ياسين الحاج صالح _الجمهورية
لقد خبرنا في الشرق الأوسط العربي عملية ترثيث طوال ما ينوف على نصف قرن إلى اليوم، تتعاكس مع ما تكلم عليه نوربرت إلياس من عملية تحضيرية (أو تهذيبية) جرت في أوروبا الغربية بين القرنين الرابع عشر والثامن عشر. سيجري تناول العملية الترثيثية في تناول مستقل. لكن يعنينا في هذا السياق ما يظهر اليوم من أننا نخبر عملية تدهور وترثيث بقيادة الدولة، مع انتشار العنف في الحياة اليومية ومع تضيّق نطاق التفاعلات الاجتماعية وترابط الجماعات والأفراد، صعود نزعة محافظة ريفية البنية، وفرت بيئة استقبال لتسلّف اجتماعي صعد في تسعينات القرن العشرين وبعد. هذا بينما أخذت قطاعات متسعة من مجتمعاتنا تفتقر مادياً، فوق إفقار سياسي شامل، وفوق تزايد سكاني وتدهور التعليم. ولعل تريُّع الاقتصاد، حتى في دول غير نفطية، لعب دوراً مهماً في العملية الترثيثية التي لم تمنع في بلد مثل سورية شهد ترثيثاً متقدماً أن ينسب نظامها لنفسه ضرباً من «رسالة تحضيرية» من الصنف الاستعماري، كمتراس علماني ضد الإرهاب. بلغنا هنا أعلى مراحل كولونيالية السلطة، إن استعرنا من أنيبال كويهانو.
كانت القومية العربية المناهضة للاستعمار، وقد أخذت بالظهور في ظل الاستعمار ذاته، قد استفادت من شروط سياسية أقل قسوة وغير معادية لحرية التعبير إلى هذا الحد، ومن شروط حضارية أقل تدهوراً فوق كونها أغنى بالوعود، وهذا بفعل نشوئها في ظل ضرب من اندراج ليبرالي في العالم، وإن ظل محدوداً بفعل الواقعة الاستعمارية. الدعوتان الديمقراطية والعلمانية لم تستفيدا من شروط مماثلة، ولا ما بعد الكولونيالية.
وعلى هذا النحو عشنا فكرياً خلال ما يقترب من أربعة عقود على عتاد فكري كان استيعابه للواقع متراجعاً وتقل ملاءمته النوعية لما يستجد ويتغير. لعل من القسوة وصف تفكيرنا المستقل بالرثاثة، لكن كان من شأنه أن يكون أكثر تركيباً وأغنى لولا الترثيث المتقدم خلال جيلين لمجتمعات فتية.
والنقطة المهمة في سياق تناول خطاباتنا التحررية هي أن الشرق الأوسط هو إطار العملية الترثيثية، بخاصة إن فكرنا في الترييع أولاً، ثم في التسلُّف الذي شغلت السعودية موقع «الإقليم- القاعدة» له (مثلما كنت مصر الإقليم- القاعدة للوحدة العربية بحسب نظرية نديم البيطار). أسهمت الريوع النفطية في تحجر الاجتماع السياسي الخليجي، وفي تعزيز استقلال الدول بحياة خاصة عن المجتمعات في غير الخليج (وفي الخليج ذاته)، مع انخفاض شديد لعتبة لجوئها إلى العنف. هذا بينما كان لمسلسل الانتصارات الأميركية الإسرائيلية في المنطقة مفعولاً مرضضاً نفسياً بقوة، مقوضاً للثقة بالنفس وباثاً لليأس. حال الشرط الكولونيالي المستمر والمتجدد دون تمثل الغرب، جهة الحضارة في الأزمنة الحديثة، وبالعكس، ما تولد عن يأس من هزائمنا أمام الغرب المتحضر كان مقوضاً للهمم، ودافعاً إلى التمسك بعتادنا الأصلي على علاته. الإسلامية لقيت تحفيزاً من هذا الشرط العضال كقوة اعتراض من نوع ما. يمكن التساؤل عما إذا لم تكن السلفية الجهادية، وهي رثاثة مقاتلة أو «مديرة للتوحش»، هي حركة استقلال في مجتمعات لم تعرف بنية وطنية للدولة والسياسة، أو تدهورت بنيتها الوطنية بشدة. وأياً يكن الأمر، يبدو أن العملية الترثيثية وفرت بيئة حياة صالحة للإسلامية، وأصلح للسلفية تحديداً.
الإسلامية مترابطة شرق أوسطياً، ليس عبر الروابط بين المجموعات الإسلامية العربية، ولا عبر الروابط التركية المستجدة، أو الروابط الإيرانية الأقدم، وتحديداً الروابط العضوية مع الإسلامية الشيعية، ولكن أساساً عبر تجسيدها، السنية منها بخاصة، ما يفترض أنه بديل إسلامي عن الشرق أوسطية، خلف البديل القومي العربي. كانت الإسلامية المعاصرة ظاهرة ما بعد كولونيالية بامتياز، من حيث أن الكولونيالية عززت بقوة ما هو سياسي في الإسلام، في مسعى دفاعي يختزن في الأصل ماضياً امبراطورياً. الإسلام السياسي نتاج هذه العملية. وفي طور لاحق ظهر الإسلام السيادي، المنازع للدولة «السيدة» الحديثة، العاجزة عن الحرب والسيدة فقط في مواجهة محكوميها. وبأثر التسييس و«التسييد» تبدو محصلة الإسلامية حيال ما يقترب من قرن إلى اليوم تجفاف روحي وأخلاقي شديد لمجتمعاتنا، ومساهمة في العملية الترثيثية وانتفاع منها. تجتذب الإسلامية أشخاصاً نالهم الترثيث لأنها توفر «علماً» سهل المنال، وكاتالوغاً بسيطاً للحياة في عالم معاصر معقد، يشعر فيه أكثرنا بالحاجة إلى كاتالوغ لاستخدامه. لا تنتج الإسلامية الرثاثة حتماً، ما دمنا نجدها تعم بيئاتنا المختلفة في سورية، لكنها تثبت ما تحقق من تدهور، وترفع الخشونة وتدني التهذيب إلى مستوى فضائل دينية. السلفية الجهادية بالتحديد معرض مستمر للرثاثة المقدسة والقبح المقدس، إن حاكينا تعبير أوليفيه روا عن «الجهل المقدس»، المتجسد إسلامياً في السلفية. اختزان الإسلامية لخبرة الترثيث، وتكوين السيادية منها العنيف والفظ، يجعلها خزاناً للرثاثة ومضخة لها.
لقد ظهرت مفاعيل الترثيث في صور تفوق التوقع بعد الثورة السورية.
خلال هذه السنوات الطويلة حدثت أشياء مهمة. تكرست أرجحية إسرائيلية في المجال العربي ككل، وبسند أميركي مذهل في شدة رعايته. صار من شبه المنسيات اليوم ما كان يقوله الأميركيون حتى ثمانينات القرن من ضمان تفوق إسرائيل العسكري النوعي على الدول العربي مجتمعة. وهو ضمان كان ترجم إلى ذراع طويلة ضربت فيما بين العراق وتونس. وفي الداخل الإسرائيلي سارت بنجاح وثبات عملية تحضيرية لمصلحة اليهود، بمن فيهم الشرقيون: مداخيل ترتفع، مدارس وجامعات متقدمة، حريات مدنية وسياسية، احتكار الدولة للعنف (حيال اليهود وليس الفلسطينيين، حيث يشاركها المستوطنون)، تقدم تكنولوجي، قوة عسكرية مجربة؛ وبموازاة ذلك عملية خنق وترثيث وإبادة سياسية للمجتمع الفلسطيني. ونخر الفساد والطغيان والتمييز العالم العربي، وفقد القدرة على مقاومة سيطرة القوى المستعمرة القديمة والجديدة. واستمر تواتر الحروب الكبيرة مرة كل عقد، وتشكل النظام الشرق أوسطي على إيقاعها وبفعلها. وحوفظ على سلامة السلسلة النفطية التي كان مبدأ كارتر قرر أن من حق أميركا التدخل في الشرق الأوسط إذا تعرضت لتهديد. والعوائد الريعية للنفط التي أودعت في البنوك الغربية أو مولت استهلاكا تفاخرياً مفرطاً، وجد قسم منها سبيله إلى إراحة ضمائر متعبة في الخليج لأنها وجدت في متناوله كثيراً من المال دون تعب، وذلك عبر التبرع بالمال لـ «الجهاد» الدولي، الذي كان انطلقت موجته الأولى في مطلع الثمانينات من أفغانستان.
في مطلع التسعينات السابقة سقط الاتحاد السوفييتي ومعسكره، وعلى الفور تقريباً صار «الإرهاب الإسلامي» هو العدو في أميركا والغرب. وبالفعل ظهرت أشكال عدمية من العنف المُشرّع إسلامياً، أخذت تضرب عشوائياً في العالم وتتلقى الضربات، وخاصة بعد 11 أيلول 2001، ثم في موجة متجددة بعد ظهور داعش عام 2013. نتكلم على عدمية إسلامية لأنه لا يبدو أن هناك شيئاً صحيحاً في العالم في نظر هذه الإسلامية إلاها هي، فلا أصدقاء ولا حلفاء، ولا قضية تصاغ بلغة مشتركة مع أي آخرين، وهذا مع مخيلة وذاكرة امبراطوريتين، تلغيان أي مفعول تحرري لمقاومة الامبريالية المعولمة عبر إدراجه في حساب امبرياليتنا الخاصة. كانت العولمة قد شكلت إطار انتشار للعدمية الإسلامية (مثلما شكلت الامبراطورية الرومانية إطار انتشار للمسيحية)، وكذلك لأمننة السياسة التي كان يتراجع بعدها الاجتماعي بعد سقوط الشيوعية. الحكومات، حتى المتخاصمة، تتبادل المعلومات والتقارير فيما بينها، وتطور مصلحة أمنية مشتركة. وهذا بخاصة مع ظهور العدمية الإسلامية، هذا الضرب من امبريالية التابعين التي استعرضت طاقاتها الإبادية غير مرة في الغرب وفي منطقتنا. كانت أمننة السياسة مبتدأ صيرورة أخذت الدول في منطقتنا تتحول بأثرها إلى وكالات لمكافحة الإرهاب، على نحو ما تعرفه الحكومات الأميركية والإسرائيلية، ثم اليوم الروسية والهندية والصينية وفي كل مكان تقريبا من العالم. وبعد أن كان الحكم الأسدي مثلاً يتحفظ على مفهوم الإرهاب حتى تسعينات القرن الماضي ويطالب بمؤتمر دولي لتعريف الإرهاب، صار يوسع مفهوم الإرهاب مزايداً على إسرائيل والقوى الغربية، لكن واضعاً نفسه في صف واحد معها كمحارب للإرهاب الإسلامي.
الشرق الأوسط تحول عبر هذه العقود، والحروب والعمليات الأمنية، من منطقة تقع شرق شرق أوروبا، أو بين شرق أوروبا وشرق آسيا، إلى نظام إقليمي يقوم على استثناءات كثيرة: استثناء لإسرائيل من القانون الدولي، استثناء للسكان في منطقتنا من السياسة، واستثناء للدولة من السيادة في بعدها الخارجي، واستثناء الإسلامييين لأنفسهم من نظم الحقوق والسياسة في العالم المعاصر، واستثناء لمجتمعات العرب المسلمين من الإنسانيات (لمصلحة عتاد ثقافوي عنصري ورث، من أبسل مروجيه بعد الثورة السورية الشاعر أدونيس).
بنظرة عريضة، يبدو تاريخ الشرق الأوسط خلال الأربعين سنة الماضية تاريخاً من الحروب والطغيان والفساد واستدخال التمييز على الصعيد الدولي إلى داخل المجتمعات والتسليم بمنطق الحرب ضد الإرهاب. إنه تاريخ من تدهور مادي وحضاري للأكثريات الاجتماعية وصعود أوليغاركيات ذات كمون فاشي. وبفعل الهدر الهائل في الموارد والحياة البشرية، أخذت تظهر أشكال من الفقر والهامشية كان بدا أننا في سبيلنا إلى تجاوزها بين خمسينات القرن الماضي وسبعيناته.
ومع تجدد ثم تعزز الشرط الاستعماري، وشرط الطغيان الدولتي، والإسلامية السيادية والعدمية، أخذت الخطابات حولها تبدو غير وافية بالغرض، نظرياً وعملياً. يفوتها الربط التحليلي بين القوى والقضايا والمضمون التحرري في آن. ويفوت بطبيعة الحال العمل المشترك من أجل التحرر في الإقليم الذي هو أحد أسوأ بؤر السيطرة والتمييز والفساد والعنف في عالم اليوم. هذا الواقع ظهر بأجلى صوره بعد الثورات العربية، فلا نجد بمتناولنا أدوات تحليلية تتيح التفكير في حقل القوى الشرق أوسطي الذي يظهر أكثر وأكثر كوحدة تحليل لا مناص منها. وما في المتناول من أدوات، الخطابات الديمقراطية والعلمانية وما بعد الكولونيالية، تعطي صوراً جزئية ومتراجعة الصلاحية عن ديناميكيات الراهن وتفاعلاته.
ومن شأن الاكتفاء بالخطابات المنتقدة هنا بعد العقد الذي امتزجت فيه الثورات بالكوارث، لكن تجلّت فيه بنية النظام وترابط القوى المكونة له، أن يكون مساهمة في إنتاج الغياب لا في مقاومته. الخطاب ما بعد الكولونيالي يقول القليل أو لا يقول شيئاً عن الطغيان الدولتي وعن العدمية الإسلامية. إشكاليته المُعرِّفة تشده أكثر إلى المؤسسات والخطابات والممارسات الامبريالية والاستعمارية، والغربية منها بصورة حصرية. روسيا والصين خارج نطاق هذا الخطاب. وبحكم إشكاليتهما المعرفة لا يكاد الخطابان الديمقراطي والعلمانية يقولان شيئاً مهماً عن استحالات الشرط الكولونيالي المتجدد. وقد تقدم القول إن تثبت الخطاب العلماني على منازعة الإسلامية يجعل الطغيان الدولتي غير مرئي، وأن تثبت الخطاب الديمقراطي على منازعة الطغيان الدولتي يقلل من شأن العدمية الإسلامية. وجدنا أنفسنا في سورية بالذات مزودين بأعتدة خطابية تجزئ الواقع، ولا تستجيب بمرونة لتغيرات عاصفة في مساحة حضور وفعل القوى الثلاثة معاً.
وبينما لا ينطبق الإغفال بالضرورة على المنسوبين الأفراد إلى هذا الخطاب أو ذاك، فإن الإشكالية المعرفة لكل منها لا تسمح برؤية شيء إلا بأن تغيب غيره. يشار إلى الاستبداد في العالم العربي أو إلى الإسلامية كبطريركية ومحافظة في خطاب إدوارد سعيد مثلاً، أو نجد اعتراضاً على الاستعمارية المتجددة ونقداً للإسلامية عند الديمقراطيين، أو بعض تحفظ على طغيان الدولة عند من يعرفون أنفسهم بالعلمانية. في كل حال هناك ترجيحات خطابية وليس حتميات خطابية، وهناك هوامش حرية للكتاب حيال خطاباتهم، تحيل إلى سيرهم الخاصة وتجاربهم وحسهم الشخصي بالعدالة وما تتحلى به أذهانهم من مرونة وفطنة. نحتاج إلى تجاوز هذه الخطابات من أجل توسيع حقل الرؤية ومقاومة أنجع للغياب وهياكل التغييب. ذلك أن المفعول النوعي للقوى الشرق-أوسطية الثلاثة هو التغييب، أو إنتاج الغياب، الذي قد يأخذ شكل تغييب فعلي في السجون أو حيث لا يُعلم، لكن على أرضية بنية أوسع للغياب تتمثل في أشكال من الإبادة السياسية، ومن تغييب الذِّكْر أو النسيان من التاريخ، ومن إنكار الأهلية أو الإيجنسي. ولا يبدو الغياب نتاجاً عارضاً لهذه القوى، بل هو بنيوي، وثيق الصلة بتكوينها المعادي للديمقراطية الذي يرهن إنتاجها لنفسها بإنتاج غياب غيرها، بخاصة من عموم السكان الذين يبحثون عن حياة ومعنى. القوى الاستقلالية التي يمكن أن تعرف نفسها بالحضور والظهور يمتنع أن توجد دون صراع ضد قوى التغييب. الأرجح أن العملية طويلة، بالغة المشقة وعالية الكلفة.
ما يمكن أن يكون ركيزة تحليلية لخطاب تحرري جذري هو مفهوم النظام الشرق أوسطي. الشرق الأوسط كإقليم يشمل الدول العربي الآسيوية، الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق، ومصر. ومنه طبعاً إسرائيل، «دولة الشعب اليهودي»، على ما يقول قانونها الأساسي الذي أصدر عام 2018. وقد يجري أحياناً توسيع الإقليم ليشمل المجال العربي كله، مع تركيا وإيران وأفغانستان. لكن الشرق الأوسط نظام دولي فرعي، تجنح إلى الاندراج فيه بالطريق العنيف، النوعي للشرق الأوسط، كل من إيران وتركيا، فيزيد السكان بنحو 170 مليوناً ليقترب المجموع من نصف مليار شرق أوسطي.
النقطة المهمة هنا هي أنه بينما تقع الولايات المتحدة خارج الإقليم فإنها لا تقع بحال خارج النظام. ولا روسيا اليوم. والنظام فضاء استثناء مثلما تقدم، متكون حول احتكار إسرائيل للحرب في المنطقة، واحتكار الدول المنقوصة السيادة في منطقتنا الحرب في أراضيها حصراً، أي فلسطنة محكوميها، واللاديمقراطية الجوهرية أو طرد عموم سكان الإقليم ما عدا اليهود من السياسة. وهذا مع ضرب من كفالة غربية ثم اليوم روسية للحربين، لا يناقضها مثلاً ما نراه من محاصرة غربية للحكم الأسدي في سورية. ليس هدف الضغوط الغربية الممارسة اليوم على النظام سلوكه حيال محكوميه بل حيثيته الإيرانية. الحفاظ على الأجهزة الأمنية، الطليعة القاتلة للحكم الأسدي، هو نقطة إجماع غربية روسية.
والكلام على نظام شرق أوسطي لا يعني توافقاً أو ترتيبات، علنية أو سرية، ولا يستبعد توترات شديدة أو حتى صراعات عنيفة، لكنه توزيع لعلاقات القوة، يتوافق مع دوام الركائز الثلاثة المشار إليها للتو. الاستقرار قيمة عليا في المنطقة، وهي تعني عموماً استقرار النظم الحاكمة.
وقد نميز في تاريخ الشرق الأوسط بين ثلاث مراحل أو أربعة. مرحلة التشكل بعد الحرب العالمية الثانية: سايكس بيكو، وعد بلفور، البترول وامتيازاته، وتشكل دول الخليج وحمايتها من قبل البريطانيين ثم الأميركيين، وصولاً إلى استقلال الدول العربية حديثة التشكل وإقامة إسرائيل في عام 1948. المرحلة الثانية هي مرحلة الصراع وصعود القومية العربية واستمرت لما بين ربع قرن وثلاثة عقود، بين مطلع الخمسينيات وحرب 1973 أو الثورة الإيرانية عام 1979، وانتهت بهزيمة العرب سياسياً وعسكرياً، وبالصدمة النفطية الأولى وصعود الدول النفطية المدرجة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في نظام الأمن القومي الأميركي. والمرحلة الثالثة هي مرحلة النفوذ الخليجي والسيطرة الإسرائيلية ودول الأبد والإبادة السياسية في المجال العربي وصعود الإسلامية بعد الثورة الإيرانية. ولعله يمكن الكلام على مرحلة رابعة أعقبت احتلال أفغانستان والعراق وضرب من عودة الاستعمار إثر عملية 11 أيلول الإرهابية في نيويورك وواشنطن. الفاعل الأساسي المرحلة الأولى هو المستعمرون الأوربيون. في المرحلة الثانية القومية العربية وإسرائيل. أما في المرحلة الثالثة فالفاعلون الأبرز في المجال العربي هم إسرائيل ودول الريع في الخليج، وبخاصة السعودية. والفاعل الأساسي في المرحلة الرابعة هو من جديد قوى استعمارية، أميركا، ومعها اليوم روسيا، ودوما إسرائيل. الإسلامية ظهرت كقوة شرق-أوسطية في المرحلة الثالثة، وبينما ظهرت أشكالها الأشد توحشاً في المرحلة الرابعة، فإنه يبدو أن شكليها كليهما، العدمي السيادي السلفي والتبعي السياسي الإخواني، في أزمة وانحدار.
جاءت الثورات العربية في هذه المرحلة الرابعة، حيث حاولت قطاعات واسعة من السكان التمرد على حكم الإبادة السياسية، لكنها ردت على أعقابها بقسوة متناهية. نهاية الشرق الأوسط كفضاء استثناء وإبادة سياسية لا تتحقق دون التخلص من الحكم بالإبادة، بما في ذلك الصهيوني، ودون الدخول العام في السياسة. هذا ينفتح على أفق ديمقراطي أو على أفق إبادة. كلما تعثر ارتياد الأفق الديمقراطي كان انفتاح أفق الإبادة احتمالاً أقوى. نحن سلفاً فيه.
تطلعات الحرية والعدالة ليست مما يمكن أن تزول من أفق التفكير والتخيل، لكن هذا الجدول يصير أكثر وأكثر شرقأوسطياً.
أظهرت الثورة والحرب السورية في آن ترابط القوى الثلاث، الطغيان الدولتي والإسلامية العدمية والاستعمارية المتجددة، ووحدة النظام وطاقته الإبادية. رأينا الوجه الإبادي للطغيان الدولتي، ورأينا الإسلامية في وجهيها السيادي والسياسي، ورأينا الأميركيين والروس والإسرائيليين كقوى سورية وشرق أوسطية، ورأينا دول الخليج ودور الريع والشبكات السلفية، وإيران وأدواتها ومطامحها الإمبراطورية، وتركيا وأتباعها ونزعتها التوسعية وطفْح حربها الأهلية إلى حربنا السورية. لقد رأينا الشرق الأوسط كنظام.
هذا يضفي على الصراع السوري صفة شرق أوسطية وعالمية كنا بغنى عنها، لأنها تتجاوز بقدر كبير طاقتنا السياسية والفكرية. لكن بما أن هذا ما حصل ويحصل، فلا بد من إيجاد طرق ما لملاقاته. لعل شرطنا الشتاتي اليوم يجد طرقاً لاستجابة خلاقة لهذا التحدي.
يعول على نظرية في النظام الشرق أوسطي أن تظهر ترابط القوى الثلاث وتؤسس لخطاب تحرري شامل، لا يبدو أن هناك مستقبلاً ما بعد قومي للرابطة العربية من دونه. مشكلة العرب اليوم هي انفصال رابطتهم الجامعة عن أي مشروع تحرري، وبالعكس انقلاب بقايا القومية العربية، المشروع التحرري السابق، إلى مرقاة لجمهورية إيران الإسلامية، تخترق مجتمعاتهم وتغرقها في الكراهيات والحروب الطائفية، أو ارتداد العروبة إلى رابطة إثنية، محض اختلاف سلبي عن الغير. إن كان من مشروع تحرري في المجال العربي، فلا بد أن يكون مشروعاً مضاداً لإعادة إنتاج الكولونيالية داخلياً على يد أشباه الحكم الأسدي الذي يصلح احتماؤه بإيران وروسيا برهاناً لمن يحتاج إلى برهان على انضباطه بما يمكن تسميتها علاقات الحكم الكولونيالية. أعني على العودة إلى الكولونيالية بطلب محلي لحماية نظام قائم على استعمار محكوميه. البنية التي تقوم على هذه العلاقات تربط بين الدولة المحلية ومراكز السيطرة الدولية، وبدور استثنائي لإسرائيل في هذا الشأن كمثال دائم للاستثناء.
ثم إنه لا بد لأفق تحرري من أن يكون متصلاً بخطاب تحرري في الشأن الإسلامي، يتجاوز كفالة حرية الفكر والحرية الدينية والمساواة بين الناس والأجناس، إلى عالم فكري وأخلاقي وسياسي جديد. لا يلبي الخطاب العلماني الحاجة إلى خطاب أكثر تركيباً حول الإسلام والإسلامية، يتجاوز ما ذكر للتو من حرية ومساواة إلى جعل هذا الاشتباك مع الشأن الإسلامي مدخلاً إلى حياة متحررة ما بعد إسلامية.
وبقدر ما يبدو الشرق الأوسط وحدة تحليل إلزامية، فإنه يتعين استكشاف أفق أن يكون وحدة عمل، تجمَع مناضلين من البلدان الواقعة تحت نير نظام الاستثناء المستمر، من عرب وترك وكرد وإيرانيين، وإسرائيليين معادين للصهيونية. لعل الأجيال الشابة هي المؤهلة لاستكشاف هذا الأفق.
التحرر في الشرق الأوسط لا يسعه إلا أن يكون تحرراً ما بعد قومي، وما بعد ديني كذلك. في الشرق الأوسط الغرب مسيحي، أو مسيحي-يهودي، وهنا العمق الثقافي للالتزام الغربي بإسرائيل. على الجبهة الدينية هناك كثير من الغش والكذب، والأديان الإبراهيمية التي دخلت التاريخ في هذه المنطقة متعاقبة، تشتبك هنا في صراع مميت وتشكل منابع فياضة للكراهيات. لكن هذا اللقاء المسموم هو أيضا دعوة إلى أفق مغاير، ما بعد إبراهيمي، وما بعد ديني.
الشرق الأوسط اليوم سجن للشعوب مثلما كانت روسيا القيصرية في القرن التاسع عشر، ثم بصورة مختلفة في القرن العشرين. هذا السجن هو موطن البروليتاريا السياسية الأكثر عرضة للإذلال والتجويع وعدم التمثيل. وبقدر ما إننا حيال عالم مصغر، فإن لتحطيم هذا السجن أثر محرر على العالم ككل، وليس على البروليتاريا السياسية الشرق- أوسطية وحدها.

Social Links: