ما هو التراث الماركسي الحقيقي؟ الجزء الثاني: تحولات الماركسية

ما هو التراث الماركسي الحقيقي؟ الجزء الثاني: تحولات الماركسية

نتابع نشر الكراس الذي كتبه المفكر الماركسي البريطاني جون مولينو في منتصف الثمانينات

الجزء الثاني: تحولات الماركسية 1/5

لعله قد بات واضحاً بالفعل – بالمعيار الذي تم إقراره في هذا المقال – أن كثيراً من الأيديولوجيين والأنظمة التي ادعت الماركسية في المائة سنة الأخيرة ليست ماركسية على الإطلاق. وقبل الشروع في البرهنة على ذلك فيما يتعلق بأمثلة محددة، من الضروري أن نبدي بعض الملاحظات الأولية حول الموقع الاجتماعي للبروليتاريا ووعيها في ظل الرأسمالية.

تتجاوز البروليتاريا الرأسمالية بالإمكانيات الكامنة لديها، ولكن طالما استمرت الرأسمالية فإنها (البروليتاريا) تظل طبقة مضطهدة ومستغلة في الأوقات العادية، بالتالي تسيطر الأيديولوجية البرجوازية على وعي غالبية العمال (الأفكار السائدة هي أفكار الطبقة الحاكمة) ولكن العمال في نفس الوقت مضطرون بحكم وضعهم الاقتصادي لمقاومة هجمات رأس المال والكفاح لتحقيق تحسينات في أوضاعهم حتى عندما لا يكونون مستعدين لتحدي النظام ككل. بما يتمشى مع هذا التناقض، تنشأ أيديولوجيات هجينة تجمع عناصر من الأيديولوجية البرجوازية وعناصر من الأيديولوجية الاشتراكية.

إلا أن هذه الأيديولوجيات الهجينة لها أيضاً أساسها المادي المتفرد في الطبقة التي يتسم وضعها الاجتماعي ذاته بأنه جزء برجوازي وجزء بروليتاري ألا وهو الفئة المتوسطة المعروفة في الماركسية عادة بالبرجوازية الصغيرة. إن مصطلح البرجوازية الصغيرة، لها صلاحية عامة ولكن لا ينبغي أن يسمح لها بطمس واقع أنها في العالم الحديث، تغطي عدداً من الشرائح الاجتماعية التي تختلف فيما بينها بشدة فيما يتعلق بظروف وجودها – أهم هذه الشرائح هي: أ) البرجوازية الصغيرة القديمة المكونة من أصحاب الدكاكين الصغيرة وغيرهم من أصحاب صغار الأعمال. ب) الطبقة المتوسطة الجديدة المكونة من الموظفين ذوي المرتبات الذين يوجدون في مواقـع السلطة فوق الطبقة العاملة. ج) بيروقراطية الحركة النقابية والعمالية. د) الفلاحون (في أغلب البلاد).

إن هذه المجموعات جميعاً تحيط بالبروليتاريا (أنهم على اتصال يومي بها أوثق من اتصال البرجوازية بها) وتمارس تأثيراً على وعيها. إلا أن كلاً من هذه المجموعات تميل لتوليد الأيديولوجية البرجوازية الصغيرة الخاصة بها وممارسة نوعها الخاص من التأثير على العمال، يوجد وعي البروليتاريا إذن، ومعه النظرية الماركسية، في حالة حصار دائم، وقد كان تاريخ الماركسية تاريخ معارك مع الأيديولوجية الهجينة للبرجوازية الصغيرة: ومن هنا مجادلات ماركس ضد برودون وباكونين، وانجلز ضد دوهرنج، وبليخانوف ولينين ضد الشعبويون وهكذا.

إن الإشكالية التي يتناولها هذا المقال، مع ذلك هي النزاعات داخل الماركسية أو بالأحرى بين النزعات النظرية والسياسية التي تدعي أنها ماركسية. السؤال الذي ينبغي طرحه هو ما إذا كانت أكثر هذه النزاعات أهمية هي أيضاً صراعات بين وجهة نظر البروليتاريا ووجهة نظر البرجوازية الصغيرة أو طبقات أخرى. وإذا كانت هذه ظاهرة يمكن إثباتها، فإنها تحتاج أيضاً إلى تفسير.

لقد اقترح لينين أن “جدلية التاريخ تجعل الانتصار النظري للماركسية، يجبر أعداءها على التنكر كماركسيين”(66)، ولكن على الرغم من أن هذا التفسير يحتوي على عنصر حقيقة هام، فانه مبالغ بعض الشيء في التآمرية، لعله أدق تاريخياً أن نقترح إن العملية عادة ما تجرى وفقاً للطريقة الآتية: يتوصل زعماء أو حركات إلى تصور للثورة البروليتارية ويتبنون الماركسية، وبعد ذلك لأسباب عديدة (في التحليل الأخير ضغط الرأسمالية) يتخلون عن هذا التصور ولكن يحتفظون باسم ولغة الماركسية، إما من خلال خداع الذات أو رغبة في الحفاظ على أوراق اعتمادهم الراديكالية أو الاثنين معا – في الوقت الذي يحولون فيه مضمونها الحقيقي. متى حدثت هذه العملية يتم نقل هذه الماركسية المحولة، لزعماء وحركات أخرى لم يكن لها أي صلة في أي وقت بالثورة البروليتارية(67)، إلا إن هذا تنبؤ بنتائج ينبغي البرهنة عليها أولا بالتحليل التاريخي. من حيث القوة المادية وعدد المناصرين، سيطرت ثلاث نزعات على تاريخ الماركسية منذ ماركس: 1) الاشتراكية الديمقراطية للأممية الثانية. 2) الستالينية. 3) وطنية العالم الثالث. من الواضح أننا لا نستطيع داخل حدود هذا المقال تقديم تحليل شامل لأي من هذه النزعات، دع عنك الثلاث جميعاً، سأتناول كل منها بالتالي من حيث أهم سمات أبرز ممثليها.

  • Social Links:

Leave a Reply