تنتمي السيرة الذاتية لهبة الدباغ إلى ما يسمى بأدب السجون الذي أصبح له حضور كبير في العالم العربي منذ عقود، لما للقمع والاعتقال والسجون من حضور في حياة إنساننا العربي في دول القمع العربي قاطبة.
الأيام السورية
الكاتبة: هبة دباغ.
قراءة: أحمد العربي
الناشر: أفق للدراسات والنشر- لندن/ط٣، ورقية، ٢٠١٨م.
في سجن دوما
دام حبس هبة ورفيقاتها في قطنا أربع سنوات حتى عام ١٩٨٤م، ثم نُقلن إلى سجن دوما المدني الذي كان أفضل قليلا واستمرت به حتى عام ١٩٨٩م حيث أفرج عنها.
كانت هبة تعيش إحساسا باليأس من الإفراج عنها، وكانت تفكر انها قد تساق إلى الإعدام في أي وقت، وخاصة عندما أخرجت ورفيقاتها من سجن قطنا إلى سجن دوما، اعتقادا منهن أنهن سيؤخذن إلى حقل الرمي على الطريق حيث سيعدمن، لكن ذلك لم يحصل.
في سجن دوما عادت حياتهم إلى روتينها السابق، مجيء معتقلات جديدات وخروج بعض المعتقلات القديمات، حيث لم تمتلك هبة وبعض رفيقاتها في الأفق أي أمل في الإفراج عنهن، ومن سوء حالها وحظها، إنها اُعيدت لأشهر عدة إلى معتقلات الأمن بناء على وشاية مخبرة إنها تملك معلومات، ويجب أن تقدمها للأمن.
منفردة تحت الأرض
عادت هبة في تلك الفترة إلى معاناتها الشديدة، من الاعتقال تحت الأرض في منفردة، التقت بالمعتقل مع رياض الترك الزعيم الشيوعي الذي اعتقل لحوالي العشرين عاما، كانت زنزانته بجوار زنزانتها، وكان لديه بعض الميزات مثل الراديو وفتح الزنزانة وحصوله على بعض الحاجات بما فيها صنع الطعام الخاص به، كان يقدم لها البعض منه أحيانا. كانت تتعرض للتحرش الجنسي والإساءة، من بعض العناصر، وكل ذلك لدفعها إلى تقديم معلومات لا تملكها أصلا.
دوامة الإفراج
أعيدت هبة للسجن في دوما مع رفيقاتها بعد ذلك، واستمر الوضع على حاله، حتى بدأ الحديث عن افراجات تطال النساء وضعهن مثلها، خرج الكثيرات قبلها، وكانت هي مع بعض رفيقاتها من أواخر من أفرج عنهن، حصل ذلك بعد أن مررن بوعود كثيرة كاذبة، وبعد أن أعدن إلى المعتقل أكثر من مرة، وعرضن على لجان أمنية، وافقت على الإفراج عن البعض منهن وترك البعض معتقلات، وكن يعشن على أعصابهن، اليوم إفراج، لا بل غدا، ثم يؤجل إلى وقت آخر. وأخيرا تم الإفراج عن هبة مع حوالي العشر نساء نصفهن من حماة والنصف الآخر من حلب، وأخذن مكبلات بواسطة نقل للأمن إلى حماة ومن ثم حلب، سلمت هبة مع النساء الحمويات إلى فرع الأمن في حماة، ودعي أقارب كل منهن لاستلام أولاء النسوة، أما هبة فلم تجد من يستلمها، فقبلت أن يستلمها والد رفيقتها ماجدة، واتصلوا بعد ذلك بعمها الذي أخذها إلى بيته.
عادت هبة إلى حماة بعد تسعة سنوات لتجد أن بيتهم والحي الذي كانوا يسكنونه مهدم كله ومسوّى بالأرض. هنا كان بيتها، وهنا قتل من تبقى من أهلها مع الآلاف من أهل حماة في عام ١٩٨٠م وما بعد.
تحررت هبة لكنها بقيت ممتلئة بمرارة تجربتها وما عاشته من ظلم وقهر وتعذيب وفقدان الكرامة والحقوق الإنسانية.
في تحليل السيرة الذاتية لهبة الدباغ نقول:
٠ تنتمي السيرة الذاتية لهبة الدباغ إلى ما يسمى أدب السجون الذي أصبح له حضور كبير في العالم العربي منذ عقود، لما للقمع والاعتقال والسجون من حضور في حياة إنساننا العربي في دول القمع العربي قاطبة.
كان ذلك منذ رواية شرق المتوسط لعبد الرحمن منيف، إلى القوقعة لمصطفى خليفة، إلى يسمعون حسيسها لأيمن العتوم، وليس آخرها تجربة الاعتقال التي عاشها وائل الزهراوي في روايته لهذا أخفينا الموتى، التي أظهرت الوحشية في تصرف النظام المجرم السوري مع المعتقلين من الثائرين عليه في الربيع السوري، فوق ما يتصوره العقل، وكذلك عشرات التجارب والتوثيقات.
كل ذلك مهم لفضح القمع العربي بدء من السجّان إلى نظم الحكم الاستبدادية ومسؤوليها، منتظرين محاسبتهم ولو بعد حين. ومهم أيضا هذا التوثيق ليبقى حاضرا في ذاكرة ووجدان الإنسان العربي الذي يتوق للحرية والعدالة والكرامة والديمقراطية والحياة الأفضل، ومستمرا بسعيه لتحقيق ذلك.
٠ لم تتحدث هبة الدباغ عن الواقع السياسي لسورية أيام اعتقالها، عن سورية التي حولها حافظ الأسد منذ ١٩٧٠م لدولة له ولعائلته ولبعض من طائفته العلوية ولجيش من الانتهازيين والمستغلين للشعب السوري من كل الفئات، حيث استخدم الجيش والأمن ليكونوا أدوات قمع وتسلط واستغلال واستبداد داخلي، وأدوات استغلال إقليمي ودولي وعلاقات مصالح خارجية.
جعلت الشعب السوري وقواه المعارضة من كل الأطياف يفكر منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي أن يسقط نظام الاستبداد، وكيف اعتمد الإخوان المسلمين أسلوب العنف المسلح، وكذلك الخطاب الطائفي السني مقابل العلوي، مما أعطى حافظ الأسد ونظامه المستبد المجرم المبرر ليعتقل كل الفعاليات السياسية السورية المعارضة تقريبا، ويبطش بالإخوان المسلمين وحاضنتهم الاجتماعية، التي وصلت إلى مجازر في حماة وحلب وجسر الشغور وغيرها، راح ضحيتها عشرات الآلاف من الناس الأبرياء من الشعب السوري، بحيث حول سورية لعقود طويلة إلى جمهورية الصمت والرعب. في هذه الاجواء السورية عاشت هبة الدباغ تجربة اعتقالها ومعاناتها.
٠ أخيرا ها نحن في الربيع السوري بعد عقدين من الزمن تقريبا على خروج هبة الدباغ من الاعتقال، يعود الشعب السوري في ثورته بدء ربيع ٢٠١١ إلى الآن ونحن في أوائل ٢٠٢٠م مطالبا بذات أهداف حراكه السابق، إسقاط نظام الاستغلال والاستبداد والفئوية والطائفية في سورية، وبناء دولة الحقوق والديمقراطية، وواجه النظام ذاته عبر الوريث بشار الأسد واجه الشعب السوري بأسوأ أنواع العنف والقتل والتدمير في سورية. مئات آلاف من الشهداء ومثلهم مصابين ومعاقين، ملايين من المشردين داخل وخارج سورية. مدن بكاملها مدمرة، احتلالات تطال سورية من روسيا وإيران وأمريكا والمرتزقة الطائفيين وغيرهم.
لقد تحولت سورية لجحيم لمن تبقى يعيش بها، وحلم بالعودة إلى وطن حر كريم عادل ديمقراطي لمن هرب من ذلك الجحيم.
ما زالت ظروف مأساة هبة الدباغ حاضرة في سورية. وما زال مطلب إسقاط الاستبداد وبناء دولة الحقوق الديمقراطية في سورية المطلب الملح كل الوقت.

Social Links: