نتابع نشر الكراس الذي كتبه المفكر الماركسي البريطاني جون مولينو في منتصف الثمانينات
الجزء الثاني: تحولات الماركسية 5/5
التراث الماركسي الأصيل
ليس من الصعب تحديد التراث الماركسي الأصيل. انه يسير من ماركس وانجلز، مرورا بالجناح اليساري الثوري للأممية الثانية (خاصة في روسيا وألمانيا) وصولاً إلى الاوج مع الثورة الروسية والسنوات المبكرة للكومنترن، ويستمر – في أصعب ظروف ممكنة – بواسطة المعارضة اليسارية والحركة التروتسكية في الثلاثينات.
انه تراث كان أبرز ممثليه، بعد مؤسسيه، هم بوضوح لينين ولكسمبورج وتروتسكي، إلا أنهم محاطون بشخصيات عديدة أقل منهم بقليل فقط في المكانة مثل ميهرينج وزيتكن وبوخارين الشاب وجميس كونالي وجون ماكلين وفكتور سيرج والفريد روزمر وهكذا فضلاً عن مئات الآلاف من محاربي الطبقة العاملة.
انه تراث حاول دائماً توحيد النظرية والممارسة وبالتالي لم يكن أبدا راضياً بالحكمة الموروثة أو الدوجما الثابتة وإنما سعي لتطبيق الماركسية على عالم متغير. أهم إسهاماته تتضمن نظرية الحزب (لينين)، الإضراب الجماهيري (لكسمبورج)، الثورة الدائمة (تروتسكي)، الإمبريالية والاقتصاد العالمي (لكسمبورج، بوخارين، لينين، تروتسكي)، دور الستالينية المضاد للثورة (تروتسكي)، الفاشية (تروتسكي) وإعادة العنصر الفاعل الجدلي في الفلسفة الماركسية (لينين، جرامشي، لوكاش).
لقد كان في أغلب فترة وجوده، باستثناء السنوات الثورية 1917 – 1923، تراث أقلية ضئيلة، وهذا أمر مؤسف ولكن لا مفر منه “الأفكار الحاكمة هي أفكار الطبقة الحاكمة” وجماهير العمال يصلون للوعي الثوري في الصراع الثوري فقط. إن التعايش الدائم بين حركة ماركسية جماهيرية والرأسمالية هو بالتالي مستحيل. إن مجرد وجوده يشكل تهديداً للنظام الرأسمالي. وهو تهديد سيزول إذا لم يتحقق. انه بالتالي تراث يعكس في تقدمه وتأخره، في التحليل الأخير، تقدم وتأخر الطبقة العاملة. انه ليس تراثاً أحادياً جامداً، وإنما يتم بالجدال القوي (خذ مثلاً لكسمبورج ولينين حول الحزب وحول المسألة القومية، أو لينين وتروتسكي حول طبيعة الثورة الروسية، أو الجدالات الداخلية للحزب البلشفي قبل وبعد 1917 ولا هو تراث خالي من الخطأ (أنظر تحليل تروتسكي لروسيا كدولة عمالية) ولكنه موحد بالأساس الطبقي الذي يقف عليه، الطبقة العاملة العالمية، وبالتالي تراكمياً بمعني هام، حيث يبني كل جيل ماركسي على إنجازات سابقيه.
إنه تراث الاشتراكية الثورية الذي سعي الثوريون أن يكملوه ويطوروه على مدى أكثر من ثلاثين عاماً، لم تواجهنا الظروف التاريخية بعد بمشكلات الحرب والثورة والثورة المضادة. تلك هي الأحوال التي تضع الحركات والنظريات موضع الاختبار، كاشفة عدم كفايتها ولكن سامحه لها أياً بتحقيق قدراتها الكامنة. وبالتالي، فان الإنجازات، نظرياً وعملياً تبدو صغيرة عند المقارنة بالسابقين، ومع ذلك، فان أهم الإسهامات النظرية والمواقف السياسية المتميزة مثل تحليل رأسمالية الدولة في الدول الستالينية ونظرية الثورة الدائمة المنحرفة في العالم الثالث وتحليل رخاء اقتصاد السلاح والأزمة الاقتصادية الجديدة ونقد البيروقراطية النقابية، يجمع بينها شيئان: 1) أنه تم تطويرها كاستجابات لمشكلات حقيقية واجهتها الحركة العمالية في الصراع من أجل تغيير العالم، و 2) واتخذت كمنطلق لها وأكدت كاستنتاج لها، المبدأ الجوهري للماركسية، ألا وهو التحرر الذاتي للطبقة العاملة. في كتيب الشيوعية اليسارية كتب لينين “إن النظرية الثورية الصحيحة.. تأخذ شكلها النهائي فقط بتفاعلها اللصيق مع النشاط العملي لحركة جماهيرية بالفعل وثورية بالفعل”، وتحقيق هذه الوحدة هو بالطبع، المهمة الكبرى التي تواجهنا في المستقبل”.

Social Links: