كل الطبقات السابقة التي نالت اليد العليا، حاولت أن تحصن مكانتها المكتسبة بالفعل عن طريق إخضاع المجتمع ككل لظروف استيلائها، لا يستطيع البروليتاريون أن يصبحوا سادة القوى الإنتاجية في المجتمع إلا بإلغاء خط الاستيلاء السابق الخاص بهم، وبذلك إلغاء كل أنماط الاستيلاء السابقة أيضاً. ليس لديهم شئ خاص بهم لتأمينه أو تحصينه، رسالتهم هي إلغاء كل التأمينات والضمانات السابقة للملكية الفردية.

 

فيما يتعلق بالنظرية، لم يكن الانتقال من الرأسمالية إلى الشيوعية – ديكتاتورية البروليتاريا – (كما أشرنا) سوى مد الصراع الطبقي البروليتاري إلى نقطة الانتصار. ومع ذلك، فان الشكل المحدد لهذه الديكتاتورية، لم يكتشفه ماركس أو أي منظر ماركسي آخر، وإنما اكتشفه العمال الثوريون أنفسهم، أولا بواسطة العمال الباريسيين في كوميونة عام 1871 الذين بينوا أنه من الضروري تدمير جهاز الدولة القائم وليس الاستيلاء عليه، والذين أشارت ممارستهم إلى المبادئ الأولى للديمقراطية العمالية – حصول جميع المسئولين على أجور العمال وانتخاب واستدعاء جميع المندوبين واستبدال الجيش النظامي بالعمال المسلحين، الخ.. ثانياً بواسطة عمال بتروجراد (ثم كل روسيا) الذين خلقوا الشكل التنظيمي الفريد في قدرته إلى التعبير عن سلطة العمال – السوفيت.

 

إن الفضل العظيم للسوفيت هو أنه لم يقم على أساس العامل كمواطن فرد في منطقة جغرافية ما، وإنما على أساس العامل كجزء من جماعة في وحدات الإنتاج، وأنه ينشأ داخل الرأسمالية كتطور طبيعي لصراع العمال ضد الرأسمالية وكانت نقطة انطلاقه التاريخية هي لجنة إضراب موسعة. يجب أن نلاحظ أيضاً أن النظرية الماركسية حول المسألة (الحرب الأهلية في فرنسا، الدولة والثورة، ومقالات جرامشي في جريدة اوردينو نوفو) هي تعميم مباشر لأكثر تجارب الطبقة تقدماً.

 

ينبغي أن نتحول الآن من برنامج الماركسية إلى أسسها النظرية: الفهم المادي للتاريخ والتحليل النقدي للرأسمالية.

  • Social Links:

Leave a Reply