وائل السواح_ ألف
عرفت فرج بيرقدار منذ نحو نيف وأربعين قَهْرا. وأحببت شعره دائما، دون أن أستطيع القبض عليه. لم يكن شعر فرج صعبا كشعر أدونيس ولا بسيطا كشعر رياض الصالح الحسين. كان مزيجا غريبا بين البساطة والتركيب، بين الصحراء والبحر، ولكنه كان – إلى ذلك – مراوغا ومخاتلا، غالبا ما يفلت مني ويراوغني، فأحبّه دون أن أدرك كنهه، دون أن أمسك بسرّ القصيدة.
حين قرأت مؤخرا مرايا الغياب شعرت أنني بدأت أمسك بهذا المراوغ. ليست الصورة رغم أن صوره فاتنة: صاعقة أحينا وخجولة أحيانا أخرى؛ وليست الجملة، رغم تماسكها وليونتها وتناغمها في موسيقى خفية لا تدركها الأذن ولكن يدركها الفؤاد. وليست الفكرة، رغم نبل أفكاره وسموها. السرّ هو في نكهة السفرجل. منذ أول قصيدة قرأتها له أو قرأها لنا في أمسية حمصية خريفية، إلى آخر قصيدة قرأتها له منذ أيام، كنت ألتهم أبيات قصائده بنهم، ثمّ أحس بغصّة في الحلق. حلو كالتوت أحيانا، مرّ كالقهوة أحيانا أخرى، موجع كالصدق. هذا هو شعر فرج الذي تستعذب قراءته، ثمّ تحسّ بالغصّة في الحلق، بعد ذاك: أين أنت ذاهب؟ يسألك. لم ننتهِ بعدُ. لا يأبه فرج بأن يلوًن أحلامنا في الليالي، بل يأبه أكثر بأن يشجعنا على فتح الأبواب الموصدة وطرح الأسئلة المحرّمة، دون أن يلزمنا أو يلزم نفسه بطريق واحد أو إجابة يعتقدها صحيحة.
ليس لدى فرج إجابات صحيحة لأسئلته، بل إنه في أغلب الأحيان غير واثق من الاحتمال، ولا يريد لنا أن نسير خلفه، ولا أمامه. بل يريد أن نفكّر في طريق ما للوصول إلى مكان ما. وللأمكنة كلّها آلاف الطرق. أشعر أحيانا أنني لا أجيد التعبير عمّا أريد قوله. لذلك أحيلكم على القصيدة. في مجموعته التي أعيد نشرها مؤخرا باللغة العربية، بعد أن نشرت في الفرنسية والألمانية والإنكليزية والسويدية ولغات أخرى، تفسير ما أريد.

Social Links: