معاني جمعة ارحل _حموي مغترب : (كلنا شركاء)
في جمعة ارحل بتاريخ 1|7|2011 رحل محافظ حماة د أحمد خالد عبد العزيز بدل أن يرحل المعني بالمطالبة بالرحيل. لتلك الجمعة ولذلك المطلب ونتائجه معاني ودلالات كثيرة تجيب على عدة أسئلة تجول بخاطر الكثيرين, منها : أسباب رحيل المحافظ , انعكاس ذلك على الأزمة – الثورة . ما هي الدروس المستفادة؟ هل النظام يريد الحوار؟ هل يحظى النظام فعلا بشعبية كبيرة من المؤيدين ؟ وعلى ماذا ترتكز تلك الشعبية ؟ على القناعة أم على الخوف ؟
باختصار : رحل المحافظ لأنه اختلف مع النظام في طريقة المعالجة للأزمة. كيف؟
– من ناحية, المحافظ لايعتبر المتظاهرين أعداء للنظام, بل أصحاب حقوق مطلبية مشروعة ، وعلى النظام تلبيتها ما استطاع الى ذلك سبيلا ، انطلاقا من صميم مسؤولياته باعتباره وكيلا عن الشعب الذي هو مصدر كل السلطات . هذه الرؤية تمثل فلسفة العلاقة بين الحاكم والمحكوم بنظر المحافظ القانوني . إن استجابة الحاكم (النظام الوكيل) لمطالب الشعب (الموكل) يجب أن تكون مهنية وطوعية وبكل ممنونية وعن طيب خاطر.
– بالمقابل تختلف الرؤية جذريا لدى الأجهزة الأمنية : على الرعية التعبير عن شكرها للنظام بكرة وعشية ، على الحلوة والمرة، وأي مطالب يجب أن تمر عبر مؤسسات أنشأها النظام بنفسه “وبكل أدب”، مع الشكر للنظام الذي سمح لهم بالتعبير “مؤسساتيا” عن تطلعاتهم. ومجرد التألم بصوت مرتفع أو مجرد “رفع النظر” بوجه النظام-الأجهزة الأمنية يعني تمردا مسلحا على ولي النعمة ويجب قمعه مهما كان الثمن وبدم بارد على مبدأ”كل شيء جائز ما عدا اسقاط النظام” .
من جهة أخرى , المسؤول بنظر المحافظ ، يجب أن يكون في خدمة الشعب الذي يستمد منه سلطانه على عكس ما يريده الأمن بأن يكون الشعب في خدمة النظام وبالطريقة التي يريدها هذا الأخير, ليكون الشعب “الخادم المرعوب المضطهد” الذي يحمد الله بأن الفرصة سنحت له ليخدم الاسياد.
لكن لماذا أعفي المحافظ الذي أحبه الناس؟
لقد أثبت المحافظ للعالم بأن الأجهزة الأمنية هي “سبب كل داء” . مئات الآلاف نزلوا إلى ساحة العاصي قي جمعة ارحل دون أن يمس أحد بأذى, والسبب معروف : غياب الأجهزة الأمنية . وخير وصف للآلاف المتظاهرة في جمعة ارحل ما قاله المذيع في محطة ال ب ب سي : ” إنها ساحة العاصي في حماه وليست ساحة التحرير في القاهرة”. وأعطت تلك التظاهرة الأمل للملايين في سورية بأن فجر الحرية قريب, كما أنها أقامت الحجة على النظام : لا وجود لعصابات مسلحة بغياب الأجهزة الأمنية، وبالتالي سحب الجيش والأجهزة من الشارع يعني امتلاء ساحات المدن الرئيسية بالمتظاهرين رفضا للنظام وطلبا لإسقاطه.
فالنتيجة محسومة لصالح الشعب لامحالة, والأجهزة الأمنية تعرف الثمن المستحق والواجب الأداء : الرحيل والمحاسبة وانتهاء المصالح القائمة على امتصاص خيرات البلاد, فكان القرار : اعتماد الحل الأمني واستبعاد الحل السياسي الذي يعتمده المحافظ وترحيله.
الغريب في ذلك القرار المفصلي في تاريخ الأزمة-الثورة السورية هو ليس استبعاد المحافظ فقط الذي كسب ثقة الناس إلى حد بعيد، لدرجة أن بعضهم بدأ يهتف بحياته متلازما مع المطالبة بإسقاط النظام, وانما الغرابة –الخطأ الاستراتيجي- بإعفاء المحافظ وإعادة الفريق الأمني نفسه بزعامة العميد مفلح رئيس فرع الأمن العسكري الذي أحيل إلى دمشق “موقوفا” بقرار لجنة تحقيق مشكلة من رئيس الجمهورية بسبب مجزرة جمعة أطفال الحرية 3|6|2011 والتي راح ضحيتها – باعتراف النظام نفسه – عشرات المدنيين الأبرياء العزل . وتم نشر قرارات اللجنة في الصحف الرسمية السورية .
والتاريخ لابد أن يسأل يوما : ألا يوجد غير ذلك المفلح المجرم!! الذي أدانته لجنة التحقيق الرسمية بمجزرة جمعة أطفال الحرية وأهالي حماه يطالبون بإعدامه قي ساحة العاصي! إنه الصلف والاستبداد والتحدي لكرامات الناس والوجه الحقيقي للنظام الأمني.
منذ ذلك التاريخ بدا واضحا أن النظام اعتمد الحل الأمني الذي بفضله استمر حاكما لسورية مايزيد عن ال40 سنة وسياسة شراء الوقت والتنازل عن أوراقه ورقة تلو الأخرى, لكن للأسف بعد فوات الصلاحية. كما أن مطالبته بالحوار “مع الذات” ذهبت أدراج الرياح لأن الحوار والحل الأمني خطان متوازيان لا يلتقيان إلا “بإذن الله”، ويبقى سرابا وأضغاث أحلام لا يصدقه سوى المغفلين. وتتالت الأخطاء الاستراتيجبة القاتلة التي شكلت الوقود الحيوي الذاتي الدفع للثورة السورية على مذبح الإصلاح المزعوم الذي كان أول ضحايا الحل الأمني.
بمناسبة الذكرى السنوية التاسعة لجمعة ارحل
1 تموز 2011

Social Links: