تاريخ من الخيانة

تاريخ من الخيانة

طارق حاج بكري

الهيئة السياسية المركزية للثورة السورية

تعيش شعوب دول العالم ضمن حدود قرّرتها قوى داخلية أو خارجية. ولكن الأكيد أن غالبية دول العالم غير راضية عن حدودها، وتعتبر نفسها قد تعرضت لظلم في ناحية، وقد تكون هي نفسها ظالمة في نواحي أخرى.

سورية دولة تكونت في حدودها الحالية نتيجة صراعات عاشتها المنطقة من ناحية، وحروب وتصارع مصالح دول كبرى عالمية، كان لها القسط الأكبر في رسم الحدود من ناحية ثانية، ضمن توازنات وتفاهمات دولية تضمن المصالح والنفوذ لهذه الدول، حين كانت هذه الدول في أوج قوتها العسكرية وانتصاراتها، واستطاعت فرض إرادتها على هذه المنطقة وسكانها، وأيضا في غالبية بقاع الكرة الأرضية.

ولدت الدولة السورية في حدوها الحالية في الربع الأول من القرن العشرين، واستمرت لمدة تقارب القرن في وضعها الحالي من ناحية الحدود، مع تغييرين نتيجة حروب مصطنعة واتفاقات دولية.

تعرضت سورية خلال هذه المدة لقضم قسمين من أراضيها، وكان ل “حافظ الأسد” الدور الأبرز في ترسيخ هذين القضمين بتخاذله وخيانته. كان القضم الأول لمصلحة تركية الدولة المجاورة، التي استطاعت ضم لواء اسكندرون إليها بعد استفتاء في إقليم اللواء، تحت إشراف عصبة الأمم المتحدة في نهاية العقد الرابع من القرن الماضي، وكانت فرنسا الدولة المنتدبة على سورية قد أعطته في حينها وضعا خاصا، نتيجة المطالبة التركية المسبقة به، وعدم اعترافها بضمه إلى سورية.

ومن ثم جاء “حافظ الأسد” ليعترف بسيادة تركيا على اللواء بشكل نهائي، وتنازل عن الحق السوري به، بعد التوتر الذي ساد بين البلدين، وتهديد تركيا بالحرب، وهذا الأمر الذي كان يخشاه حافظ الأسد، فهو يخشى الخسارة العسكرية، التي قد تفقده الهالة الإعلامية التي تحيط به باعتباره منتصرا في حرب تشرين الوهمية. وقع “حافظ ” على اتفاقية أضنة بتاريخ “20ـ 10ـ 1998” التي ضمنت عدم المطالبة السورية باللواء مطلقا، والاعتراف الكامل بالسيادة التركية عليه، وأصبح جزءا لا يتجزأ من أراضيها، كما تضمّنت الاتفاقية السماح للجانب التركي بالتوغل في الأراضي السورية لحماية أمنها الوطني.

والقضم الثاني كان أيضا بخيانة حافظ الأسد الثابتة بشهادة الشهود والوثائق، التي تؤكد دوره الأبرز بتسليم الجولان إلى إسرائيل، عندما كان وزيرا للدفاع في عام 1967، فهو الذي أعلن الانسحاب والهزيمة قبل دخول القوات الإسرائيلية بأكثر من “48” ساعة، وتسبب بفقدان الآلاف من أبناء الجيش السوري، وتدمير المئات من عتاده وآلياته، ونزوح عشرات الآلاف، واستيلاء إسرائيل على أرض الجولان كاملة.

قبض ثمن ذلك مبلغا ماليا ضخما، كما تمكن من ضمان الدعم السياسي والتأييد لكي يتمكن من حكم سورية، ولعب دور الحارس الأمين على الحدود الإسرائيلية، مقابل الاستمرار في السلطة، ونهب ثروات البلد، بل وتحويل البلد إلى مزرعة خاصة، يملكها أرضا وبشرا، وله الحق الكامل بالتصرف فيها وبسكانها، ويستطيع توريثها لأبنائه من بعده، “كما حصل بعد وفاته” ويحول أبناءها إلى مجرد أدوات لخدمة مصالحه ومصالح الدول التي تدعمه. أول ما قام به حافظ الأسد كان تنحية واغتيال واعتقال كل الضباط الذين شاركوه في مرحلة تسلقه على سلم السلطة، ولم يراعي رفقته لهم أو انتمائهم إلى طائفته التي يدّعي انتماءه لها، وعلى رأسهم نور الدين الأتاسي وصلاح جديد وابراهيم ماخوس ووووو.

وكان حافظ الأسد يحتاج إلى حرب يدعي الانتصار بها لكي يخرج كبطل قومي وطني، يغطي بنتائجها على خيانة تسليم الجولان، وانقلابه على رفاقه وزملائه من الضباط، وتسلمه السلطة بالقوة بانقلاب عسكري عليهم، والانفراد باتخاذ القرار، دون أن يستطيع أحد أن يسأله، فهو البطل المنتصر ويحق له التصرف كما يشاء، بعد أن أثبت كفاءته. وكانت حرب تشرين الخيانية، “بكل معنى الكلمة” والتي كانت نتائجها أقسى على السوريين والمنطقة من خسارة حرب حزيران عام 1967. في حرب تشرين كان هناك ضباط شرفاء في الجيش السوري، مخلصين لسورية، وللدولة السورية وللشعب السوري، وكانوا يؤمنون بأهمية الجيش في حماية حدود الوطن وأبناء سورية، وكانوا لا يتوافقون مع رؤية حافظ الأسد، ولا يكنّون له الولاء، وكان لا بد له من التخلص منهم من أجل الانفراد بالحكم والسلطة بالكامل، والقيام بالدور الذي ارتضاه لنفسه، أو الدور الذي تم تصنيعه من أجله، بأن يكون الحارس للحدود الشمالية لإسرائيل، والقضاء على المقاومة الفلسطينية بالكامل.

كذلك تحويل سورية من دولة قوية اقتصاديا، إلى دولة فقيرة معدمة يبحث شعبها عن لقمة عيشه، ويهتم بأمنه وأمن أسرته أكثر مما يهتم في بناء بلده، أو بما يحيط به، وخاصة أن الشعب السوري ملم بالسياسة وله باع طويل بها، وقادر على انتاج دولة قوية سياسيا، كما هو قادر على بناء اقتصاد قوي، قد يكون منافسا للدول الأخرى، كما كان في عهد الديمقراطية القصير. فالشعب السوري يملك ذخرا تاريخيا وثقافيا، يجعله في مصاف الشعوب المتحضرة، وقد يتفوق عليها، فالأرض السورية كانت على مدار التاريخ ممرّ العبور بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، وملتقى تلاقح الحضارات.

افتعل الحرب بعد أن رتب لها، وقدّم لإسرائيل حوالي 30 قرية كهدية في سلسلة جبال الحرمون، على امتداد جبل الشيخ، من أجل أن توافقه على ادعائه الانتصار، وأن لا تنسب لنفسها هزيمته، وأن تقدم له نصرا إعلاميا يستطيع أن يطبّل به، ويستخدمه لتعزيز حضوره الإقليمي والدولي وإبعاد كافة خصومه في الداخل أو من لا يمكن أن يكون مؤيدا له في سلوكيته، باعتباره منتصرا في حرب هي وهمية بالأساس. كانت أولى نتائج الحرب التي استغلها حافظ الأسد لتعزيز سلطته إزاحة كافة الضباط القادة من الذين لا يثق بولائهم له، واستبدلهم بقادة فرق من الطائفة التي ينسب نفسه إليها.

وسلم الفرق الثلاثة التي كانت عماد الجيش السوري إلى ضباط من قرى جبلة والقرداحة، وهم “شفيق فياض وعلى أصلان وإبراهيم الصافي”، كما أسند قيادة الوحدات الخاصة التي أصبح اسمها فيما بعد “القوات الخاصة” إلى “علي حيدر”.

وكذلك أسند الأجهزة الأمنية إلى موالين له ومن نفس الطائفة.

  • Social Links:

Leave a Reply