إشارات حول المنظورات العالمية ومهام المناضلين الماركسيين 2/2

إشارات حول المنظورات العالمية ومهام المناضلين الماركسيين 2/2

أنس رحيمي- ماركسي

الوعي

الوعي البشري محافظ بطبيعته. الناس، عموما، يميلون إلى التشبث بما هو مألوف لديهم من أفكار وعادات وممارسات… وعندما تواجههم أي مشكلة يلجأون إلى حلها بالطرق المجربة سابقا، خاصة إن كانت تلك الطرق لا تتطلب مجهودا مضاعفا. قد يصيب هذا الواقع بعض الثوريين فاقدي الصبر بالإحباط، لكن ما باليد حيلة.

لكي يتغير هذا الوضع لا بد من تحولات تاريخية عظمى، تدفع الناس، رغما عنهم، إلى مسائلة أفكارهم ومعتقداتهم وممارساتهم والمؤسسات التي كانوا يثقون فيها. عندها يعرف الوعي تطورا سريعا بطفرات تجعل حتى أكثر الثوريين تفاؤلا يقف مندهشا وربما يتخلف هو نفسه عن مواكبة متطلبات الساعة.

الوضع العالمي الحالي غير مسبوق. والأزمة لم يسبق لها مثيل، كما أن الاضطرابات والمنعطفات ستصير هي “الوضع الطبيعي الجديد”. لهذا تداعيات كبرى على الوعي!

لقد كانت صيرورة تطور الوعي قد بدأت بالفعل حتى قبل جائحة كورونا. نضالية الشعوب كانت قد بدأت تأخذ أبعادا ثورية وشعاراتهم أكثر فأكثر راديكالية.

الولايات المتحدة الأمريكية، معقل الرأسمالية ومنبع الدعاية المضادة للاشتراكية، شهدت بدورها صيرورة تطور وعي مدهشة.

أواخر عام 2018، كان عدد العمال الأمريكيين المشاركين في نضالات رئيسية، بما في ذلك الإضرابات والإغلاق، هو الأعلى منذ عام 1986.

كان هناك عشرون إضرابا شمل 1000 عامل أو أكثر، مقابل سبعة فقط في عام 2017 … كما شارك آلاف آخرون في إضرابات ونضالات أصغر لا تعكسها هذه الأرقام.

وسياسيا، شهدنا صعود ساندرز وتزايد شعبية الاشتراكية بين فئات متنامية من الشعب في الولايات المتحدة، وخاصة الشباب.

«وفقا لاستطلاعات حديثة لمعهد كاتو [1] :

50% من الشباب الأمريكيين (تحت سن 30) يدعمون الاشتراكية؛

70% من جيل الألفية (23 إلى 38 سنة) سيصوتون لمرشح اشتراكي؛

36% من جيل الألفية لديهم رأي مؤيد للشيوعية (مقابل 28% في 2018)؛

35% من جيل الألفية لديهم رأي إيجابي تجاه الماركسية.

يعتقد حوالي واحد من بين كل خمسة من جيل الألفية أن المجتمع سيكون أفضل حالا إذا تم إلغاء الملكية الخاصة.

ويوافق 17% من الأمريكيين على أنه يمكن تفهم “المواطنين الذين يتخذون إجراءات عنيفة ضد الأغنياء” في بعض الأحيان، وترتفع النسبة إلى 35% بين من هم دون سن 30.

هذه الإحصائيات ليست سوى غيض من فيض. وتظهر بوضوح شديد أن هناك غليانا شديدا في المجتمع الأمريكي».

الثورة العالمية:

كانت الثورة العالمية أيضا تجري أمام أعيننا، حتى قبل كوفيد 19، من هونغ كونغ إلى تشيلي وهايتي مرورا بالهند وكشمير والعراق ولبنان والسودان والجزائر، الخ، الخ. إضافة إلى ما شهدته فرنسا من تحركات جماهيرية قوية (الليالي الواقفة والسترات الصفراء والإضرابات العامة، وما إلى ذلك)، ناهيك عن تحرك الشباب ضد تلويث الرأسماليين للبيئة… لم يسبق للعالم أن شهد هذا العدد الكبير من الثورات المتزامنة والمنتشرة على نطاق بهذا الحجم.

من الطبيعي أن تتسبب الجائحة، والإجراءات المصاحبة لها، في تراجع زخم الكثير من التحركات الثورية. كما أنه من الطبيعي أن تخلق نوعا من الرغبة في التحمل عند الأغلبية الساحقة من السكان، على أمل أن تتحسن الأوضاع. لكن بمجرد مرورها، عاجلا أم آجلا، سوف تعود الموجة الثورية أقوى وأكثر كفاحية وانتشارا مما رأيناه في السابق.

الاشتراكية أو الهمجية

يؤكد الوضع الحالي صحة الشعار بأن الخيار الوحيد أمام الإنسانية هو إما الاشتراكية أو الهمجية. مناقشة همجية الرأسمالية لم تعد موضوع لقاءات الماركسيين وحدهم، بل أصبحت أخبارا يومية على شاشات التلفزيون: حيث يمكن للجميع سماع بوريس جونسون يتحدث عن “مناعة القطيع”، ويسمع من يقول إنه من “المنطقي تمامًا” ترك المسنين يموتون، و”أنه من الضروري العودة إلى العمل مهما كان الثمن”،!! الخ.

إفلاس الرأسمالية صار مكشوفا بشكل جلي جدا. فحتى الدول الأكثر ثراء عاجزة عن توفير الأجهزة الضرورية لإنقاذ الأرواح بل وحتى الأقنعة الطبية في كثير من الأحيان، رغم أنها قادرة بسهولة على إرسال صاروخ بالستي إلى أقصى بقاع الأرض، وقصف أي شيء على بعد آلاف الكيلومترات.

بل صارت حتى أسس “اقتصاد السوق” نفسها محل تساؤل، مثل: شعار دعه يعمل دعه يسير، وعدم تدخل الدولة في الاقتصاد، وأن القطاع الخاص أكثر كفاءة من القطاع العام، إلخ. من يمكنه أن يصدقها الآن، في الوقت التي تخلى عنها حتى أعتى المدافعين عنها وصاروا يطالبون بتدخل الدولة وتأميم الشركات لحمايتها من الإفلاس، الخ.

ما بعد الجائحة

سيؤدي كل هذا إلى إحداث تغيير عميق في وعي الجماهير حول العالم، وعندما ستمر الجائحة، عاجلاً أم آجلاً، ستقوم الطبقة العاملة بتصفية الحسابات مع مصاصي الدماء.

الرأسماليون وحكوماتهم يقومون بالفعل، منذ الآن، بشحذ سكاكينهم استعدادا لمرحلة ما بعد كورونا، وسيعرضون على الطبقة العاملة دفع فاتورة الأزمة، بفرض سياسات تقشف وحشية وتضحيات لا تطاق طيلة أجيال كثير قادمة! كانت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، قد أعلنت حتى قبل أزمة كوفيد 19، أن العالم سيتعافى من الأزمة لكن بعد خمسين عاما من إجراءات التقشف… هذا هو المنظور الذي تعدنا به الرأسمالية.

الطبقة العاملة لن تقبل بأن تتحمل هذا الدواء المر لإنقاذ نظام لا يجلب لها إلا الاستغلال والبطالة والفقر والتلوث، خاصة عندما ترى أن تلك التضحيات لا يشاركها الجميع، بل على العكس: فالرأسماليون يزداد وزنهم وترتفع ثروتهم أكثر فأكثر (تمكن أصحاب الملايير الأمريكيين، في غضون الأسابيع القليلة الماضية، من إضافة 308 مليار دولار لثرواتهم).

الأفق أمامنا لصعود قوي وغير المسبوق للصراع الطبقي على مستوى عالمي. وكل ما رأيناه حتى الآن كان مجرد احماء.

أزمة الرأسمالية هي في نفس الوقت أزمة الإصلاحية و”الوسط السياسي”، إذن المستقبل هو للاستقطاب الطبقي والتغيرات السريعة والراديكالية من اليمين إلى اليسار والعكس صحيح…

النظام الرأسمالي يحتضر، لكنه لن يستسلم بدون قتال. لا توجد أزمة نهائية للرأسمالية، يجب أن يتم تحطيمها بالثورة البروليتارية. السيرورة ستكون صعبة والتضحيات ضخمة والأزمة التاريخية للإنسانية ستتلخص في أزمة القيادة الثورية.

على الشباب الثوري أن يتحمل مسؤوليته التاريخية في المسارعة إلى بناء الأداة التي يمكنها أن تقود تلك النضالات نحو النصر بأقل الخسائر والآلام والتضحيات. وبدونها ستتبخر النضالات الثورية هباء وستنحط السيرورة الثورية إلى معارك استنزاف وما لا يعد من المآسي.

فلنبن الحزب الثوري فلنناضل من أجل الاشتراكية

إن مهمة بناء القيادة الثورية لا تحل من تلقاء نفسها، إنها عمل صبور طويل ممل (كما كان لينين يسميها)، تقتضي من المرء أن يخصص لها حياته. لكنها أعظم قضية يمكن للمرء أن يخصص لها حياته.

قال تروتسكي: «… إنه نضال من أجل مستقبل البشرية. سيكون قاسيا، سيكون طويلا. وكل من يبحث عن الراحة المادية والهدوء الروحي، دعوه يتنحى جانبا… أما بالنسبة لأولئك الذين لا تشكل الاشتراكية بالنسبة لهم مجرد كلمة جوفاء، بل مضمون حياتهم الأخلاقية نفسه – فإلى الأمام! لا التهديدات ولا الاضطهاد ولا الانتهاكات يمكنها أن توقفنا! إن الحقيقة ستنتصر حتى لو كان ذلك على عظامنا! سوف نفتح لها الطريق وسوف تنتصر! لأن قمة السعادة البشرية، أصدقائي، ليست في استغلال الحاضر، بل في التحضير للمستقبل».

هذه هي المهمة التي نناضل، نحن التيار الماركسي الأممي، من أجل تحقيقها. فإن كنتم تتفقون معنا التحقوا بنا لكي نسقط الرأسمالية، التي تجرنا إلى الهاوية، ونبني عالما جديدا خاليا من الاستغلال والحروب والتلوث، عالم الاشتراكية والحرية.

  • Social Links:

Leave a Reply