معبد الحسون _الرافد
في العصور الوسطى والقديمة، كان الناس ـ وما يزالون حتى يومنا هذا ـ يعتقدون أن السماء قشرة ثخينة أو طبقة سميكة صلبة، أو سقف من جسم ما، يغطي الكون ويمتد في فضائه الرحيب عبر جهاته الأربع، وكانوا يعتقدون أن هذه السماء لونها (أزرق)، وأنها تقع (فوق).
بمرور الوقت، ومع ظهور النظرية النسبية و نظريات فيزياء الكون، و الحقائق العلمية لوكالات الفضاء العملاقة المتطورة، التي قامت بوصف الكون و سبره واكتشافه، وقياس محيط قطره، وتصوير حركته وفهم معظم العلاقات التبادلية القائمة بين أجسامه، تبين بالدليل العلمي القاطع، وبالحقائق الثابتة التي خرجت عن إطار النظريات و الفرضيات، أنه لا يوجد شيء في المفهوم العلمي اسمه (سماء)، بالمعنى الذي نفهمه، وأنه لا يوجد لون ذو ماهية زرقاء لهذه السماء، ولا يوجد ـ علمياً ـ في الكون كله شيء اسمه (فوق) أو (تحت) أو (يمين) أو (شمال).
هذه المعتبرات نابعة من ذاتنا البشرية القاصرة. متعينة فقط في إحساساتنا ككائنات محدودة؛ كوننا أقل من حبة رمل في صحراء شاسعة، فهي إذن حالة “نشعر” بها فحسب، وانطباع و مشاعر نحسها أو نحدس أنها كذلك. تنقلها الأحاسيس البصرية ويشكلها الوعي في عقولنا، منذ الولادة وحتى الممات، كحقائق صلبة هي أشبه بالاحتياجات الضرورية للحياة.
هذا المثال قد يكون مفيداً لمطابقته مع مفهوم الهوية. فكما أن هنالك مفهومين للسماء: الأول قام على المشاعر والأحاسيس الذاتية والذائقة المتوارثة و النابع من قصورنا ومحدوديتنا كبشر، والثاني حقيقة علمية صارمة وقاطعة ولا تسمح بتدخل اللغة وتأويلاتها، والمشاعر والمعتقدات الشخصية، في نتائجها. كما لا تسمح بحرف مسار الصواب والخطأ في استنتاجاتها؛ فإن الهوية بهذا المعنى، شأنها شأن السماء، لها تصوران معتمدان، ( والحال أشبه ببلد تسمح قوانينه بتداول العملة الرسمية، والعملة المزيفة المشابهة لها على حدٍ سواء، وبإقرار حكومي وشعبي باتفاق).
الوجه الأول قائم على ركام مكون ثقافي، و موروث قديم ما يزال معتمداً دون فهم أو تعريف، بأسطرته وتهويماته الشعرية الجميلة ، لكنه مع ذلك يلبي رغبة ذاتوية، ويغذي انطباعات ومشاعر عطشى لهذه المعاني، مثل عطشنا إلى الفن أو الشعر، وصبوتنا إلى الرمز واستلهام المعاني استلهاماً روحياً، والوجه الثاني هو الحقيقة الرياضية الصلبة والقاطعة. والتي لا يمكن الاستخفاف بها أو تنحيتها جانباً إذا أردنا أن نحترم عقولنا وأن نوسع مدارك الحقيقة في حياتنا وكينونتنا الجمعية والقومية. إن هويتنا التي يجب أن تكون ليست هي هويتنا التي تتمثل ما نحن عليه اليوم.
الهوية إذن هي وعي الذات من خلال وعي الجماعة، والإقرار بأن الدفاع عن هذه الهوية هو الكافل الوحيد للدفاع عن الذات كفرد، وبالتالي الدفاع عن هوية المجموع الذين تتشكل منهم هذه الذات. هذه الكينونة الفردية التي تتأسس من جزئية كينونة جمعية شاملة، مؤلفة من أفراد يتقاطعون جميعاً بكل صفاتها، ولا تتقاطع هي بكل صفاتهم، تلزمهم بـ ( الدفاع عنها والاعتراف بها كموجود وحيد، يُعَرِّفهم تعريفاً قانونياً ودولياً )، ويلزمونها بالمشترك الذي يتشاركونه معها.
من هذا التعريف، يمكننا أن نلمح أركان الهوية السورية من خلال ما يمكن ان تفرزها ثورة بهذا الحجم الإعجازي، وبهذا الصمود الأسطوري، وعظم التضحيات غير المتوقعة وغير المسبوقة للسوريين، وذلك عبر المحددات التالية:
ــ السوريون مجتمعون بالثورة وأهدافها تحت أوالية عقد اجتماعي واحد، مؤسس على مبدأ المواطنة للجميع والعدالة للجميع والمساواة بين الجميع. عقد يكتبونه فيما بينهم كمستند يقفون عليه، وأرضية جامعة سابقة لأي تفصيل سياسي يمكن أن يُفصّل أطر حياتهم الاجتماعية والمدنية، ومؤشر يوجه مستقبلهم. والعقد الاجتماعي المشترك، هو ما فوق وجهات النظر والاجتهادات. وليس ممكناً لمعتقد أو رأي أن يوجهه أو يحرف مساره أو يحدد له حدوداً مسبقة يُرسم بين نقاطها.
ــ السوريون مجتمعون في المكان/الوطن. والانتماء للمكان/الوطن لا معنى له، بلا عقد اجتماعي جامع، فمتلازمة (المكان ـ العقد الاجتماعي)هي التي تسند ما لا حياة فيه بالحياة، وتعطي الجغرافيا أساسيات المعنى الإنساني والرسالة الإنسانية للجماعة البشرية. فالوطن بدون قيم إنسانية ضافية تضمن للإنسان كرامته وحريته والعدالة التي ينشدها كل البشر، يفقد معناه الجوهري.
ــ مجموع القيم الثقافية، العربية والإسلامية والإنسانية، كمشترك جامع، هو الخلفية الثقافية التي انحدرنا منها، وتشكَّل وعيُنا بها. والتي تمثلنا وتمثل جزءاً من هويتنا. لا نتنكر لها ولا ننتقصها، وكذلك لا ننتقي منها ما يُغذي نعرة مصلحة بعضٍ على مصلحة بعضٍ آخر، و يغري بوصل ما تقطع واندثر بحكم تطور الواقع.
ــ مجموع قيم الماضي الحضاري الإنساني، هو أحد جذورنا المتغذية، وهو جزء من هويتنا الثقافية. نحن شركاء فيما بيننا، وشركاء شعوبنا الشرق أوسطية وشركاء الإنسانية جمعاء، في هذا الماضي على قدم المساواة. نتمثل التاريخ وجهد الأجداد، في هويتنا الجامعة، ولا نمثله. وذلك كي يستضيء الحاضر بالماضي ويتواصل به، لا ليرتد إليه، فينكمش و ينتكس.
ــ الإرث التعارفي بين السوريين، أي كل مالم يأتِ دستور ولا قضاء على ذكره وتفصيله، كلائحة قانونية تعريفية عليا، وإنما ما تستكمله الروح السورية، المتجذرة والمتأصلة عبر عقود من السنين يعتبر تفويضاً استكمالياً لكل مفاهيم الخير والعدل والجمال ـ كما يراه السوريون منذ عقود ـ ويدخل الإرث (العرفي السوري) في هامش المعروف والمنطوق به، كمُسلمة وسابقة عاشت مع السوريين وعاشوا بها، شرط أن لا تناقض الدستور والقانون، والشرعة المعمول بها بين السكان كقانون مكتوب ومتوافق عليه من الناحية الحقوقية.
أخيراً لا مفر من الإقرار، بأن الإنسانية جمعاء كلها شريكة لنا في هذا الكوكب، كأساس قانوني دولي، ما لم يثبت جرم أو اعتداء علينا من الآخر الإنساني، وكلهم أخوة لنا وشركاء في هذه الأرض، وقاعدتنا المثلى في التعامل مع كل البشر الموجودين على ظهر هذه البسيطة، هي جوهر ومعنى الحديث النبوي القائل: {الناسُ إما أخٌ لك في الدين. أو نظيرٌ لك في الخلق}..
إلا من اعتدى علينا، أو أضر بمصالحنا، أو أساء أو انتقص ميثاق الإنسانية و قوانينها، التي تواضعت عليها و توافقت وتوحدت بموجبها، فذلك حينئذٍ شأن آخر، وله حديث أخر، وهو في العموم الاستثناء الذي لا يتبع القاعدة ولا يلحق بها أو يُلزِمها.
معبد الحسون 31 / 5 / 2020

Social Links: