حول المسألة الكردية في سوريا – د. محمود الحمزة ج1

حول المسألة الكردية في سوريا – د. محمود الحمزة ج1

مخطط الدراسة:

1- الهوية الوطنية السورية

2- لمحة عن تاريخ المسألة الكردية

3- من تاريخ الحركة السياسية الكردية حتى بداية الثورة السورية

4- المعارضة السورية – الاحزاب الكردية – المسألة الكردية

5- حزب الاتحاد الديمقراطي ودوره في مرحلة الثورة السورية

6- مستقبل المسألة الكردية

7- موقف حزب الشعب الديمقراطي السوري من المسألة الكردية

8- الهوية الوطنية السورية الجامعة.

 

أولا – الهوية الوطنية السورية

لم تتبلور الهوية الوطنية السورية بشكلها  الكامل والسليم في سوريا في اي وقت من الأوقات منذ تأسيس الدولة السورية قبل مائة عام تقريباً.  ولم يكن هناك توحد عميق في المجتمع السوري، فمرحلة الكفاح  ضد الاستعمار الفرنسي كانت في حقيقة الأمر تحت راية القومية العربية (ياسين الحاج صالح).  وكان تاريخ سوريا الحديث هو تاريخ الايديولوجيات والعسكر والسلطة لا تاريخا للثقافة والاقتصاد والمدينة.

وقد أحدثت هيمنة الخطاب العروبي في سوريا (الذي يعتبر سوريا قطراً عربياً) على خلق توتر وتناقضات في المجتمع السوري، حديث الولادة، دون ان تكتمل فيه هوية وطنية سورية وقبل أن يتشكل الشعب السوري. ولكن “استقرار” النظام السوري (مع صفته الاستبدادية) في فترة حافظ الأسد خلقت نوع من الشعور بالانتماء لسوريا ، ولكنه بقي رهينة الشعارات القومية.

وكما يقول مهاتير محمد لا يمكن أن يستمر التعايش بين الأعراق المختلفة في مجتمع واحد في غياب العدالة والمساواة والتنمية، فإذا كان تغيير الاختلافات العرقية والثقافية واللغوية والدينية يعد شيئاً مستحيلاً، فمن الممكن إزالة الفوارق الاقتصادية وتحقيق العدالة والمساواة والتنمية كأسس سليمة للتعايش السلمي. ومن جهة أخرى نرى أن عدم تشكل ثقافة وطنية سورية كان ولا يزال عقبة في طريق الاندماج الاجتماعيّ وفي طريق التنمية الإنسانية الشاملة والعادلة وإمكانية التحول الديمقراطي.

ويرتبط مفهوم الوطنية السورية بالحالة السياسية، التي تحولت إلى حقل خاص بحزب البعث العربي الاشتراكي ، قائد الدولة والمجتمع ، وقائد الجبهة الوطنية التقدمية ، وصار للوطنية معنى واحدا هو الولاء للحزب الحاكم وسلطنه الشمولية ، فكل من يواليها وطني وكل من لا يواليها صراحة مشكوك في وطنيته وكل من يعارضها غير وطني.  ولذلك فالسبب الجوهري لكل التناقضات والخلافات والنعرات بين مكونات الشعب، وغياب الروح الوطنية الحقة، يعود لطبيعة النظام السياسي الاستبدادية والتسلطية والتي تقوي الانتماءات ما قبل الوطنية من عشائرية وطائفية ودينية وعائلية، وتستفيد من التفرقة والخلافات للحفاظ على السلطة والثروة.

وشهدت سوريا فترة نهوض وطني بعد الاستقلال في الخمسينيات حيث ساد جو ديمقراطي وحرية العمل السياسي والمدني، ولكن فترة الوحدة السورية المصرية  وما بعدها حتى بداية انقلاب البعث في آذار 1963 ،  كانت مرحلة تهميش وطمس للهوية السورية بحجة الهوية العربية التي انتشرت في فترة حكم عبد الناصر ذات الطابع الأمني مما عرقل تشكل الشعب السوري والهوية الوطنية السورية.

وجاءت فترة حكم البعث الاستبدادية بشعاراته القومية واعلاء مفهوم العروبة” كهوية لكل الشعب السوري باعتباره جزءا من “الأمة العربية” ، على حساب الانتماءات القومية والثقافية المختلفة.

وتستهدف الوطنية السورية تنمية الوعي السوري بذاته بوصفه وعيا وطنيا يجمع بين العرب والكرد والسريان والأشوريين والتركمان والأرمن والشركس وغيرهم. ولا يستهدف الوعي السوري التقريب بين الإثنيات ذوات الثقافات المختلفة، واحترامها فقط، بل التقريب أيضًا بين اتباع الديانات والطوائف السورية، وتقف الوطنية على مسافة واحدة منها جميعًا، ومن دون أن تكون معنية بمناقشة أي من الجوانب العقائدية واللاهوتية التي تخص أي دين أو طائفة.  وهي ليست نقيضًا أو بديلًا للانتماء القومي أو الديني أو الطائفي، ولكن لها الأولوية على غيرها،

والوطنية هي سمة الدولة وهي محايدة ترتبط بالوطن كله وبكافة افراده . وهي مرتبطة بالعلمانية لأن الوطنية ليس لها صبغة دينية او قومية أو طائفية.  والوطنية تتناقض مع محاولات الصهر والتذويب بالقوة ولا تنسجم مع التهميش  بل يجب أن تستند الحقوق  القومية المشروعة على  الحقوق المدنية والحريات الأساسية ومبدأ المواطنة وسيادة القانون وعمومية الدولة. ولا تتحقق الوطنية السورية إلا بالديمقراطية

اعتبر المؤرخ الفرنسي، ميشيل سورا، المُغيب والمختطف من قبل النظام السوري وأزلامه في لبنان، أن النظام السوري، في مرحلة الأسد الأب، استخدم مفهوم العصبية الخلدونية لتثبيت حكمه. وجاء الأسد الابن ليستكمل ما بدأه والده، ويجعل من العصبية الطائفية عصبية عابرة للحدود، عبر تحالفه مع العصبية الشيعية ممثلة بإيران، والوسخ الطائفي القادم من بلدان أخرى.

وللأسف نجح النظام السوري في تطييف الثورة وربطها بأطراف متشددة سنية كالسلفية والقاعدة، وساعدت أطراف عربية وإسلامية في ذلك من خلال تبنيها على فضائيات محسوبة لها لخطاب ديني سني متشدد، بينما رأى الشعب السوري في ثورته أنها شعبية وطنية بامتياز.  وردد شعارات وطنية بامتياز مثل “الشعب السوري واحد” .

وتجدر الملاحظة بأن التنوع الاجتماعي والقومي والثقافي سلاح ذو حدين تبعاص لنظام الحكم السياسي. ففي ظل الستبداد يصبح التنوع مصدر خلافات ونعرات وصراعات كما شهدنا في ظل حكم الأسدين، ولو كانت الدولة قائمة على القانون والمواطنة واحترام حقوق الجميع أفرادا وجماعات لكان التنوع مصدر غنى وثراء وقوة للمجتمع كما نشهد في أوروبا.

 

ثانياً – لمحة عن تاريخ المسألة الكردية

لا نريد الخوض في التاريخ القديم للكرد ووجودهم في سوريا ، لأنه يحتاج لباحثين علميين متخصصين في التاريخ بعيداً عن الاجندات السياسية. ولكن الحديث عن المسألة الكردية وتشكلها في سوريا موضوع تاريخي سياسي معاصر عمره تقريباً من عمر الدولة السورية، التي تأسست نتيجة اتفاقية سايكس بيكو في الربع الأول من القرن العشرين.

ويعيش اليوم ، بحسب تقديرات غير رسمية، في الجزيرة السورية (الرقة ودير الزور والحسكة) ما يقارب 3 ملايين نسمة أغلبيتهم من العشائر العربية ، ويشكل الأكراد ثلث السكان في محافظة الحسكة ، ويقل وجودهم في محافظتي الرقة ودير الزور . ويبلغ تعداد السريان (الاشوريين والكلدان) في الجزيرة  200 ألف نسمة

وتفيد المصادر المختلفة بما فيها الكردية أن مجموعات كردية قدمت في القرن 11 م بصحبة القائد صلاح الدين الايوبي وسكنت في المدن والمناطق الساحلية والشامية واندمجت  وتعربت  مثل جبل الاكراد في الساحل السوري وحي الاكراد في دمشق ، وهناك الاكراد الذين وفدوا الى سوريا في عشرينات القرن الماضي في زمن الانتداب الفرنسي وتركز معظمهم في الجزيرة السورية بمحافظة الحسكة. ومنهم ظهر قادة وطنيونلعبوا دوراً بارزاً في الثورة السورية الكبرى وفي قيادتها وهم من اصول كردية ولم يتصرفوا كاكراد بل كوطنيين سوريين. واكراد الجزيرة تتجاذبهم النزعة القومية الكردية والوطنية السورية (كيلاني).

في الواقع، كانت سيطرة حزب البعث على السلطة في سورية هي المحطّة الأبرز في القضية الكرديّة، حيث تم تغيير اسم الجمهورية السوريّة إلى الجمهوريّة العربيّة السوريّة، والبدء بتنفيذ مشاريع تمييزية بحق الكرد أبرزها الإحصاء الاستثنائي في محافظة الحسكة ، الحزام العربي عام 1974. لقد كانت ممارسات حزب البعث القومية الشوفينية العامل الأكبر في تنامي الشعور القومي الكردي في سورية، وتفكير الكرد بالحصول على حالة سياسية استثنائية في البلاد تحميهم من ممارسات السلطة

مرّت القضية الكردية في سورية بعدّة محطات تبدأ بمرحلة ما بعد الانسحاب العثماني وبدء مرحلة الانتداب الفرنسي. حينها لم تكن القضية الكردية في سورية متبلورة بشكلها القومي الحالي، باستثناء مطالبات بعض وجهاء العشائر الكردية للفرنسيين بمنح مناطقهم حكماً ذاتياً، ما لاقى رفضاً من وجهاء كرد آخرين والذين أصرّوا على إبقاء الارتباط مع دمشق.

وكان للأكراد السوريين مسألة قوميّة واضحة المعالم من قبل، كانت تحرز  قبولاً من القوى السياسيّة والثقافيّة والمجتمعيّة السوريّة، وتسعى إلى إحراز أشكالٍ من الحكم المحلي والمساواة في الدستور والقوانين ومؤسسات الدولة وباقي منصات المتن العام بين الجماعتين العربيّة والكرديّة في سورية، وكان ذلك بروح توافقيّة وتكامليّة مع باقي القوى الديموقراطية السورية. وكانت مطالب وخيارات الحركة القوميّة الكرديّة قبل تسلط هذا «الحزب القائد» (حزب الاتحاد الديمقراطي) على الكرد خجولة ومتواضعة، على رغم عمق المأساة الكردية، لكنها كانت مطالب وخيارات متوائمة مع حجم وقدرات الكرد السوريين، وحريصة على الحفاظ على الكرد السوريين، مجتمعاً وجغرافيةً، من دون أية شعارات جوفاء وتطلعات هوائيّة، قد تؤدي في المحصلة إلى اقتلاعهم ومحقهم، وترديد القصائد القومية على أطلال بيوتهم ومدنهم وحيواتهم فيما بعد، مثلما يفعلون الآن في عفرين(رستم محمود).

وشارك الكرد السوريون في معارك الاستقلال وفي الحراك السياسي في الاربعينيات بشكل فردي ومن خلال الجمعيات الثقافية.

واثارت دراسة طلب هلال المسؤول البعثي وضابط المخابرات استياء كبيراً لدى الكرد وكل الوطنيين السوريين وكان عنوانها “دراسة عن محافظة الجزيرة من النواحي القومية الاجتماعية السياسية” وتتكون من  12 نقطة. وبلا شك فإنها تتسم بالروح القومية الشوفينية ولكي نفهمها جيدا يجب مراجعة الظروف التاريخية التي كانت تمر بها سوريا في تلك الفترة.

  • Social Links:

Leave a Reply