هبة محمد_القدس العربي
في خرق فاضح لاتفاق التهدئة المبرم في العاصمة موسكو بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين، ونظيره التركي رجب طيب أردوغان حول الشمال السوري، قامت مقاتلات حربية روسية بأربع غارات على مناطق في ريف حماة الشمالي الغربي، وذلك بعد تنفيذها غارة جوية هي الأولى من نوعها منذ آذار/مارس الماضي على منطقة «تل كبانة» في ريف اللاذقية ويأتي ذلك بعد ثلاثة أشهر على اتفاق التهدئة الذي أوقف الحرب آنذاك لكنه لم ينهِ الخروقات المستمرة من قبل النظام السوري والميليشيات الروسية والإيرانية بحق آخر مناطق خفض التصعيد، ورغم ما حملته التفاهمات من تسيير دوريات مشتركة على الطريق الدولي- إم 4، إلا أن مؤشرات عودة العمليات العسكرية والتصعيد عادت بقوة إلى المشهد.
عودة حركة نزوح المدنيين… والمعارضة تعلن جبل الزاوية «منطقة عسكرية»
كما كثفت قوات النظام السوري من قصفها المدفعي العنيف على قرى في جبل الزاوية في ريف إدلب الجنوبي، وفق ما ذكره المرصد السوري لحقوق الإنسان، في حين نجحت المعارضة السورية «الجبهة الوطنية للتحرير»، بصد عمليات تسلل نفذتها قوات النظام على ذات الريف الذي يعتقد خبراء بأنه سيكون محور عمليات التصعيد من قبل دمشق وموسكو.
وتتمثل التبدلات التي تشهدها المنطقة منذ أيام، وفق المرصد الحقوقي، بتصاعد القصف الصاروخي من قبل قوات النظام، والتعزيزات والحشودات العسكرية المستمرة سواء من قبل قوات النظام أو من قبل القوات التركية والمعارضة السورية، بالإضافة لإعلان الفصائل منطقة شرقي جبل الزاوية في ريف إدلب منطقة عسكرية مع عودة القصف الجوي الروسي إلى منطقة خفض التصعيد في الشمال السوري.
تركيا تستعد للحرب
وذكرت وسائل إعلام في المعارضة السورية، بأن الجيش التركي اجتمع عبر ضابط ممثل له مع عدد من المدنيين من أبناء جبل الزاوية في ريف إدلب الجنوبي، لوضعهم بمستجدات التطورات العسكرية، وكذلك ما سيقوم به الجيش التركي فيما لو عاودت روسيا والميليشيات المقاتلة تحت رايتها مهاجمة المنطقة.
ووفق ما نقله موقع «نداء سوريا» المحلي، فإن الاجتماع عُقد داخل موقع عسكري تركي في بلدة «إحسم» في جبل الزاوية، ووفق المصادر، فإن الجيش التركي قدم وعودًا للأهالي بانخراطه في الأعمال القتالية ضد الميليشيات الروسية وتلك الداعمة للنظام السوري في حال شنت تلك المجموعات أي عملية عسكرية في جبل الزاوية.
الجيش التركي، الذي يواصل كذلك عمليات إرسال الأرتال العسكرية إلى ريف إدلب الجنوبي، وكان آخرها تموضعه في أعلى قمة «النبي أيوب»، ونشره في القمة منظومة دفاع جوي أمريكية الصنع «هاوك»، وكذلك نشر ذات المنظومة في مواقع أخرى. وأرسلت أنقرة، يوم الأربعاء، رتلاً عسكرياً جديداً إلى محافظة إدلب، ضم وفق ما قالته مصادر في الشمال السوري لـ «القدس العربي»، آليات ثقيلة من دبابات وعربات مصفحة وكذلك منظومة دفاع جوي جديدة.
وما إن عادت مؤشرات الحرب في الشمال السوري، حتى بدأ المدنيون بالنزوح عن مدنهم ومنازلهم خوفاً من المجهول القادم، حيث أكد فريق «منسقو الاستجابة»، «أن العشرات من العائلات التي عادت حديثاً إلى ريف إدلب الجنوبي بعد توقف العمليات العسكرية بموجب اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في موسكو، اضطرت خلال الساعات الماضية إلى النزوح من جديد جراء عملية التصعيد من قِبل الطائرات الحربية الروسية. كما أشار الفريق إلى أن موسكو تشدد دائماً على إظهار «الشمال السوري بمظهر البؤرة الإرهابية الكبرى والتركيز على ما تسميه بـ»التنظيمات الإرهابية» وهو محاولة عديمة الجدوى قامت بتطبيقها في كافة مناطق خفص التصعيد السابقة وقامت بالسيطرة عليها تحت تلك الذرائع».
الشمال السوري، كان قد شهد قبل توقيع اتفاق التهدئة بين الرئيسين الروسي والتركي، نزوح قرابة مليون شخص خلال ثلاثة أشهر، عاد 120 ألفاً منهم فقط إلى مناطقهم وفق الأمم المتحدة.
الباحث السياسي السوري رشيد حوراني، يرى أن موسكو من خلال غاراتها الجوية الأخيرة على الشمال السوري، تريد إضفاء «صفة الجدية» في التصعيد، وبأنها ماضية في العملية العسكرية، وأن عمليات التحرش العسكري التي يقوم بها الجيش الروسي، تصب في خانة الضغط على الجانب التركي بهدف تطويعه بما يتناسب والرؤى الروسية، وتقوم كذلك بالاستفزازات على مناطق درع الفرات «منطقة نفوذ لأنقرة» لإرسال رسالة أنه بإمكان روسيا تغيير محاور القتال والبدء بعملياتها على محاور منطقة درع الفرات.
صراع آخر
وهنا إشارة غير مباشرة من روسيا لتركيا، من وجهة نظر الباحث، أن هذه المنطقة من الممكن إشراك قوات سوريا الديمقراطية فيها؛ خاصة أن الأخيرة لا تمانع فعل ذلك، كما أنها تريد توصيل رسالة للجانب التركي بأن الجهود والحشودات العسكرية في إدلب تستطيع روسيا أن تفرغها من محتواها بتغيير تلك المحاور بالإضافة إلى أن تغيير محاور القتال والعدول عن التقدم من جهة جبل الزاوية أمر يتعلق بطبيعة المنطقة الوعرة التي لن تساعد الميليشيات في تحقيق أهدافها، فضلاً عن قيام الفصائل بتحصين المنطقة.
وتعتبر المنطقة المستهدفة من قبل روسيا والميليشيات المساندة لها، مناطق استراتيجية للجيش التركي، خاصة جبل الزاوية الذي يكشف محافظة إدلب من أريحا وحتى معبر باب الهوى؛ وبالتالي فإنها، وفق ما قاله الباحث حوراني» لـ»القدس العربي»، لن تتخلى عنها بالسهولة، وهذا يدلل عليه حجم القوة العسكرية التركية التي دخلت، وأيضاً روسيا تتخوف من إصرار أنقرة وحجم قوتها العسكرية التي حشدتها وتحاول تجنب ما لحق بها في ليبيا على يد الجيش التركي.
كما أن روسيا تتخوف من تشكيل حلف يسهم في إضعاف حليف الضرورة «إيران»، خاصة أن تركيا تتقصد بعد أن أوقف العراق استيراد الغاز والكهرباء من إيران، تأجيل إصلاح خط أنابيب الغاز الطبيعي الذي يمرر الغاز الإيراني لتركيا، والذي تضرر في آذار/ مارس العام الماضي بهجوم إرهابي، وكان يمرر كمية غاز بقيمة 230 مليون دولار في الشهر مما يحرم طهران من العملة الصعبة التي تحتاجها بشدة، بالتزامن مع التقارب التركي – الإسرائيلي، الذي بدأت إسرائيل به من خلال تقديم شركة العال الإسرائيلية بطلب للسلطات التركية للحصول على إذن لاستئناف الرحلات الجوية المنتظمة إلى تركيا، ويرفض كلا الطرفين (تركيا – إسرائيل) المشروع الإيراني التوسعي.
لكل هذه الأسباب، يرى الباحث، أن موسكو تمارس ضغوطاً على تركيا، ويضاف إلى ذلك الموقف الأمريكي الضاغط على النظام السوري الذي يصب في المصلحة التركية، وعليه فإن تركيا ستعمل على امتصاص تلك الاستفزازات ميدانياً، ومحاولة منعها بالطرق السياسية، وقد تدرك أن روسيا لم تعد قادرة على شن العمليات العسكرية كما في السابق بحلول 17 من الشهر الحالي بسبب «قانون قيصر».

Social Links: