ما هو التراث الماركسي الحقيقي؟ الجزء الثاني: تحولات الماركسية 3/5

ما هو التراث الماركسي الحقيقي؟ الجزء الثاني: تحولات الماركسية 3/5

نتابع نشر الكراس الذي كتبه المفكر الماركسي البريطاني جون مولينو في منتصف الثمانينات

الجزء الثاني: تحولات الماركسية 3/5

2- الستالينية

كانت نقطة انطلاق الستالينية مختلفة جداً عن تلك الخاصة بالكاوتسكية. لقد ظهرت الستالينية داخل الحزب البلشفي في السنوات التالية للحرب الأهلية، وصعدت للقمة داخل الاتحاد السوفيتي خلال صراع مرير داخل الحزب في العشرينيات، وأخيراً حققت السيطرة المطلقة في 28 – 1929. إن نقطة البداية إذاً لتطور الستالينية كانت اللينينية، وهي تطور الماركسية الذي عبر عن وأرشد إلى النصر ثورة العمال في أكتوبر 1917. وأهم خصائص اللينينية هي الصلابة الثورية، والأممية الحادة، وتحليل الإمبريالية والنضال ضدها والإصرار على تدمير الدولة البرجوازية، بواسطة السلطة العمالية القائمة على السوفييتات، ومفهوم الحزب كتنظيم طليعي تدخلي. إلا أن الحالة المادية التي ولدت الستالينية في ظلها كانت تقريباً على عكس تلك المعبر عنها في نقطة بدايتها النظرية. فالطبقة العاملة الروسية، التي كانت في 1917 قد وصلت إلى أعلى مستوى من الوعي والصراع الثوري شهده العالم حتى ذلك الوقت، هذه الطبقة كانت قد توقفت عن الوجود فعلياً بحلول عام 1921 أثناء الحرب الأهلية، كانت الغالبية الواسعة من أكثر العمال نضالية ووعياً سياسياً قد قتلت في المعارك أو رفت إلى وضع مسئولي الدولة، في ظل الأثر المركب للحرب الأهلية، والثورة نفسها والحرب العالمية التي سبقتها، كان الاقتصاد الروسي قد انهار تماماً وانخفض إجمالي الإنتاج الصناعي إلى 31% عن مستواه عام 1913 والإنتاج الصناعي واسع المدى إلى 21% وإنتاج الصلب إلى 4.7% وأصبح نظام المواصلات خرابا، كما احتدمت الأوبئة والمجاعة، وانخفض مجموع العمال الصناعيين من حوالي ثلاثة ملايين في 1917 إلى مليون وربع في 1921، وكان الباقون قد أنهكوا سياسياً. وكما ذكر لينين في 1921:

 

فقدت البروليتاريا الصناعية في بلادنا وضعها الطبقي، بسبب الحرب والفقر المدقع والخراب،، أي أنها زحزحت من أخدودها الطبقي وتوقفت عن الوجود كبروليتاريا.(90)

 

وجد الحزب البلشفي نفسه معلقا في الهواء، لكي يدير أمور الدولة كان عليه أن يأخذ ويستخدم جيشاً واسعاً من الموظفين القيصريين، ورغم إرادته “تبقرط” هو نفسه. إن جوهر البيروقراطية هو أساساً هرم من الموظفين غير الخاضعين للرقابة الشعبية من أسفل. وقد كانت في روسيا، القوى الاجتماعية التي اعتمد علهيا الماركسيون (خاصة لينين) لمنع نمو البيروقراطية وهي طبقة عاملة ثورية نشطة كانت قد قطعت من تحت أقدام الحزب. في هذا الوضع، كان من المستحيل تنفيذ البرنامج الماركسي بشكل خالص.

كان من الممكن لفترة القيام بعملية تماسك اعتمادا على الالتزام الاشتراكي الذي اشتد لدى الحرس البلشفي القديم، والتشبث بالأماني الثورية مع القيام بالتنازلات العملية الضرورية (مثل السياسة الاقتصادية الجديدة) وانتظار المعونة من الثورة العمالية. في الجوهر، كان هذا هو الخط الذي سار فيه لينين، إلا أن فشل الثورة العالمية (وقد فشل بالفعل) طرح اختيار صعباً للغاية. إما الاستمرار في الإخلاص لنظرية وهدف الثورة البروليتارية مع إمكانية فقدان السلطة في روسيا أو التشبث بالسلطة والتخلي عن الهدف والنظرية. كان الوضع شديد التعقيد ولم يره المشاركون بهذا الوضوح ولكن في الأساس كانت التروتسكية نتاج الخيار الأول والستالينية نتاج الخيار الثاني.(91)

ولكن الستالينية بالطبع لم تتخل عن اللينينية أو الماركسية بشكل علني، ومن أجل أن تحتفظ بشذا ومكانة اللينينية، كان على الستالينية أن تقوم بعمليتين منفصلتين: أولاً، أن تحول الماركسية اللينينية من نظرية متطورة ذات توجه عملي إلى دوجما ثابتة، معادلة لديانة دولة. يظهر طموح ستالين في هذا الاتجاه بوضوح في القسم اللينيني الذي ألقاه بعد وفاة لينين بقليل:

 

عندما تركنا الرفيق لينين، أوصانا أن نمسك عالياً لقب عضوية الحزب العظيم ونحتفظ به نقياً، ونحن نعاهدك يا رفيق لينين، أننا سنتشرف بتنفيذ وصيتك هذه.. عندما تركنا الرفيق لينين، أوصانا أن نحرس وحدة حزبنا مثل عيننا، نعاهدك يا رفيق لينين أننا سنتشرف بتنفيذ هذه الوصية أيضاً.. عندما تركنا الرفيق لينين، أوصانا أن نحرس ونقوي ديكتاتورية البروليتاريا.. نعاهدك يا رفيق لينين أننا لن نبخل بجهد في التشرف بتنفيذ هذه الوصية أيضاً.(92)

 

عبر عن هذه النزعة أيضاً كتاب ستالين أسس اللينينية، وهو تقنين متصلب لمبادئ لينين والكتلة الضخمة من النصوص “الماركسية”، والتعليقات الأكاديمية السوفيتية الرسمية التي استمرت في التدفق من دور نشر الحزب. بهذا الشكل انفصلت الماركسية الستالينية تماماً عن ممارسة الطبقة العاملة وأصبحت بالتالي ميتة تماماً (ليس صدفة أنه باستثناء المعارضين، لم يظهر مفكر ماركسي واحد ذو قدر رفيع في روسيا الستالينية أو روسيا ما بعد ستالين) أما وهي لم تعد مهتمة بتغيير الواقع، فقد أصبحت وظيفتها هي إخفاءه. أصبحت الماركسية الستالينية أيديولوجية بمعنى الكلمة، إذا كان ستالين قد أراد لهذا الغرض أن يبقي اللينينية كما هي، محنطة مثل جسد لينين في ضريحه الفخم، فانه على الرغم من ذلك لم يستطع. فالفجوة بين النظرية والواقع أصبحت من الاتساع بحيث أصبحت بعض التعديلات على النظرية لا غني عنه إذا كان لمجرد مظهر التطابق بينهما أن يستمر.(93) هكذا فقد نشأت عملية ثابتة – مراجعة اللينينية والماركسية بما يتناسب مع الممارسة الستالينية الفعلية كنتيجة ضرورية للعملية الأولى. نستطيع بالتركيز على هذه العملية أن نتناول رؤية أوضح للهيكل الحقيقي للماركسية الستالينية والمصالح التي مثلتها.

 

لعل أهم هذه التعديلات كان نظرية “الاشتراكية في بلد واحد”، التي عرضها ستالين لأول مرة في خريف 1924. يجب تناول ظهور هذه النظرية من أكثر من زاوية: كيف تم هذا طرحها، لما تم طرحها؟ وما هي المصالح الاجتماعية التي خدمها؟ وما هي نتائجه؟

 

أولاً: منهج ستالين: مثلت “الاشتراكية في بلد واحد” قطعا درامياً مع الموقف الأممي الذي صاغه ماركس وانجلز منذ 1845 و 1847 (94) وكرره مرارا وتكرارا فيما يتعلق بالثورة الروسية(95). كما أنها تناقضت أيضاً مع ما كتبه ستالين نفسه في أسس اللينينية في إبريل 1924:

 

المهمة الأساسية للاشتراكية – تنظيم الإنتاج الاشتراكي – تظل أمامنا الآن.. هل يمكن إنجاز هذه المهمة؟.. هل يمكن تحقيق الانتصار النهائي للاشتراكية في بلد واحد دون الجهود المشتركة لبروليتارية عدة دول متقدمة؟ لا إن هذا غير ممكن.(96)

 

حل ستالين هذا التناقض عن طريق إعادة كتابة هذه الفقرة بحيث يقول العكس، “بعد تعزيز سلطتها وقيادة الفلاحين على طريقها تستطيع بروليتاريا البلد المنتصرة كما يجب عليها بناء مجتمع اشتراكي”(97)، مع منع توزيع الطبقة الاولى. لم يكن هناك تحليل جديد، وإنما مجرد تأكيد لأرثوذكسية جديدة (تم نسبها بأثر رجعي إلى لينين) وبالفعل باستثناء هذه الفقرة الواحدة، ترك باقي النص كما هو في ذلك الفقرات التي عكست بوضوح التصور السابق.(98) ولم يتم تلفيق “تحليلات” لتبرير الخط الجديد إلا في وقت لاحق. لم يكن هذا الإجراء مثلاً منعزلا.. وإنما كان نموذجيــاً .. عندمـا تحولت الاشتراكية الديمقراطية (وفقا لستالين) من حليف (25 – 1927) إلى العـدو الرئيسي ( 28 – 1933) ثم إلى حليف مرة أخرى (34 – 1939) لم يكن تغيير الخط مبنيا على أي تحليل جديد للاشتراكية الديمقراطية. لقد كان هذا التحول ببساطة أمراً رسمياً كان على التحليل أن يكيف نفسه معه فيما بعد. لم يكن سر هذا المنهج هو أن ستالين لم يكن لديه تحليل، وإنما هذا التحليل لم يكن له أن يعلن صراحة لأن معاييره الحقيقية وأهدافه الحقيقية توقفت عن أن تكون الخاصة بالنظرية التي احتفظ التحليل بلغتها.

 

ما هو إذن السبب الذي دعا ستالين لطرح “الاشتراكية في بلد واحد” في 1924؟ من الواضح أن هذا كان رد فعل (رد فعل انهزامي) لفشل الثورة الألمانية في 1923 والاستقرار النسبي للرأسمالية الذي تلا ذلك.. لم يكن ستالين في أي وقت معنيا كثيراً بالثورة العالمية (لقد كان الأضيق أفقا من بين البلاشفة البارزين)، إلا أن هذا لا يفسر لماذا لم يستمر في التظاهر بالولاء للأممية القديمة. الجواب هو أن الاشتراكية في بلد واحد ناسبت بالضبط حاجات وتطلعات البيروقراطيين المسيطرين على البلاد الآن. لقد اشتاقوا للعمل العادي، غير معقد بمغامرات ثورية دولية. في نفس الوقت كانوا يحتاجون لراية يجمعون أنفسهم حولها، لشعار يحدد هدفهم، وكما قال تروتسكي “الاشتراكية في بلد واحد عبرت بما لا يدع مجالاً للشك عن مزاج البيروقراطية، عندما تحدثوا عن انتصار الاشتراكية كانوا يعنون نصرهم هم”(99). لقد كانت بالنسبة للبيروقراطية ما كانته “كل السلطة للسوفييتات” بالنسبة للطبقة العاملة في 1917.

 

أدخل ستالين، كما رأينا، نظريته الجديدة بالحد الأدنى من الضجة (بالتحديد لإخفاء جدتها) ولكنها في الواقع مثلت تحولا حاسماً في التوجه كانت له أشد النتائج بعدا في الأثر. لقد انعزل الاتحاد السوفيتي في مواجهة عالم رأسمالي معادي – عالم كان قد برهن بالفعل على تلهفه على خنق الثورة من خلال تدخله في الحرب الأهلية، واستمر كما أكد لينين أقوى اقتصادياً وعسكرياً من الدولة العمالية الفتية. إن إستراتيجية السنوات المبكرة للثورة – إستراتيجية لينين وتروتسكي – تضمنت بالطبع الدفاع العسكري الأشد عزما، ولكنها ركزت في آخر الأمر على تحضير الثورة العالمية لإسقاط الرأسمالية. غيرت سياسة الاشتراكية في بلد واحد هذا التركيز.

 

وكان الدفاع عن الدولة السوفيتية يتطلب قوات مسلحة مساوية لتلك الخاصة بأعدائها، وفي العالم الحديث كان ذلك يعني صناعة مكافئة وفائض مكافئ. كان انجلز قد استوعب في 1892 هذا الواقع الهام للاقتصاد والسياسة في القرن العشرين:

 

من اللحظة التي أصبحت عندها الحرب جزءاً من الصناعة الكبيرة (السفن الحديدية، المدفعية الثقيلة، المدافع سريعة الطلقات والرشاشة، البنادق الآلية، الطلقات المغطاة بالصلب، البارود غير المدخن) أصبحت الصناعة الكبيرة التي لا يمكن صنع كل هذه الأشياء بدونها، ضرورة سياسية لا يمكن حيازة كل هذه الأشياء بدون صناعة معدنية شديدة التطور. ولا يمكن حيازة هذه الصناعة بدون تطور مواز في جميع فروع الصناعة الأخرى وخاصة النسيج.(100)

 

ولم يكن استيعاب ستالين لهذه الحقيقة أقل حدة:

 

لا يا رفقا.. لا يجب إبطاء السرعة! على العكس، علنيا أن نزيدها بأقصى ما تسمح به قوانا وقدراتنا. إبطاء السرعة سيعني التخلف، والذين يتخلفون يهزمون. لا نريد أن نهزم. لا، لسنا نريد ذلك. في تاريخ روسيا القديمة.. هزمت بلا انقطاع لتخلفها، للتخلف العسكري، والتخلف الثقافي، والتخلف السياسي، والتخلف الصناعي، والتخلف الزراعي.. إننا متأخرين عن البلاد المتقدمة بخمسين أو مائة سنة، يجب أن نعرض هذا التلكؤ في عشر سنوات. إما أن نفعل أو يسحقوننا.(101)

 

ولكن روسيا كانت فقيرة، شديدة الفقر بالمقارنة بمنافسيها، وإنتاجية العمل فهيا كانت منخفضة. كان تصنيعها يقتضي استنفاراً وإعادة استثمار هائلين، وبدون معونة دولية كان هناك مصدر واحد ممكن لهذا الاستثمار، عمل عمالها وفلاحيها. أصبح من اللازم استخراج فائض ضخم وإعادة استثماره في النمو الصناعي. ولكن حيث أن غالبية السكان كانت تحيا على مستوى ليس أعلى كثيراً من مستوى سد الرمق فلم يكن من الممكن أن يتم استخراج وإعادة استثمار هذا الفائض طوعيا عن طريق القرار الجماعي للمنتدبين المتعاونين. لقد كان ذلك ممكنا فقط من خلال الاستغلال القسري، وتطلب هذا بدوره وكالة لتطبيق هذه العملية – طبقة اجتماعية متحررة من أعباء عملية تراكم رأس المال وان كانت تحصد ثمارها وهي طبقة تلعب نفس الدور التاريخي الذي لعبته البرجوازية في أوروبا الغربية. هكذا، فان نتيجته “الاشتراكية في بلد واحد” عمليا، كانت عكسها المباشر: “رأسمالية الدولة في بلد واحد”.

كان للاشتراكية في بلد واحد نتائج نظرية أيضاً. لم يكن من الممكن حصرها بصرف النظر عن إرادة ستالين، كتعديل طفيف للأرثوذكسية. كانت الغالبية الكاسحة من السكان في روسيا تتكون من الفلاحين وليس العمال. وعلى الرغم من إدراك كلاً من ماركس وإنجلز لإمكانية تحالف ثوري بين العمال والفلاحين لإسقاط الرأسماليين وملاك الأراضي، إلا انهما أصرا دائماً على أن الفلاحين ليسوا طبقة اشتراكية: “الحركة الفلاحية.. ليست صراعا ضد أسس الرأسمالية وإنما صراع لتنقية هذه الأسس من بقايا القنانة”(102). ولكن إذا كانت روسيا بذاتها ستنجز الانتقال إلى الاشتراكية، فقد أصبح من اللازم مراجعة هذا الموقف من الفلاحين. لذلك فلفترة تقدم ستالين وحليفه بوخارين بمفهوم تطور الفلاحين إلى الاشتراكية. عمليا بالطبع، كان الفلاحون قد سحقوا بواسطة التجميع القسري في 1921 – 1933، حيث أنهم كانوا يشكلون عقبة لا أمام الاشتراكية فحسب وإنما أمام رأسمالية الدولة أيضاً، إلا أن ذلك لم يحدث إلى بعد أن أدخل تشويش التمييز بين الطبق العاملة والفلاحين إلى الأيديولوجيا الستالينية.

كانت نظرية الإمبريالية ضحية أخرى. لقد طور هذه النظرية لكمسبورج وبوخارين ولينين كتحليل لآخر مراحل الرأسمالية العالمية، وقد أكدت النظرية قبل كل شئ على أولوية الاقتصاد العالمي على الأجزاء الوطنية المكونة له. وهذا ما ترفضه الاشتراكية في بلد واحد قطعياً. وبالفعل، ففي محاولته الدفاع عن نظريته ضد اعتراضات المعارضة اليسارية بأن ماركس وانجلز كانا قد رفضا صراحة الاشتراكية “الوطنية”. ذهب ستالين إلى انه في حين الاشتراكية في بلد واحد كانت مستحيلة في ظل الرأسمالية الصناعية القائمة أيام ماركس فأنها ممكنة في ظل الإمبريالية التي تتميز بقانون النمو اللامتكافئ(103). بهذه الطريقة فرغت الستالينية النظرية اللينينية حول الإمبريالية من مضمونها التحليلي الحقيقي واختزلتها إلى مجرد العداء للاستعمار، وهذا ليس على الإطلاق موقفا ماركسيا.

 

أخيراً، خرب منطق الاشتراكية في بلد واحد النظرية الماركسية حول الدولة. ففي عام 1934 كان ستالين يدعي أن الاشتراكية قد تحققت في روسيا. كان هذا على أساس أنه مع تحول الفلاحين إلى موظفين لدى الدولة، لم تعد الطبقات قائمة ولم تكن البيروقراطية بالطبع، بالنسبة لستالين طبقة. كان مصير الدولة في ظل الاشتراكية، وفقا للماركسية، هو الزوال. إلا أن دولة ستالين لم يكن لديها أدنى نية للزوال، وكان هذا واقعا. لم يكن لأي مقدار من الدعاية أن يخفيه. عالج ستالين هذا التناقض الخاص عن طريق تأكيد أن ماركس وانجلز كانا قد توقعا زوال الدولة لأنهما رأيا الاشتراكية كظاهرة عالمية. في حين أن الاشتراكية عندما توجد في بلد واحد فقط فان هذا الأمر يقتضي تقوية الدولة(104). هذه الحجة من النوع الذي يدور في حلقة مفرغة. والذي يكون مقنعاً تماماً عندما يكون الشخص الذي يشير إلى الطابع الدائري للحجة مرشحاً للإعدام رمياً بالرصاص. فإذا كانت هذه الحجة قد بررت وجود الدولة، فقد تركت بلا حل الطابع الطبقي لهذه الدولة. لم يكن ممكنا أن تكون دولة عمالية تحديدا. إذا كانت روسيا مجتمعا لاطبقيا وقد كان بالضبط متضمنا في الادعاء بأن روسيا اشتراكية. الحل الوحيد كان القول بأن الدولة السوفيتية قد أصبحت دولة “الشعب كله” وهو رأي برجوازي تماماً حول الدولة وقد هاجمه ماركس بقوة في نقد برنامج جوته وكذلك لينين في الدولة والثورة. فضلاً عن ذلك كان هذا رأياً حول الدولة تبنته البيروقراطية الستالينية لنفس السبب بالضبط الذي دعا البرجوازية دائماً لرؤية دولتها على أنها دولة الشعب كله، وهذا السبب هو رفضها الاعتراف بوجودها كطبقة حاكمة.

 

ومن المفيد عند هذا الحد أن نشير إلى نقاط التشابه والاختلاف الأيديولوجي بين الستالينية والكاوتسكية. لقد تضمنت الاثنتان فصلا منظماً بين النظرية والممارسة على نقيض هدف وحدة النظرية والممارسة، وأظهرت الاثنتان تعلقاً قوياً بالدولة على نقيض هدف وحدة النظرية والممارسة، وأظهرت الاثنتان تعلقا قويا بالدولة على نقيض العداء الحاد لها من جانب ماركس ولينين. كما سقطت الاثنتان من الأممية إلى الوطنية. ومع ذلك فان الاختلافات ليست أقل لفتا للنظر. قضت الكاوتسكية على ثورية وحدة الماركسية في النظرية أولاً ثم في الممارسة وتحدثت عن الثورة الاجتماعية “من خلال البرلمان” ومارست التوفيق مع البرجوازية، أما الستالينية فقد احتفظت بخطابة أكثر ثورية ومارست عكس هذه الخطابة تماما، فقد تحدثت عن الثورة وعن ديكتاتورية البروليتاريا وفي نفس الوقت مارست القمع السافر للطبقة العاملة. لقد انجذبت الكاوتسكية إلى سلطة الدولة وانبهرت بها، وبالتالي لم تكن راغبة في التفكير في تدميرها، أما الستالينية فقد طورت نظاماً دينياً إيجابياً يقدس الدولة. وعلى حين أن ديكتاتورية البروليتاريا عند ماركس ولينين كانت بالفعل “شبه دولة” أو ليست دولة بالمعنى السليم للكلمة(105)، فبالنسبة للستالينية كان الطريق الاشتراكي (وحتى الشيوعية) يكمن في تقوية الدولة بلا نهاية. سلمت الكاوتسكية للوطنيين في 1914 والخجل يبدو على وجهها وتحت غطاء شعارات “السلام” أما الستالينية فبإقحامها الوطنية على الماركسية رسميا من خلال “الاشتراكية في بلد واحد”، انحطت إلى الشوفينية الروسية الأكثر فجاجة إلى درجة تعظيم الماضي الإمبريالي القيصري لروسيا(106).

 

عكست نقاط التشابه والاختلاف هذه التشابه والاختلاف في القواعد الاجتماعية للأيديولوجيتين. كانت الاثنتان أيديولوجيتين لبيروقراطيتين صعدتا من حركة الطبقة العاملة، ولكن في حالة الكاوتسكية وقفت البيروقراطية في منتصف الطريق بين البروليتاريا والبرجوازية، في حين أن البيروقراطية الستالينية – ممع فناء البرجوازية القديمة والقضاء عليها فعليا كطبقة – وجدت نفسها في الواقع في السلطة. ظهرت الكاوتسكية بالتالي بمظهر ماركسية معتدلة، حذره تدفع إلى الأمام عناصر الماركسية المقبولة من البرجوازية(107)، وفي حين أن الستالينية أخذت شكل “ماركسية” عنيدة، قاسية، غير معنية بمشاعر البرجوازية، فإنها قد حولت مضمون هذه النظرية إلى عكس التام، ومع ذلك، فمثلما أن ما هو مشترك بين الكاوتسكية وبين خصمها برنشتاين كان أكثر مما بين الكاوتسكية والماركسية، فان الستالينية في الجذور ورغم كل إدانتها اللفظية، كانت أقرب بكثير للكاوتسكية منها إلى النظرية الثورية لماركس ولينين.

 

يصبح التوازي مع الاشتراكية الديمقراطية أوضح عندما نختبر الستالينية كظاهرة عالمية. فحتى الآن، تركز انتباهنا على الستالينية داخل روسيا، إلا أنها كانت ذات تأثير عظيم خارج حدود روسيا أيضاً، أولاً وأساساً من خلال أحزاب الأممية الشيوعية (الكومنترن) والتي استوعبت جميعها سريعاً الرؤية العالمية الستالينية. منذ البداية، سيطر الروس على الكومنتون، وهو شيء متوقع حيث انهم (الروس) كانوا مؤسسة وكانت تقف خلفهم السلطة المستمدة من الثورة الناجحة. إلا أن السنوات الأولى شهدت جدلاً كاملاً وحراً، وكان الزعماء الشيوعيون الغربيون قادرين على تحدي الروس حتى لو تغلبت في النهاية وجهة نظر الأخيرين. ومع ذلك فان هزيمة الموجة الثورية الأوروبية بين 1919 و 1923 قللت من ثقة الأحزاب الغربية وشددت على إحساسهم بالدونية إزاء الروس الذين كان يبدو أنهم منتصرين. إن هذا فضلاً عن الاستخدام المتزايد للضغط البيروقراطي والمساعدات المادية أكد وكشف السيطرة الروسية على الكومنتون إلى الدرجة التي سمحت باستخدامه لتحويل الأممية بشكل جوهري عن غرضها الأصلي وهو الثورة البروليتارية العالمية. كان الوسيط الأيديولوجي الذي تحقق من خلاله هذا التحول هو نظرية الاشتراكية في بلد واحد مرة أخرى، فإذا كانت المهمة الأساسية، وهي تحقيق الاشتراكية يمكن إنجازها في بلد واحد، فان الثورة العالمية إذن قد أصبحت إضافة اختيارية، هدف بعيد يهرب المرء عن ولاءه له بين الفينة والأخرى، وليس ضرورة فورية ترشد النشاط العملي. إحدى نتائج ذلك كانت تحويل دور الأحزاب الشيوعية إلى “حرس الحدود” للدولة السوفيتية. كان واجبهم الأول هو عرقلة أي إمكانية تدخل عسكري ضد روسيا. ومن أجل هذا الهدف حملوا على العمل كجماعات ضغط إصلاحية على برجوازياتهم مقللين من أهمية السياسة الثورية خوفاً من تنفير الأصدقاء والحلفاء المحتملين.

 

كانت الثمار الأولى لهذا التوجه هو إخضاع الحزب الشيوعي الصيني للكومينتانج الوطني البرجوازي “التقدمي” وهو ما أسفر عن تحطيم ثورة 1925 – 1927 الصينية بواسطة نفس الكومينتانج، وإخضاع الحزب الشيوعي البريطاني لزعماء “اليسار” في المجلس العام لاتحاد نقابات العمال الذين كانوا في نفس الوقت يقفون كأصدقاء للاتحاد السوفيتي في اللجنة النقابية الانجلو – سوفيتية ويخرنون إضراب 1926 العام. تضمنت الثمار اللاحقة الجبهات الشعبية في أواسط الثلاثينات والتي ضحت بالثورة الأسبانية (وبالتالي بالجمهورية الأسبانية) لفرانكو، من أجل تحالف سوفيتي محتمل مع بريطانيا وفرنسا الديمقراطيتين البرجوازيتين، كما تضمنت هذه الثمار أخيراً حل الكومنترن نفسه في 1934 إظهار لحسن النوايا تجاه الحلفاء في الحرب العالمية الثانية.

 

إلا أن التحكم في أحزاب الكومنترن بهذه الطريقة لم يكن ممكناً بدون تحويل هذه الأحزاب تنظيمياً وأيديولوجياً أيضاً. كان أغلبية أعضاء الأحزاب الشيوعية بلا شك عمالاً مخلصين انضموا لأحزابهم من أجل إسقاط الرأسمالية. وإذا كانوا قد قبلوا “الاشتراكية في بلد” واحد نظرياً فقد كان ذلك تحديداً لأنهم لم يفهموا استتباعاتها، فضلاً عن ذلك كان وضعهم الطبقي سيدفعهم باستمرار للعمل بطرق تتجاوز دور حرس الحدود السوفيت وبالتالي، فقد أقتضي الأمر فرض هذا الدور عليها من خلال تخليص أحزاب الكومنترن من سيطرة أعضائها وأصبح من الضرورية بقرطة هذه الأحزاب عن طريق وضع هرم من السمؤولين على رأسها يمكن الاعتماد عليهم في إخضاع مصالح الطبقة العاملة (ومصالح العمال الأعضاء في هذه الأحزاب نفسها) لمصالح البيروقراطية الحاكمة في روسيا، من خلال القوة والمكانة والأموال المتوفرة لديها. لم يكن من الصعب على الستالينية إنجاز هذه المهمة – وبنهاية العشرينات – كان الكومنترن وأحزابه تحت السيطرة التامة لقيادات ستالينية يعتمد عليها تماما. على أنه ينبغي أن يفهم أن هذه العملية كانت لها حدود طبيعية. فإذا كان لأحزاب الكومنترن أن تكون حرس حدود فعال، أكثر فعالية من الهيئة الدبلوماسية السوفيتية، فيتعين إذن أن تمتلك بعض القوة عن طريق التأييد الجماهيري لها، ولأسباب تاريخية كان لهذا التأييد أن يأتي أساساً من الطبقة لعاملة، لكسب هذا التأييد والاحتفاظ به كان على هذه الأحزاب أن تكون مستجيبة إلى حد ما لحاجات هذه الطبقة. هكذا فمثلما أن البيروقراطية الاشتراكية الديمقراطية تتوسط بين البروليتاريا والبرجوازية لمصلحة الأخيرة، فان بيروقراطية الأحزاب الشيوعية توسطت بين مصالح البروليتاريا المحلية في بلاد تلك الأحزاب ومصالح رأسمالية الدولة الروسية لمصلحة الأخيرة أيضاً. في نفس الوقت، مع ذلك ولدت الاشتراكية في بلد واحد نزعة ثانية، ومتناقضة، داخل الشيوعية الدولية، فبوصفها نظرية وطنية منطبقة على روسيا، فتحت الباب للوطنيين داخل كل حزب شيوعي وكما طرحها تروتسكي في ذلك الوقت:

 

إن كان ممكنا تحقيق الاشتراكية في بلد واحد، إذن فالمرء يستطيع أن يتقد في هذه النظرية ليس فقط بعد وإنما قبل الاستيلاء على السلطة. إذا كانت الاشتراكية ممكنة التحقيق داخل الحدود الوطنية لروسيا المتخلفة، فهناك إذن أسباب أقوى للاعتقاد بإمكان تحقيقها في ألمانيا المتقدمة.. ستكون تلك هي بداية تفكك الكومنترن وفقاً لخطوط الوطنية الاجتماعية.(108)

 

في البداية ظلت هذه النزعة الوطنية نائمة. حيث غطى عليها الولاء لروسيا ولكن عملية العمل كحرس حدود سوفيتي، وبناء جسور للبرجوازية الوطنية في البلاد المتخلفة (الصين) أو الزعماء النقابيين الإصلاحيين (بريطانيا) أو البرجوازية الديمقراطية (الجبهات الشعبية في أسبانيا وفرنسا)، هذه العملية ذاتها قوت العدوى الوطنية، لقد ظهر خضوع النزعة الوطنية لنزعة حرس الحدود حتى الحرب العالمية الثانية من خلال الموافقة العامة للكومنترن على الخط السوفيتي القائل بأن هذه الحرب كانت حربا إمبريالية (وهو خط أملاه تحالف ستالين المؤقت مع هتلر). حصلت النزعة الوطنية بعد ذلك على دفعة هائلة من التحول السوفيتي في 1941 (والذي سببه الغزو الألماني لروسيا) إلى الخط القائل بأنها كانت حرباً شعبية ضد الفاشية تطلبت التوقف الكامل لصراع الطبقة العاملة المستقل واقتضت من الشيوعيين العمل كوطنيين من الدرجة الأولى.

 

نمت بعد الحرب النزعة الوطنية حثيثا. في تلك البلدان التي وصلت فيها الأحزاب الشيوعية للسلطة بجهودها الخاصة (الصين، يوجوسلافيا، ألبانيا) انتصرت بالكامل أسفرت عن قطيعة صريحة مع موسكو، ولكنها ظلت أضعف في تلك الأحزاب التي وضعت في السلطة بواسطة الجيش الأحمر (بولندا، المجر، ألمانيا الشرقية) وفي الأحزاب التي كانت ضعيفة أو مضطهدة أو منفية وبالتالي اعتمدت على الرعاية السوفيتية (مثل اليوناني والبرتغالي). لقد أصبحت النزعة الوطنية مسيطرة في الأحزاب ذات القاعدة الجماهيرية الضخمة في الطبقة العاملة والتي طمحت في دور في الحكم (الحزب الإيطالي على الأخص)(109) كانت ظاهرة الشيوعية الأوروبية هي الانعكاس الأيديولوجي لهذه العملية.

لندع الآن جانبا للحظة مسألة الستالينية في البلدان المتخلفة ونتناول بالعرض العناصر التي تتبعناها في تطور الستالينية الغربية: سياسة جماعات الضغط الإصلاحية والاعتماد على زعماء النقابات والتحالفات مع “يسار” البرجوازية والوطنية والمنظمات البيروقراطية. ما هذا إن لم يكن نسخة كربونية للعناصر التي كونت الاشتراكية الديمقراطية؟ لا يجب التعجب إذن من أن المواقف الأيديولوجية للستالينية الغربية مثل الطرق البرلمانية الوطنية للاشتراكية والرفض الصريح لديكتاتورية البروليتاريا.. الخ، أصبحت بشكل متزايد غير قابلة للتمييز عن تلك الخاصة بالاشتراكية الديمقراطية. بل أن التوازي يمتد للتقسيم إلى شيوعية أوروبية يسارية ويمينية. الشيوعية الأوروبية هي عودة بدرجة أو بأخرى للكاوتسكية من حيث تصورها لانتقال برلماني سريع بدرجة أو بأخرى إلى الاشتراكية يؤيده ضغط جماهيري بالطبع(110). إن الشيوعية الأوروبية اليمينية مساوية بدرجة أو بأخرى للكاوتسكية من حيث تصورها لشئ أكثر راديكالية من الائتلافات (المساومة التاريخية الإيطالية) وهي بالتالي على يمين الجناح اليساري للاشتراكية الديمقراطية التقليدية. (قارن بين المواقف الحالية “للماركسي” اريك هوبسباوم وغير الماركسي توني بين في بريطانيا).

 

ختاماً، اتخذت الماركسية الستالينية شكلين الأول في روسيا كانت أيديولوجية البيروقراطية المضادة للثورة التي أقامت نفسها باسم الاشتراكية كطبقة حاكمة في ظل رأسمالية الدولة. الثاني في أوروبا أساساً، تطور من أيديولوجية الوكلاء البيروقراطيين لروسيا إلى أيديولوجية قسم من بيروقراطية الحركة العمالية لصالحها هي. هذان الشكلان مختلفان ولا يمكن ببساطة المساواة بينهما، ولكن فيما يتعلق بالمسألة الجوهرية وهي ثورة العمال الأممية والتحرر للطبقة العاملة العالمية فانهما متحدان في معارضتهما. ليس أي منهما جزءاً بأي معنى من التراث الماركسي الحقيقي.

  • Social Links:

Leave a Reply