خالد المسالمة
تفاعلاً وإنعكاساً على إنتفاضة أهل السويداء ضد نظام عصابة الشبيحة الفاسدعجت الساحة الإعلامية السورية بمواقف التأييد والمساندة من قبل أبناء سوريا على إختلاف مناطقهم، وإنتماءاتهم، ومشاربهم السياسة. وإعتبر الحراك الشعبي في السويداء في الأوساط الوطنية السورية هو بمثابة تجديد لروح الثورة وإعادة الإعتبار للحراك الشعبي وللثورة السورية ، ثورة الحرية والكرامة الباسلة.
لكن نفر من السوريين، ممن لا يرتاحون لوحدة كفاح الشعب السوري، وتماسك قواه الحية ، ومن يرعبهم تمدد وإتساع دائرة الثورة السورية حتى تصل إلى كل فئات المجتمع السوري وجميع طوائفة وفئاته القومية. فرمزية السويداء من الناحية الطائفية تحطم المشاريع الطائفية التي دأب على الترويج لها النظام الطائفي وقوى محلية وإقليمية. وكذلك، للاسف، أطراف من قوى المعارضة السورية، تلك التي تتمحور في إطار قوى الإسلام السياسي بالدرجة الأولى. لقد وقع عدد كبير من أبناء الثورة في هذا الفخ الإعلامي الغير شريف، وأقدم هؤلاء على تداول تلك المقولات والترهات الزائفة حول طبيعة الحراك الشعبي في السويداء، والطعن والتشكيك في إنتفاضة أبناء سوريا الأحرار في جبل العرب الأشم.
ما دهاكم يا ناس! لو أن مظاهرات قامت في موزمبيق أو سيريلنكا ضد نظام عصابة الشبيحة هل يقف عاقل سوري ويطعن بها ويقلل من قيمتها، أم أن العقل السليم يرحب بها ويدعمها ويتمنى أستمرارها وتوسعها. فكيف والحال عندما تكون هي إنتفاضة جماهير سورية ،أباً عن جد، في محافظة ومدن سورية، هي السويداء، ذات الخصوصية المحددة ، ضد نظام العصابة الحاكمة. أليس من الحكمة إحتضان هذه الهبة الشعبية، وتقديم كل سبل الدعم والصمود لها، لأنها ببساطة :
أولاً جزء من الثورة السورية
وثانيا لأن في ذلك مصلحة وطنية إستراتيجية، وفيها كسر لظهر النظام، وتشجيع لبقية الفئات السورية المترددة للثورة والإنضمام إلى صفوف الشعب السوري الثائر.
وقد إتخذ هؤلاء المشككين، للتقليل من قيمة الانتفاضة الشعبية في السويداء بالتمييز بين عنوان ومسمى الثورة السورية المتعارف عليه بثورة “الحرية والكرامة”. وإدعى هؤلاء بأن انتفاضة السويداء هي ثورة للجياع، وسببها الجوع والفقر. وكأن ثورة الجياع أقل قمية وتأثير من غيرها من الثورات. لكن القصد من وراء ذلك التمييز المفتعل هو عدم القبول بالضربات السياسية التي وجهتها المظاهرات الشعبية في السويداء إلى جل المشاريع الطائفية والإنعزالة في سوريا.
لا يعلم هؤلاء المشككين بأن الجوع والفقر كان على الدوام أحد المحركات الأساسية للثورات الشعبية على مر التاريخ. وقد ساهمت هذه الثورات التي حركها وقادها الجياع والعاطلين عن العمل إلى تغيير العالم تغييراً جذريا. فالثورة الفرنسية عام 1789 كان المحرك الأساسي لإلتحاق الجماهير بها هو الجوع والبطالة المتفشية في الاوساط الشعبية في باريس وفرنسا. والثورة الألمانية في عام 1848 كانت كذلك. والثورة الروسية البلشفية في عام 1917، ثورة العمال والفلاحين الكادحين ، كانت ثورة المحرك الأساسي فيها الفقر والعوز المتفشي في أوساط الطبقات الشعبية الواسعة في روسيا القيصرية.
فالفقر والوضع الاقتصاد المتردي في السويداء وفي عموم المحافظات السورية سيحرك قطاعات شاسعة من المجتمع السوري في مستقبل الأيام، وهذا لا يعيب أهل السويداء وغير السويداء من المحافظات السورية الأخرى، إن كان المحرك للثورة والتمرد على النظام الفاسد هو الجوع والفقر. فأغلب ثورات العالم كان المحرك الأساسي والدافع الأساسي لتفجرها وأستمرارها هو الفقر و الحاجة، والبطالة والفساد المتفشي في قيادة ومؤسسات الدولة.
فهبة الجماهير السورية في السويداء بوجه عصابات النظام شكل ضربة موجعة ونوعية لنظام الشبيحة، وذلك بصرف النظر عن حجم وعدد المشاركين في الوقفات والمظاهرات الإحتجاجية التي إنطلقت من جديد في مدينة السويداء الابية. فأهل السويداء كانوا من الأيام الأولى لإنطلاقة ثورة الحرية والكرامة مشاركين في مسيرة الثورة وبكل أشكال المشاركة والجهد. وعاشت حالة ، كبقية المحافظات حالات الصعود والهبوط ووالإنحسار والتوسع في حضور الحراك الشعبي ومقاومة نظام الفساد الطائفي.
لقد شكلت تجدد المظاهرات الشعبية في السويداء نقطة إنعطاف جديدة في مسار الثورة السورية، وذلك لعدة إعتبارات، أهمها:
- خروج أحد المحافظات السورية التي كان النظام يعتبرها ن أحج المحافظات القليلة الثلاثة الموالية للنظام، وبصرف النظر عن عدم صحة ذلك الإعتبار، لان السويداء وأهل المحافظة كانت منذ البداية مشاركة في مسيرة الثورة ، حتى وإن خفت زخمها في زمن من الأزمان.
- فشل مشروع النظام وعصابته بتأجيج نزاع طائفي بين أبناء السويداء وبقية المحافظات السورية الأخرى المجاورة للسويداء، وخاصة محافظة درعا ، وحرف الأنظار عن المشاكل والإنهيارات السياسية والأخلاقية والإقتصادية التي تلاحق النظام الفسد, وحرف الصراع المحتدم بين الشعب السوري الثائر ونظام الجريمة المنظمة الطائفي القاتل. فقد هبت مدن وقرى محافظة درعا ووقفت بكل قوة ووضوح إلى جانب أبناء السويداء الثائرين على الطغمة الفاسدة وفوتوا الفرصة على النظام وأزلامة في اللعب على ورقة الطائفية المقيتة.
- وتأتي إنتفاضة أبناء جبل العرب الأشم في وجه الطغاة في ظروف سياسية وإقتصادية حساسة ودقيقة يعيشها نظام الردة والخيانة المتمثلة في تفاقم الخلافات الداخلية بين أقطاب عصابة الحكم، وفقدان الليرة السورية لقيمتها الشرائية بشكل متسارع، وكذلك قبيل فرض العقوبات الامريكية على النظام وحلفائه حسب ما أصبح يعرف بتطبيق بقانون قيصر، الذي سيكون له تبعات كبيرة على النظام وشركائه ويهدد بقاء تلك العصابة ويسرع بسقوطها بشكل مدوي.
في دعم ومساندة إنتفاضة أهلنا في السويداء فرصة تاريخية أخرى للشعب السوري الثائر لتصحيح مسار الثورة الذي عبثت به وحرفت مساره قوى عبثية فئوية، في تعميق النعرات الطائفية والعرقية التي عمل نظام الشبيحة على إشاعته ، وتبنت خطابه تلك القوى العبثية، غير منسجمة مع أهداف الشعب السوري الثائر في إسقاط النظام وبناء دولة الحرية والعدالة والمساواة والمواطنة. هذه فرصة تاريخية لفتح الباب من جديد لفئات سورية للمشاركة في الثورة والمساهمة بإسقاط نظام الشبيحة القاتل الفاسد. هذه فرصة تاريخية لإعادة بناء سوريا الموحدة أرضاً وشعباً، منهية هيمنة عصابات حكم العسكر، وحكم الطوائف ، وعبث الحركات والأحزاب الإديولوجية ، صاحبة المشاريع الفوق وطنية الوهمية.

Social Links: