نتابع في الرافد نشر الجزء الثالث من الدراسة حول حياة كارل ماركس وأعماله، وكتاباته المبكرة، وحول فكرته في المسألة اليهودية، ونظريته في الاقتصاد، ونقده لفلسفة الحق عند هيغل؛ نص مترجم للدكتور جوناثان وولف من ترجمة: مصطفى سامي رفعت، ومراجعة: سيرين الحاج حسين. منشور على موسوعة ستانفورد للفلسفة، نقلا عن مجلة حكمة.
٤. ١. الأيديولوجيا الألمانية
في الأيدلوجيا الألمانية قارن ماركس وأنجلز أسلوبهم المادي الجديد مع المثالية المناقضة له، والتي ميزت الفكر الألماني السابق. وبناءً عليه، فقد بذلوا جهداً ضخماً لتوضيح المقدمات المنطقية للفكر المادي فهم يبدؤون كما يقولون من البشر الحقيقيين مؤكدين أن البشر هم كائنات منتجة بشكل أساسي، حيث يجب عليهم إنتاج وسائل عيشهم من أجل تلبية احتياجاتهم المادية. يؤدي تلبية الاحتياجات إلى توليد احتياجات جديدة من النوع المادي والاجتماعي، وتنشأ أشكال من المجتمع تقابل حالة تطور القوى البشرية المنتجة، محددة الحياة المادية أو على الأقل شروط الحياة الاجتماعية، وبالتالي فإن الاتجاه الرئيسي للتفسير الاجتماعي هو من الإنتاج المادي إلى الأشكال الاجتماعية، ومن ثم إلى أشكال الوعي. ومع تطور الوسائل المادية للإنتاج، فإن أنماط التعاون أو الأنظمة الاقتصادية ترتفع وتهبط، وفي نهاية المطاف تصبح الشيوعية ممكنة واقعياً بمجرد أن تقوم أوضاع العمال ووعيهم بالبديل بتحفيز العمال بشكلٍ كافٍ ليصبحوا ثوريين.
٤. ٢. مقدمة ١٨٥٩
استخدم ماركس في “الأيديولوجيا الألمانية” جميع العناصر الأساسية للمادية التاريخية، حتى ولو لم تكن المصطلحات الأكثر نضجاً لماركس قد استُخدمت بعد. في “مقدمة ١٨٥٩” يتم تقديم نفس الرؤية بصورة أكثر حدة. يبدأ كوهين إعادة بناء رؤية ماركس في المقدمة فيما أسماه أطروحة التطور، والتي تم التمهيد لها دون ذكرها بصراحة في المقدمة. هذه الأطروحة تقول بأن قوى الإنتاج تميل للتطور، بمعنى أن تصبح أقوى بمرور الوقت، وهذا لا يعني أنها دائماً تتطور، ولكنها دائماً تتطلع لذلك. وقوى الإنتاج هي وسائل الإنتاج، جنباً إلى جنب مع المعرفة القابلة للتطبيق في الإنتاج: التكنولوجيا بعبارة أخرى. الأطروحة التالية هي أطروحة الأسبقية، وهي ذات جانبين. الجانب الأول ينص على أن طبيعة البناء الاقتصادي يمكن تفسيرها من خلال مستوى تطور قوى الإنتاج. والثاني أن طبيعة البناء الفوقي -المؤسسات السياسية والقانونية في المجتمع- يمكن تفسيرها من خلال طبيعة البناء الاقتصادي. كما أن طبيعة أيديولوجيا المجتمع، أي المعتقدات الدينية والفنية والأخلاقية والفلسفية الموجودة داخل المجتمع، يمكن أيضاً تفسيرها من خلال البناء الاقتصادي، رغم أن هذا يلقى اهتماما أقل في تفسير كوهين. في الواقع، فإن العديد من النشاطات قد تجمع بين عناصر كلاً من البناء الفوقي والأيديولوجيا، فالدين يتأسس من كلا المؤسستين مع مجموعة من المعتقدات.
يمكن فهم التغيير الذي طرأ على الثورة والعصر كتتابع لبناء اقتصادي لم يعد قادراً على الاستمرار في تطوير قوى الإنتاج. وفي هذه المرحلة، يُقال بأن تنمية القوى المنتجة محسوبة، ووفقاً للنظرية فإنه بمجرد تطور النظام الاقتصادي ستحدث ثورة ستندلع ويتم استبداله بنظام اقتصادي أكثر ملاءمةً للتطور المستمر في قوى الإنتاج. بشكل مبسط، فإن النظرية لديها البساطة والقوة. حيث يبدو من المعقول أن الطاقة الإنتاجية البشرية تتطور بمرور الوقت، ومن المعقول أيضاً أن النظم الاقتصادية تظل قائمة طالما تقوم بتطوير قوى الإنتاج، ولكنا تُستبدل حين تكُف عن القيام بذلك. حتى الآن، تطرأ العديد من المشاكل عندما نحاول بناء المزيد من الاستنتاجات على هذه النظرية.
٤. ٣. التفسير الوظيفي
قبل كوهين، لم تكن المادية التاريخية تعتبر فكرة متماسكة في الفلسفة السياسية المكتوبة بالإنجليزية. تم تلخيص التعارض بشكل جيد في الكلمات الختامية لـ هـ.ب. أكتون في “وهم العصر”: “الماركسية هي خليط فلسفي”. كانت واحدة من الصعوبات التي واجهت كوهين جدياً هي التناقض المزعوم بين الأسبقية في التفسير لقوى الإنتاج وبعض الادعاءات التي قدمها ماركس في مكان آخر والتي يبدو أنها تعطي الأولوية للنظام الاقتصادي في تفسير تطور قوى الإنتاج. على سبيل المثال، في “البيان الشيوعي” يقول ماركس : “إن البرجوازية لا يمكن أن توجد بدون ثورة مستمرة في أدوات الإنتاج”. ويبدو أن هذا يعطي أهمية للنظام الاقتصادي -الرأسمالية- مما يؤدي إلى تطور قوى الإنتاج. يقبل كوهين ذلك، بشكل سطحي على الأقل، وهذا يؤدي إلى تناقض. حيث يبدو أن كلاً من النظام الاقتصادي وتطور قوى الإنتاج قد تكون لها أولوية التفسير لبعضها البعض. يحاول كوهين بوعي ذاتي تطبيق معايير الوضوح والصرامة في الفلسفة التحليلية لتقديم نسخة مُعاد بناءها من المادية التاريخية، كونه غير راضٍ عن مثل هذه الحلول المبهمة مثل “الحتمية في المثال الأخير” أو فكرة الروابط “الجدلية”. إن الفكرة النظرية الأساسية هي الاحتكام إلى مفهوم التفسير الوظيفي (والذي يطلق عليه أحيانا “تفسير العواقب”). والنقطة الأساسية المرحب بها هي الاعتراف أن النظام الاقتصادي يقوم بالفعل بتطوير قوى الانتاج، ولكن نضيف أن هذا، وفقاً للنظرية، هو تحديداً سبب وجود الرأسمالية (عندما تكون موجودة). هذا يعني أنه إذا فشلت الرأسمالية في تطوير قوى الإنتاج فإنها ستختفي، وهذا في الواقع يتناسب بشكل جميل مع المادية التاريخية. ويؤكد ماركس أنه عندما يفشل النظام الاقتصادي في تطوير قوى الإنتاج -عندما تقيد قوى الإنتاج فستحدث ثورة ويتغير العصر. وبذلك تصبح فكرة “التقييد” هي الفكرة المطابقة لنظرية التفسير الوظيفي. وبشكل أساسي، فإن التقييد يحدث عندما يصبح النظام الاقتصادي غير فعال.
من الواضح الآن أن هذا يجعل المادية التاريخية متماسكة. ومع ذلك، هناك سؤال حول ما إذا كان السعر باهظاً للغاية. حيث يجب أن نتساءل إذا ما كان التفسير الوظيفي هو وسيلة منهجية متماسكة. وتكمن المشكلة في أنه يمكننا التساؤل عما يؤكد أن النظام الاقتصادي سيستمر فقط طالما أنه يقوم بتطوير قوى الإنتاج. قام جون إلستر بتقديم هذا الانتقاد الى كوهين بقوة. إذا أمكننا القول بأن هناك عاملاً ما يقود التاريخ ولديه هدف تطوير قوى الإنتاج قدر الإمكان، إذاً فمن المنطقي أن مثل هذا العامل قد يتدخل في التاريخ لتحقيق هذا الغرض عبر اختيار النظام الاقتصادي الذي يقوم بعمل أفضل. ومع ذلك، من الواضح أن ماركس لم يقم بمثل هذه الافتراضات الميتافيزيقية. كان إلستر شديد الانتقاد -أحيانا لماركس، وأحيانا لكوهين- لفكرة الاحتكام إلى “الغايات” في التاريخ، دون أن تعود هذه الغايات لأحد.
كان كوهين يعي جيداً هذه المشكلة، لكنه يدافع عن التفسير الوظيفي بالمقارنة بين استخدامه في المادية التاريخية واستخدامه في البيولوجيا التطورية. ففي علم البيولوجيا المعاصر من الشائع تفسير وجود خطوط النمر أو العظام المجوفة للطيور بالرجوع إلى وظيفتها. وهنا لدينا غايات واضحة لاتعود لأحد. لكن الرد الواضح هو أنه في البيولوجيا التطورية يمكننا تقديم قصة سببية لدعم هذه التفسيرات الوظيفية، قصة تنطوي على تنوع الصدف والبقاء للأصلح. ولذلك، فإن هذه التفسيرات الوظيفية تستمر من خلال سلسلة من النتائج السببية المعقدة التي تتنافس فيها العناصر المختلة مع العناصر الأفضل وظيفياً. ويطلق كوهين على مثل هذه المسببات التفصيلية “توضيحات” ويقر بأن التفسيرات الوظيفية بحاجة إلى توضيحات. لكنه يشير إلى أن التفسيرات السببية القياسية تحتاج بنفس القدر إلى هذه التوضيحات. قد نكون على سبيل المثال راضين عن تفسير أن الإناء قد انكسر لأنه تم إسقاطه على الأرض، ولكننا بحاجة إلى قدر كبير من المعلومات الإضافية لشرح سبب صحة هذا التفسير. وبالتالي، يدعي كوهين أنه يمكننا تبرير تقديم تفسير وظيفي حتى إذا كنا نجهل تفاصيله. في الواقع، حتى في علم البيولوجيا لم توجد توضيحات مفصلة للتفسيرات الوظيفية سوى مؤخراً. قبل داروين، أو على الأقل قبل لامارك، كان التفسير الوحيد المتاح هو تلبية غايات الله. أوجز داروين آلية معقولة جداً، لكن عدم وجود نظرية جينية جعله غير قادر على توضيحها بمسببات تفصيلية. ولاتزال معرفتنا غير مكتملة الى وقتنا هذا. ومع ذلك، يبدو من المعقول تماماً القول بأن الطيور لديها عظام جوفاء لتسهيل الطيران. تشير وجهة نظر كوهين إلى أن ثقل الأدلة على أن الكائنات الحية تتكيف مع بيئتها سيسمح حتى للملحد ما قبل داروين بتأكيد هذا التفسير الوظيفي وتبريره. من هنا يمكن تبرير تقديم تفسير وظيفي حتى في حالة عدم وجود توضيح تفصيلي: إذا كان هناك ثقل كافٍ من الأدلة الاستقرائية.
عند هذه النقطة، تنقسم المسألة إلى سؤال نظري وسؤال تجريبي. والسؤال التجريبي هو إذا ما كان هناك دليل على أن الأنماط الاجتماعية تتواجد فقط طالما أنها تقدم طاقة إنتاجية، وتحل محلها الثورة عندما تفشل. وهنا يجب أن نعترف أن السجل التجريبي غير مكتمل في أحسن الأحوال، ويبدو أن هناك فترات طويلة من الركود، وحتى الانحدار، عندما لم تحدث ثورة على الأنظمة الاقتصادية المختلة.
أما السؤال النظري فهو ما إذا كان هناك تفسير مقنع معقول متاح لدعم التفسيرات الوظيفية الماركسية. هنا توجد معضلة ما. في المقام الأول، يبدو من المغري محاكاة التوضيح الموجود في القصة الداروينية، والاحتكام إلى تنوع الصدف والبقاء للأصلح. في هذه الحالة فإن “الأصلح” يعني “الأكثر قدرة على قيادة تطور قوى الإنتاج”. قد يكون تنوع الفرص مسألة تتعلق بأولئك الذين يجربون أنواعًا جديدة من العلاقات الاقتصادية. من هذا المنطلق، تبدأ الأنظمة الاقتصادية الجديدة من خلال التجربة، ولكنها تزدهر وتستمر من خلال نجاحها في تطوير قوى الإنتاج. إلا أن المشكلة تكمن في أن هذا قد يبدو وكأنه يعطي دوراً أكبر للصدفة مما يريده ماركس ، لأنه من الضروري بالنسبة لفكر ماركس أن يكون المرء قادراً على التنبؤ بوصول الشيوعية في نهاية المطاف. في النظرية الداروينية لا يوجد أي ضامن للتنبؤات طويلة المدى، لأن كل شيء يعتمد على الصدف التي تحدث في مواقف معينة. وسينشأ رأي مماثل للصدف بواسطة شكل من أشكال المادية التاريخية التي تم تطويرها بشكل مشابه لعلم البيولوجيا التطورية. ومع ذلك، فإن المعضلة هي أن أفضل نموذج لتطوير النظرية يجعل التنبؤات قائمة على أساس نظرية غير مكتملة، فالنقطة الأساسية في النظرية هي التنبؤ. لذا يجب على المرء إما البحث عن وسيلة بديلة لإنتاج تفسير مفصل، أو التخلي عن الطموحات التنبؤية للنظرية.
٤. ٤. العقلانية
إن القوة المحركة للتاريخ، في إعادة بناء كوهين لماركس، هي تطور قوى الإنتاج، وأهمها التكنولوجيا. لكن ما الذي يدفع هذا التطور؟ في النهاية، من وجهة نظر كوهين، إنها العقلانية البشرية. يتمتع البشر بالبراعة في تطوير وسائل لإشباع الحاجات الموجودة لديهم، وهذا يبدو معقولاً جداً ظاهرياً، ومع ذلك فهناك صعوبات. فكما يقر كوهين نفسه أن المجتمعات لا تتصرف دائماً بما يمكن أن يكون عقلانياً لفرد ما. قد تقف مشاكل التنسيق عائقا، كما قد تكون هناك عوائق هيكلية. علاوة على ذلك، فإنه من النادر نسبياً بالنسبة لأولئك الذين يقدمون تكنولوجيات جديدة أن يكون الدافع لها هو إشباع الحاجات. بدلا من ذلك، في ظل الرأسمالية، فإن دافع الربح هو الأساس. وبالطبع قد يقال إن هذا هو الشكل الاجتماعي الذي تحتاج إليه المادة لإشباع الحاجات في ظل الرأسمالية. ولكن لا يزال من الممكن إثارة السؤال عما إذا كانت الحاجة إلى إشباع الحاجات تتمتع دائما بالتأثير الذي يبدو عليها في العصر الحديث. على سبيل المثال، قد يؤدي التصميم المطلق للطبقة الحاكمة على التمسك بالسلطة إلى مجتمعات راكدة اقتصاديًا. بدلاً من ذلك، قد يُعتقد أن المجتمع قد يضع الدين أو حماية طرق الحياة التقليدية قبل الاحتياجات الاقتصادية. يقودنا هذا إلى جوهر نظرية ماركس بأن الإنسان هو منتِج أساسي وأن مكان التفاعل مع العالم هو الصناعة. وكما جادل كوهين نفسه فيما بعد في مقالات مثل “إعادة النظر في المادية التاريخية”، فإن التركيز على الإنتاج قد يبدو أحادي الجانب، ومتجاهلاً للعناصر القوية الأخرى في الطبيعة البشرية. مثل هذا الانتقاد ينسجم مع انتقادات من الجزء السابق. في الواقع، قد لا يظهر السجل التاريخي الميل إلى النمو في قوى الانتاج الذي افترضته النظرية.
٤. ٥. التفسيرات البديلة
العديد من المدافعين عن ماركس قد يقولون إن المشاكل المذكورة هي مشاكل في تفسير كوهين لماركس، وليست في ماركس نفسه. من الممكن أن نقول، على سبيل المثال، أن ماركس لم يكن لديه نظرية عامة للتاريخ، بل كان عالماً اجتماعياً يراقب ويشجع تحول الرأسمالية إلى الشيوعية كحدث فريد. ومن المؤكد أنه عندما يقوم ماركس بتحليل حقبة تاريخية معينة، كما يفعل في برومير لويس نابليون الثامن عشر، فإن أي فكرة لترتيب الأحداث في نمط تاريخي ثابت تبدو بعيدة كل البعد عن ذهن ماركس . في وجهات النظر الأخرى، كان لدى ماركس نظرية عامة للتاريخ، لكنه أكثر مرونة وأقل حتمية من إصرار كوهين (ميلر). وأخيرًا، كما هو ملاحظ، هناك نقاد يعتقدون أن تفسير كوهين خاطئ تمامًا.
٥. الأخلاق
إن خلاف ماركس مع الأخلاق يشكل لغزاً. فعند قراءة أعمال ماركس في كل فترات حياته، نجد أن هناك أقصى نفور ممكن تجاه المجتمع الرأسمالي البرجوازي، وتأييد لا شك فيه للمجتمع الشيوعي المستقبلي. ومع ذلك فإن شروط هذا النفور والتأييد بعيدة كل البعد عن الوضوح. على الرغم من التوقعات، لم يقل ماركس أبداً أن الرأسمالية غير عادلة، كما أنه لا يقول بأن الشيوعية ستكون هي الشكل العادل للمجتمع. في الواقع، يبذل جهداً لكي ينأى بنفسه عن أولئك الذين ينخرطون في خطاب العدالة، ويقوم بمحاولة واعية لاستبعاد التعليقات الأخلاقية المباشرة في أعماله الخاصة. اللغز هو لماذا يجب لهذا أن يكون، نظراً لقيمة التعليقات الأخلاقية غير المباشرة التي يمكن أن نجدها.
بدايةً، هناك أسئلة منفصلة تتعلق بموقف ماركس من الرأسمالية والشيوعية. هناك أيضا أسئلة منفصلة تتعلق بموقفه من أفكار العدالة، ومن أفكار الأخلاق المهمة على نطاق أوسع. هذا إذن يؤدي الى أربعة أسئلة: (1) هل اعتقد ماركس أن الرأسمالية غير عادلة؟ (2) هل اعتقد أن الرأسمالية يمكن أن تُنتقد أخلاقياً لأسباب أخرى؟ (3) هل اعتقد أن الشيوعية ستكون عادلة؟ (4) هل اعتقد أنه يمكن الموافقة عليها من الناحية الأخلاقية لأسباب أخرى؟ هذه هي الأسئلة التي سنناقشها في هذا الجزء.
كانت الحجة المبدئية التي اعتقد فيها ماركس أن الرأسمالية غير عادلة تستند إلى الملاحظة القائلة بأن جميع الأرباح الرأسمالية مستمدة في النهاية من استغلال العامل. يكمن سر دناءة الرأسمالية في أنها ليست مجالاً للوئام والمنفعة المتبادلة، بل هي نظام تقوم فيه أحد الطبقات باستخلاص الربح من الأخرى بشكل ممنهج. كيف يمكن لهذا أن يكون ظالماً؟ مع ذلك، من الملاحظ أن ماركس لم يقرر ذلك أبدا، وفي “رأس المال” يذهب إلى حد القول إن مثل هذا التبادل “لا يعني الظلم”.
يقول ألين وود أن ماركس اتخذ هذا النهج لأن منهجه النظري العام يستثني أي وجهة نظر ما بعد حداثية يمكن من خلالها التعليق على عدالة النظام الاقتصادي. على الرغم من أنه يمكن للمرء أن يعتبر سلوكًا معينًا داخل النظام الاقتصادي على أنه ظالم (والسرقة في ظل الرأسمالية ستكون مثالًا) فإنه من غير الممكن انتقاد الرأسمالية ككل. هذه هي نتيجة تحليل ماركس لدور أفكار العدالة باستخدام المادية التاريخية. وهذا يعني أن المؤسسات القضائية هي جزء من البنية الفوقية، وأن أفكار العدالة أيديولوجية، ودور كل من البنية الفوقية والأيديولوجيا، في القراءة الوظيفية للمادة التاريخية التي تم تبنيها هنا، هو تثبيت النظام الاقتصادي. وبالتالي، فإن القول بأن شيئًا ما عادل في ظل الرأسمالية هو ببساطة حكم يطبق على عناصر النظام التي ستميل إلى التأثير على الرأسمالية المتقدمة. وفقاً لماركس، فإن الأفكار الحاكمة في أي مجتمع هي تلك الخاصة بالطبقة الحاكمة؛ جوهر نظرية الأيديولوجيا. ومع ذلك يزعم زياد الحسامي أن وود مخطئ، حيث يتجاهل حقيقة مفادها أن أفكار ماركس بها مفاهيم مزدوجة لأن أفكار الطبقة غير الحاكمة قد تكون مختلفة تماماً عن أفكار الطبقة الحاكمة. بالطبع، أفكار الطبقة الحاكمة هي التي تحظى بالاهتمام والتنفيذ، لكن هذا لا يعني أن الأفكار الأخرى غير موجودة. يذهب الحسامي إلى حد القول أن أفراد البروليتاريا في ظل الرأسمالية لديهم مفهوم للعدالة يتوافق مع الشيوعية. من وجهة نظر البروليتاريا المتميزة هذه، التي هي أيضا وجهة نظر ماركس ، فإن الرأسمالية غير عادلة، وبالتالي فإن ماركس يعتقد أن الرأسمالية غير عادلة.
ومع أن ذلك قد يبدو معقولاً، إلا أن حجة الحسامي لا تفسر نقطتين متصلتين. أولاً، لا تفسر لماذا لم يصف ماركس الرأسمالية على أنها غير عادلة. وثانياً، فإنها لا تفسر المسافة التي أراد ماركس وضعها بين اشتراكيته العلمية الخاصة، ووجهة الاشتراكيين الطوباويين الذين احتجوا بالظلم الرأسمالي. وبالتالي لا يمكن للمرء أن يتجنب الاستنتاج بأن وجهة النظر “الرسمية” لماركس هي أن الرأسمالية ليست ظالمة.
ومع ذلك، يتركنا هذا مع لغز. إن الكثير من وصف ماركس للرأسمالية – استخدامه لكلمة “اختلاس” و”سطو” و “استغلال” – يكذبان الموقف الرسمي. يمكن القول إن الطريقة الوحيدة المرضية لفهم هذه القضية هي من ج.أ. كوهين ثانيةً، وهو يقترح اعتقاد ماركس بأن الرأسمالية غير عادلة، لكنه لم يعلم أنه يعتقد ذلك (كوهين 1983). بكلمات أخرى، لم يكن ماركس ، مثل الكثير منا، لديه معرفة كاملة بعقله. في تأملاته الواضحة حول عدالة الرأسمالية، تمكن من الحفاظ على وجهة نظره الرسمية. لكن في لحظات أقل تحفظاً، تظهر رؤيته الحقيقية، حتى لو لم تكن بلغة واضحة. مثل هذا التفسير لا بد أن يكون مثيراً للجدل، ولكنه يبدو منطقياً بالنسبة لكتاباته.
أياً كان ما يُختتم به السؤال حول ما إذا كان ماركس يعتقد أن الرأسمالية غير عادلة، فإنه من الواضح، مع ذلك، أن ماركس كان يعتقد أن الرأسمالية ليست أفضل طريقة للبشر لكي يعيشوا. تبقى النقاط التي وردت في كتاباته المبكرة حاضرة طوال كتاباته، حتى لو لم تعد مرتبطة بنظرية الاغتراب بشكل صريح. يجد العامل معاناةً في العمل، يعاني من الفقر والإرهاق وغياب التقدير والحرية. ولا يرتبط الناس ببعضهم البعض كما ينبغي أن يفعلوا. هل هذا يرقى إلى النقد الأخلاقي للرأسمالية أم لا؟ في غياب أي سبب للقول خلاف ذلك، يبدو من الواضح ببساطة أن نقد ماركس هو أخلاقي. الرأسمالية تعوق ازدهار الإنسان.
ومع ذلك، امتنع ماركس مرة أخرى عن قول ذلك بصراحة؛ بدا أنه لا يظهر أي اهتمام لربط انتقاده للرأسمالية بأي من تقاليد الفلسفة الأخلاقية، أو شرح كيف أنه ينشئ تقليدًا جديدًا. ربما كان هناك سببان لحذره. الأول هو أنه في حين كانت هناك أشياء سيئة حول الرأسمالية، إلا أن هناك، من وجهة نظر تاريخية عالمية، الكثير من الأشياء الجيدة أيضاً. فبدون الرأسمالية، لن تكون الشيوعية ممكنة. يجب تجاوز الرأسمالية، وليس إلغاءها، وقد يكون من الصعب التعبير عنها بمفاهيم الفلسفة الأخلاقية.
ثانياً، وربما هو الأهم، نحتاج إلى العودة إلى التناقض بين الاشتراكية العلمية والطوباوية. فقد ناشدت اليوتوبيا الأفكار العالمية للحقيقة والعدالة للدفاع عن مخططاتهم المقترحة، واستندت نظريتهم الانتقالية إلى فكرة أن الاستجابة للحساسيات الأخلاقية ستكون أفضل، ربما فقط، وسيلة لتحقيق المجتمع الجديد المنشود. أراد ماركس أن ينأى بنفسه عن هذا التقليد من الفكر الطوباوي، وأن يقول أن النقطة الرئيسية للتمييز هي القول أن الطريق لفهم إمكانيات التحرر البشري يكمن في تحليل القوى التاريخية والاجتماعية، وليس في الأخلاق. ومن ثم، بالنسبة إلى ماركس ، كان أي نداء أخلاقي من الناحية النظرية هو خطوة متخلفة. هذا يقودنا الآن إلى تقييم ماركس للشيوعية. هل ستكون الشيوعية مجتمعًا عادلًا؟ عند النظر في موقف ماركس من الشيوعية والعدالة لا يوجد سوى احتمالين قابلين للتطبيق: إما أنه يعتقد أن الشيوعية ستكون مجتمعاً عادلاً أو أنه يعتقد أن مفهوم العدالة لن يتم تطبيقه: أي أن الشيوعية سوف تتجاوز العدالة. يصف ماركس المجتمع الشيوعي، في نقد برنامج غوتا، بأنه مجتمع يجب أن يعمل فيه كل شخص حسب قدرته ويأخذ حسب حاجته. هذا بالتأكيد يبدو وكأنه نظرية للعدالة، ويمكن اعتماده على هذا النحو. وعلى أية حال من الممكن أن ماركس يعتقد أن هذه النقطة تتخطى فيها الشيوعية العدالة، كما قال لوكس. إذا بدأنا بفكرة أن وجهة نظر العدالة هي حل النزاعات، فإن المجتمع بدون نزاعات لن يكون لديه احتياج أو مكان للعدالة. يمكننا أن نرى ذلك من خلال النظر إلى فكرة هيوم عن شروط العدالة. يقول هيوم أنه إذا كانت هناك وفرة كبيرة في الموارد، وإذا كان بإمكان أي شخص الحصول على كل ما يريد دون التعدي على نصيب الآخر، فإننا لم نكن لنضع أبداً قواعد للعدالة. وبالطبع، اقترح ماركس في كثير من الأحيان أن تكون الشيوعية مجتمعاً بهذه الوفرة. لكن هيوم اقترح أيضا أن العدالة لن تكون ضرورية في ظروف أخرى. إذا كانت هناك مشاعر رفاقية بين جميع البشر، مرة أخرى لن يكون هناك صراع ولا حاجة للعدالة. وبالطبع، يمكن للمرء أن يتساءل ما إذا كان من الممكن وجود وفرة موارد أو شعور رفاقي بشري إلى هذه الدرجة، لكن المهم هو أن كلا النظرتين تؤديان لنتيجتين منطقيتين تتخطى فيهما الشيوعية العدالة.
ومع ذلك فما زال لدينا تساؤل حول ما إذا كان ماركس يعتقد أنه يمكن الإشادة بالشيوعية على أسس أخلاقية أخرى. على أساس فهم أوسع، حيث أن الأخلاق، أو ربما من الأفضل قول الأخلاقيات، تتعلق بفكرة الحياة بشكل جيد، يبدو أن الشيوعية يمكن تقييمها بشكل إيجابي في ضوء ذلك. إحدى الحجج المقنعة هي أن مسار ماركس ليس له معنى إلا إذا استطعنا أن ننسب مثل هذا الاعتقاد إليه. ولكن بعد هذا يمكننا ايجاز أن الاعتبارات الواردة في الجزء الثاني أعلاه تتحقق مرة أخرى. من الواضح أن الشيوعية تزيد من رفاهية الإنسان، من وجهة نظر ماركس. السبب الوحيد لإنكار ذلك، في نظر ماركس، أنه سيكون هناك مجتمع جيد هو المعارضة النظرية لكلمة “جيد”. وهنا تكمن النقطة الأساسية في أنه برأيه لن تتحقق الشيوعية من قبل فاعلي الخير ذوي المبادئ النبيلة من البشر. وربما أدى تصميمه على الإبقاء على نقطة الاختلاف هذه بينه وبين الاشتراكيين الطوباويين إلى تحطيم أهمية الأخلاق لدرجة تتجاوز الحاجة إلى الضرورة النظرية.

Social Links: