إعداد : جمعة جمال العبدان
مقدمة :
تعرَّف هذه الورقة المؤثرات السياسية على المجتمع و تشرح أبعادها و نتائجها و علاقتها مع الأنظمة الحاكمة و علاقة كل مجتمع مع مجتمع آخر بحسب نمط المؤثر السياسي على كل مجتمع ، و من ثم سيتم تفصيل علاقة الأنظمة مع الشعوب و مع التأثير السياسي الخارجي و ارتباطهم بالأبعاد الزمنية و التغيرات الجيوسياسية التي قد تطرأ على المجتمع .
كما تخلص هذه الورقة إلى التعريف بتغيير نمط المؤثرات السياسية على المجتمع و العوامل المساعدة على هذا التغيير و أبعاد التغيير في كل مكون من مكونات المجتمع .
قد نجد في هذه الورقة اصطلاحات مثل ( المؤثر ) و ( المتغير ) و قد استخدمنا هذه الاصطلاحات للدلالة و التعريف بصاحب التأثير ( المؤثر ) و المتغير ( متلقي أو مُستقّبل التأثير ) .
أولاً : ما هو المؤثر السياسي ؟
يمكننا تعريف المؤثر السياسي بأنه كل واجب أو مطلب يوجه الفرد أو مجموعة من الأفراد أو طبقة مجتمعية توجيهاً مدروساً لصالح المؤثر أو المتغير .
إن العلاقة السياسية أو الاجتماعية بين المؤثر و المتغير علاقة تبادل تأثير ، لذا كل طرف منهما يأمل ما يأمله من الطرف الآخر فالمؤثر قد يرغب بالصوت الانتخابي أو بتبني موقفه من قبل المتغير و المتغير كذلك يتمنى أن يلتزم المؤثر بوعوده ، لذا فالعلاقة بينهما دائماً ما نجدها في تشنج فكري واضح لأن كل منهما يؤثر و يتأثر بالطرف الأخر ، أي أن كلاً منهما لا يتمتع بالاستقلالية السلطوية أو الفكرية ، كل ذلك نتج عن خلاف بوضع صيغة العقود الاجتماعية التي تحد من العلاقة بين المؤثر و المتغير .
شهدت أواخر القرن الماضي الكثير من الأحداث التي لعبت دوراً كبيراً في التأثير على الأنظمة الحاكمة أو على الشعوب ، على سبيل المثال كان للجماعات العرقية آثراً لا يستهان به في التأثير على الانتخابات الأمريكية أواخر القرن الماضي ، و في نفس السياق حين أُعطيت المرأة حق التصويت و الاقتراع وجدت الحكومة موجة استحسان من قِبل الشعب و ذلك مما ساعد في ازدياد عدد المصوتين من كلا الجنسين النساء و الرجال .
ثانياً : أنماط المؤثرات السياسية
تُحَدَد علاقة التأثير بين المؤثر و المتغير ضمن الأراء السياسية و الأيديولوجيا و التغييرات الجيوسياسية التي قد تطرأ على الدولة أو على المجتمع ، و لما يملك المؤثر من مصالح كبرى و أهداف أعمق يرغب بالتأثير بها على المتغير كان لابد من وضع دراسة تفصيلية توضح نمط التأثير و كيفية تفاعل المتغير معه و انعكاساته على الواقع و كان من اللازم عليه تحديد شكل العلاقة التي ستربط كلاً من المؤثر و المتغير و تحديد شكل العلاقة التي ستربطه مع المؤثرات الخارجية عليه ، و عليه فقد ذهب بعض علماء الاجتماع إلى تصنيف المؤثرات و فرزهم ضمن نمطين اثنين :
* مؤثرات سياسية طويلة المدى
* مؤثرات سياسية قصيرة المدى
لكل فعل رد فعل في قوانين الفيزياء ، و عليه فقد تم تحديد خطط عمل المؤثر و ما سيجري من تغيير على المتغير و تبدأ العملية بشكل حلقة صراع ، و تتوزع ضمن هذه الحلقة مصالح المؤثر و كلما توسعت أهداف المؤثر فإن نقاط تأثيره ستزداد تلقائياً لتحقيق سياساته ، و لا يشترط هنا أن يكون المؤثر طرف واحد قد يكون أكثر من طرف يؤثر و يتأثر و لكن نسبة تأثيره تغلب على التأثير به .
* المؤثرات السياسية طويلة المدى :
1 – الأسرة : تأتي في أولى مراتب المؤثرات السياسية طويلة المدى ، إذ أن للأسرة دور كبير في توجيه الأراء السياسية و الأيديولوجية للطفل و خاصة في مرحلة الطفولة و اليفع ، و تكون في هذه المرحلة العمرية قابلية التأثر في أعلى مستوياتها ، لذا إن للعائلة دور كبير في التوجيه السياسي و في تغيير و بناء القاعدة الفكرية و الاجتماعية للطفل .
2 – المعلم : و تلك هي نقطة القوة التي يملكها المؤثر لتغيير السلوك السياسي و التوجيه الفكري لما يخدم مصالحه و يضمن له البقاء في موضع السيطرة ، إذ أن للمعلم الأثر الأكبر على الفرد في تغيير سلوكه و أيديولوجيته و هذا ما يمكن ان نسميه بـورقة الضغط التي يمسكها المؤثر للضغط على المتغير .
3 – الخطاب الموجه للمتغير : قد نستغرب من أيؤثر خطاب واحد على ملايين الأفراد ، و لكن هذا ما حصل و يحصل فعلاً ، إذ أن للخطاب الشعبي الحماسي و الانفعالي دور كبير في توجيه الأفراد لما يضمن مصالح المؤثر ، و مثالها خطابات هتلر المليئة بالصراخ و كلمات الحماس مثل ( حرب – نصر – مجد – أرضنا … الخ )
4 – الأقران : و هنا نجد أن القاعدة المركزية لفكر المؤثر قد أخذت بالتوسع و الانتشار على مستوى مجموعات و جماعات من الأقران و الأصدقاء التي قد ينتمي لهم الفرد ، و هنا أيضاً للمؤثر دور كبير في تنظيم هذه المجموعات و تعبئتها بما يخدم سياسته و مصالحه .
* المؤثرات السياسية قصيرة المدى :
1 – وسائل الإعلام : السلطة الرابعة كما يسميها البعض ، إلا أنها بالنسبة للمؤثر هي سلطة أولى إذ ساعدته كثيراً في إيصال تأثيره و فكره للمتغير ، و هنا نشأت فكرة إنشاء قنوات اتصال و تواصل لصالح المؤثر كي يبث من خلالها كل ما يخدم مصالحه و أيديولوجيته ، و مع تقدم الزمن و تطور التكنولوجيا أصبحت وسائل الإعلام الموجه الأكبر و صاحبة التأثير السياسي الأول . *أقرأ المادة الخامسة
2 – المسائل الانتخابية : و هذه ما يذهب بها الكثير من الأطراف السياسية إلى التناحر فيما بينها و تراشق الاتهامات الكثيرة ، و ذلك لما ما لها أثر كبير على مستقبل المؤثر و لضمان بقاءه و لتوسيع قاعدته الشعبية بين أوساط مؤيديه ، و مثالها الحملات الأمريكية للرئاسة و التي تشهد مناظرات دائمة بين المتنافسين .
3 – الحملات السياسية : و هي تلك الحملات التي قد تنشأ نتيجة لخلاف حزبي او عقائدي و هنا يتبادل طرفان سياسيان الكثير من الأحاديث المشحونة بالتنافس لتحقيق مصالح الأقوى ، و قد تكون الحملة بين أفراد أو جماعات أو أحزاب أو تيارات ، و مثالها الحملات التي شهدتها الساحة اللبنانية عقب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني ( رفيق الحريري ) و من قبلها الحملات السياسية التي أدت إلى حرب أهلية في عام
/ 1975 / و انتهت في عام / 1990 / و تعتبر من أهم أسباب الحرب هو الحلف الماروني الذي اصطدم مع تيارات المقاومة الفلسطينية ابتداءً من عام / 1973 / .
ثالثاً : جماعات الضغط الاجتماعي و السياسي
تعود نشأة جماعات الضغط إلى بدايات القرن العشرين بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى و تبلور المصالح الدولية لكلا المعسكرين الشرقي ( الشيوعي ) و الغربي ( الرأسمالي ) و بروز مصطلح ( العالم الثالث ) لينقسم العالم إلى ثلاث أقطاب .
تنشأ جماعات الضغط نتيجة نشاط سياسي أو اجتماعي ، و تكمن في خلفية هذا النشاط مطالب علنية صريحة و مطالب خفية إذ تقوم كل جماعة ضغط أو تأثير على بناء القاعدة الشعبية الكبيرة و بناء العلاقات السلطوية التي قد تمنحهم الغطاء السياسي و الاجتماعي لنشاطهم ، بالتساوي مع أهدافهم الخفية التي قد تكون أكثر أهمية بالنسبة للسلطة أو المؤثر .
تعتبر الحكومات العالمية أن جماعات الضغط هي حليف مخفي لها ، لما كان الأهمية الكبيرة و التأثير الواسع و الانتشار القاعدي الكبير فقد وجدت الحكومات أن جماعات الضغط هي من اقوى الحلفاء الذين يمكن أن يعتمد عليهم ، حيث وُجِدَ في وثائق مسربة عن ويكي ليكس عن ارتباط نشأة تنظيم القاعدة بجهاز المخابرات الأمريكية إذ كان لابد في أواخر الثمانينيات من دعم موجه لمن يحارب المعسكر الشرقي الممثل بالاتحاد السوفييتي ، و خاصة بعد الأحداث التي نشبت في مطلع التسعينيات في الشيشان و القوقاز .
رابعاً : الأهمية و الأبعاد
تكمن أهمية المؤثر على التوجيه السياسي في أن تُستثمر قضايا الشعوب لتحقيق مصالح و سياسات المؤثر
و لكن دون علم للمتغير أن هذا العمل أو الفعل سيخدم المؤثر أو السلطة الحاكمة .
من أهم المسائل التي تستخدمها السلطة الحاكمة للتأثير على الشعوب هي مسألة التربية أولاً و التعليم ثانياً لما كان لهذان العنصران من أهمية تكمن في رسم خارطة طريق الجيل الجديد الذي سيتلو الجيل الذي رافق رسم هذه الخارطة ، و هنا بدأنا بالدخول إلى الدائرة التي لا نهاية لدورانها .
تتمركز نقاط القوة لدى السلطة بـ : ( القوة العسكرية – الاقتصاد – السلطة التشريعية و التنفيذية ) و هنا لا نحتاج إلا للشعوب ، تبدأ المعادلة بالأساس من المؤثر الأكبر و الأقوى و هو الأسرة إذ لا بد من التحكم بسلوك الأسرة بشكل كامل ضمن خطة ممنهجة للسيطرة عليها ، تبدأ القصة بإصدار عدة أحكام تشريعية و قضائية فإما أن تلتزم بها الأسرة و بذلك تكون السلطة قد اجتازت نصف الطريق إلى هدفها ، و إما أن تخالف هذا الأحكام و بذلك تدخل السجن ، و بكلا الحالتين فالسلطة هي الرابحة لأنها المؤثر الأكبر .
بعد إصدار هذه الأحكام تلجأ السلطة إلى السيطرة على قطاع التعليم و إفساده ، و لذك طرقاً كثيرة و ما هي إلا مسألة وقت لإنتاج جيل أُمي جاهل يتلقى تعليماته من السلطة و يتقيد بسياساتها .
الآن أصبح المجتمع موجود ، و لكنه ( مجتمع قابل للاستعمار ) كما وصفه مالك بن نبي في كتابه ( مشكلات الحضارة ) ، و هنا تكون السلطة حققت هدفها بالكامل بالسيطرة التامة على المجتمع سياسياً اقتصادياً ثقافياً فكرياً ، و هذا ما حصل في عدة دول عربية شهدت أحكام طويلة من السيطرة عليها من قِبَل السلطات ، و لكن و مع ذلك – قد – تنقلب المعادلة ليصبح الشعب هو المؤثر و كذا حصل في الانتخابات الأمريكية للرئاسة عام / 1932 / حين فاز روزفلت المناضل لحقوق الإنسان بكرسي الرئاسة .
خامساً : وسائل الإعلام
تعود وسائل الإعلام في النشأة إلى بروز نجم الصحافة قبل حوالي أربع عقود ، حيث كان لها تأثير كبير على أراء الشارع في وسط فوضى الأخبار ، و من ثم تطورت بانتشارها إلى الكثير من الدول العربية و الغربية ، و من ثم لاختراع الراديو و التلفزيون .
قد نستغرب من أن نسبة تأثير السلطات و أجهزة المخابرات و رجال الأعمال على وسائل الإعلام قد تصل حتى 90% في حين أن للنقابات المهنية نسبة 4.5% و للمجتمع المدني 4% و للجمهور 1.5% .
(مركز حماية و حرية الصحفيين ، الحريات الصحفية في الأردن – طريق مسدود ص 25)
إن المنظومة الفكرية و الاجتماعية و التي تعمل السلطة الحاكمة عليها منذ استلامها للحكم هي تغييب المجتمع عن الحقيقة و تعطيل مساحة الصراع في دماغ الفرد و خوفه من سؤال ( كيف و لماذا و من ) و غيرها من الأسئلة الأخرى و التي قد تنم عن وعي و خلفية ثقافية جيدة .
و لكن تأتي مصالح النظام الحاكم بالمقدمة لذا أي سلطة حاكمة في العالم ترغب ببسط سيطرتها على كافة مفاصل و أركان الدولة ، و بسبب أن الراديو و الصحيفة و التلفزيون أصبحوا في متناول الجميع لذا كانت السيطرة عليهم تعني أن رأي السلطة السياسي و توجيهها المدروس يصل إلى كل فرد من أفراد المجتمع .
و في هذا الشأن كان للمفكر و المصلح ( عبد الرحمن الكواكبي ) كلمته في كتابه ( طبائع الاستبداد ) حيث قال : ( إن للكلمة المقروءة أثر و لكن للكلمة المقروءة و المسموعة أثر أكبر و للكلمة المقروءة و المرئية أثر أكبر ) (كتاب طبائع الاستبداد و مصارع الاستعباد) و على هذا فقد بدأ المؤثرون السياسيون برسم خططهم لبناء إمبراطوريات إعلامية و قلاع متينة من أجل تمرير مصالحهم و لتحقيق التأثير المأمول .
سادساً : التأثيرات الخارجية على المؤثر و المتغير
إن النتاج السياسي و الفكري و الاجتماعي لأي مجتمع أو دولة أو حزب يؤثر و يتأثر بالأطراف الأخرى إذ أن دخوله إلى حلقة الصراع يضمن له الاستمرار و البقاء ضمن محيط المنافسين له و لسياساته ، كذلك هو الحال ايضاً بالنسبة إلى كل مكون مجتمعي .
فإذا أوجدنا دولة ما ، نلاحظ أن مع تطور و نشأة حضارة هذه الدولة فإنه ينتج لدينا الكثير من المؤثرات الداخلية و الخارجية ، فلو ان هذه الدولة اكتشفت منجماً من الذهب ستسارع باقي الدول المحيطة إلى إبرام الاتفاقيات و المعاهدات مع هذه الدولة من أجل الحصول على نسبة من هذا المنجم ، و سترسل لها المعدات و اليد العاملة و يتوسع التعاون الاستخباراتي و الأمني بينهما ، و في بعض الأحيان لا تلجأ الدول المجاورة إلى الطرق السلمية فتنتج لدى الدولة المُنجمة الخلافات و النزاعات الداخلية عن طريق شراء ذمم المعارضين للسلطة و بذلك تبسط سيطرتها على المنطقة و تأتي كأنها حمامة سلام ، و مثال هذا التأثير الغزو الأمريكي على العراق عام / 2003 / الذي كان بسبب توسع انتشار النفوذ الإيراني في المنطقة لذا كان لا بد من الغزو الأمريكي لضمان مصالحها في الشرق الأوسط ، و قد جاء هذا الغزو كأنه المُخَّلص من الظلم و الطغيان ، و ذلك بعد حرب إعلامية ضروس شنتها دول التحالف حينها على العراق .
و قد نجد في بعض الأحيان تأثيراً مجتمعياً أكثر من أن يكون سياسياً ، فقد يتأثر مجتمع ما بعادات و تقاليد و ثقافة مجتمع آخر مجاور له ، و ذلك ما نجده جلياً على المناطق الحدودية بين دولة و أخرى إذ أن العادات و الثقافة و العرق الواحد بات أن يكون سادياً بشكل مطلق .

Social Links: