علاقة الدين بالدستور في عصر المواطنة 2/2

علاقة الدين بالدستور في عصر المواطنة 2/2

أحمد الرمح – حرمون :

الحجة الثالثة أن “عصر الخلافة وما بعده حكَم المجتمعات بالشريعة، فكنّا الأقوى والأول عالميًا”.

دائمًا تُقاس علاقة الدين بالدولة بحياة النبي الكريم، عندما كان زعيمًا سياسيًا للمجتمع ورسولًا مبلِغًا عن ربه، ولكن المشكلة أننا لم نفرق بين تصرفات النبي ذاتها، فجعلناها كلها تشريعًا! وهذا خلل وضّحه علماء مثل الكرابيسي في كتابه (الفروق) ثم جاء بعده بقرن من الزمن الإمام القرافي، وكتب (أنوار البروق في أنواء الفروق)، إذ بيّنا أنَّ هناك أفعالًا قام بها كرسول هي واجبة الاتباع، وأن هناك أفعالًا أخرى قام بها بموجب الجبلّة البشرية، كزوج وسياسي وعسكري وقاضٍ إلخ، ويجب التفريق بينهما.

نتيجة هذا القياس الخاطئ، منحنا سلطة التشريع حتى للخلفاء الراشدين، ولم نفطن إلى أنهم كانوا زعماء دولة، وليسوا مشرعي دين، هذا الخلط أدى إلى سوء فهم بين وظيفة الدولة ودور الدين! وساهم في ذاك الخلط الحديثُ المحفوظ عند المسلمين: “عليكم بسنّتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي”. وهو حديث ثابت ضعفه، بشهادة علماء الحديث أنفسهم! ولكن بعض الفقهاء لم يتحروا ضعفه! فبنوا عليه أحكامًا خلطت بين الحكم الشرعي والقرار السياسي!

فالخلفاء الراشدون لم يكونوا مشرعين دينين، إنما مجتهدون مدنيون، لأنه -ببساطة- لا تشريع بعد الوحي، وكل تشريعات الخلفاء الأربعة ليست معصومة، كما أنها ليست دينًا، لكنها مستوحاة من روح الدين ومقاصده الإنسانية ومصلحة المجتمع، لذلك جاءت توقيفات عمر لنصوص معروفة ([9]).

وعلى ذلك؛ يمكننا القول: إن ما سنَّه الخلفاء الراشدون يشبه تمامًا المراسيم التي يعلنها رؤساء الدول وملوكها اليوم، فهي قابلة للتغيير والتبديل بمراسيم أخرى، لأن الواقع تجاوز القديم والمجتمع بحاجة إلى جديد، والأدلة على ذلك كثيرة. لكن المشكلة أن الفقهاء أدخلوا تشريعات الخلفاء المدنية بكتبهم، واختلطت بمرور الأيام مع الدين، فحسبناها دينًا!

هذا يعني أننا يجب أن نصل إلى قناعة بأن وظيفة الدين ودوره متغيران، بحسب العصر، ولو أن الله أراد للفهم الذي يدعون إليه البقاءَ، لأبقى جيل الرسالة حيًا، فسُنة الله في خلقه هي تعاقب الأجيال وفناء السابق، وهذا دليل واضح على تغيُّر وظيفة الدين ودوره، إذ لكل عصر شروطه الموضوعية التي تنهض بالمجتمع، فمجتمع الرسالة وما تلاه كان الصراع فيه على عالم الغيب (كيف هو الله! والقرآن هل هو مخلوق، وخلق الإنسان لأفعاله)، فكتبوا كتب العقائد، وبحسب رأيي، فإن من أصَّل كتب العقيدة أراد أدلجة الدين.

أما نحن فصراعنا اليوم على عالم الشهادة، ومن أهم أدوات عالم الشهادة في عصر التكنولوجيا مفاهيم وثقافة الديمقراطية، والمجتمع المدني، وحقوق الإنسان، والمواطنة، والعدالة الاجتماعية، والزواج المدني إلخ.. وتلكم قضايا لا علم لجيل الرسالة بها، وهي ما نحتاج إليها في دستورنا القادم.

الحجة الرابعة: “لا يجوز التفاوض على الدين فهو أهمّ من الوطن”!

من المعروف أن للدستور المزمع إنجازه هدفًا إنسانيًا اجتماعيًا يريده المجتمع الدولي، ويتمثل بوقف شلال الدم السوري والدمار وتشريد الملايين، قبل كونه حالة فض اشتباك سياسي بين النظام والمعارضة، وإن مصلحة الإسلامويين أن تكون لهم بصمة في هذه الدستور، بإدراج مواد إسلامية، ولكن هذه المصلحة قد تعطِّل ولادته، وتبعث برسالة أن فريق المعارضة نفسه غير متفق! والمستفيد من هذا التعطيل النظامُ، والمتضرر قوى الثورة وملايين السوريين الذين يعانون ويلات الحرب. وإنّ القاعدة الأصولية تقول: “درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح”([10]). وهذه قاعدة متفق عليها عند الفقهاء والأصوليين وحتى أهل الحديث، ولا توجد مفسدةأكبر من استمرار نزيف الدم السوري، حتى إن العزّ بن عبد السلام قال: “ندرأ المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة“([11]).

وللدين وظيفة قبل العبادة والشريعة هي الحفاظ على الحياة، بدليل أنه أجاز أكلَ المحرّم، كالميتة، للحفاظ على الحياة. ولم يطالب الله -سبحانه وتعالى- قريشًا بعبادته، إلا بعد أن حققّ لهم الأمن الاجتماعي والاقتصادي: {فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف}.

وعندما يكون الخيار بين العقيدة وحقن الدماء؛ يجب اختيار الثاني، ففي صلح الحديبية، من أجل حقن الدماء، تخلى الرسول عن العقيدة التي هي أعلى من الشريعة، عندما مسح اسم (محمد رسول الله)، وقَبِلَ أن يفاوضهم كقائد عسكري لا نبيّ، بالرغم من اختلاف الصحابة معه كلهم. لكنه لم يأخذ بالعاطفة الدينية التي اعترت الصحابة، فوقّع هدنة أوقفت المقتلة بين أبناء الوطن الواحد.

مُفخخة الدولة المدنية

مصطلح الدولة المدنية مصطلح مفخخ، ففي وثائق القاهرة 2012، توافق الإسلاميون والعلمانيون على أن سورية المستقبل هي “دولة مدنية”، وكان التوافق آنذاك لفضّ الاشتباك بينهما، فخرج الإسلامويون وأخبروا جمهورهم أن المقصود بالدولة المدنية هو “الدولة غير العسكرية”، أما العلمانيون فأخبروا جمهورهم أن المقصود هو “الدولة العلمانية”.

نحن نريد دولة المواطنة، بمعناها العميق، الدولة التي تحترم الدين وشعائره، ولكنها لا تسمح للمؤسسة الدينية بالتدخل في إدارة الدولة، ولا تُسَخِّرُ المؤسسةَ الدينية لمشروعها الأيديولوجي، لأننا لا نريد دولة أيديولوجية، أي نريد فصل الدين عن الدولة؛ فالدولة كائن اعتباري لا دينَ له، إنما هي مؤسسة تدير شؤون البلاد والمواطنين بحيادية كاملة ومساواة.

[9] ـ نأخذ على سبيل المثال، تصرف أبي بكر مع مانعي الزكاة، كان تصرفًا بصفته زعيمًا للدولة لا مشرعًا؛ إذ وجد تمردهم ضارًا بخزينة الدولة وهيبتها، فقرر معاقبتهم. عمر ذاته أدرك الفارق بين الدولة والدين، ففي عهد رسول الله كان الرجال والنساء يتوضؤون في مكان واحد، وكان الاختلاط مباحًا، لكن عمر وجد أن من الرجال والنساء من استغل ذلك لفساد ما؟ فأصدر أمره بمنع الاختلاط، فتصرف كزعيم دولة لا كمشرِّع، وبالتالي فقراره تنتهي صلاحيته متى اختفت العلة الباعثة لإصداره، لكن كثيرًا منا جعل أمره تشريعًا، لا قرارًا من زعيم دولة! فحرّم الاختلاط!

  • Social Links:

Leave a Reply