زكي الدروبي
رئيس التحرير
نقلت الأخبار يوم أمس الاقتتال الحاصل بين تيارين ضمن حركة أحرار الشام الإسلامية، وتدّخل هيئة تحرير الشام “النصرة سابقاً” عبر إرسال قوات للمنطقة الخاضعة لنفوذ الحركة بذريعة فك الاشتباك والصلح وحماية المدنيين وايقاف القتال الحاصل بين الفريقين “حقناً لدماء المجاهدين” حسب تعبير إعلام الهيئة، مدّعية أنّها ليست طرفاً في الاقتتال، لكن من الواضح أنّها محاولة للهيمنة وتفكيك الحركة كي يتمدد نفوذها بشكل أكبر، خصوصاً وأنّ غارة جوية لطيران التحالف قد قضت على الكثير من معارضي الجولاني خلال وليمة عشاء لتتسع دائرة السواد في إدلب الخضراء شيئاً فشيئاً وتترسخ الإمارة السلفية الإرهابية.
لا تعني هذه المقدمة بأنني أعتبر أنّ حركة أحرار الشام الإسلامية جزءً من تشكيلات الجيش الحر أو من الثورة السورية، بل على العكس تماماً، فكل التيارات والأحزاب التي تتخذ من الدين أو القومية سلماً للهيمنة على السلطة مرفوضة بالنسبة لي، إنما أوردت الخبر منطلقاً منه لأؤكد أن عقلية الهيمنة والتفرد بالسلطة لا علاقة لها بالدين، فقد سبق لهيئة تحرير الشام أن اعتدت على الكثير من قوى الجيش الحر تحت يافطات إسلامية، وعبر تكفيره، وتشويه صورته، مدعية بأن عناصره فاسدون يشربون الخمر، ويتعاطون المخدرات، ويدخنون، وهو جيش علماني، وهاجمت الهيئة الديمقراطية واعتبرتها كفر، ورأينا كيف فككت عناصر هيئة تخريب الشام بزعامة الجولاني السكك الحديد والمعامل ومحطات الطاقة الكهربائية وسرقتها، أليست السرقة حرام؟ أم أن شيوخ وكهنة الفتنة جاهزون لتفصيل النصوص الدينية على قياس الجولاني، حتى أنهم انتزعوا أسلاك التوتر العالي من ابراجها وسرقوها. كما اعتدت فيما بعد على القوى العسكرية الاسلامية الشبيهة لها مثل الزنكي وأحرار الشام وغيرها بذرائع مختلفة منها عمالتهم للصليبيين، وذهابهم لآستانا وسوتشي، واليوم نرى أن هيئة تحرير الشام المجرمة تنفذ اتفاقيات سوتشي وآستانا بحذافيرها، وهي التي انسحبت مراراً وتكراراً من أمام قوات الأسد والمليشيات الايرانية والعراقية واللبنانية الطائفية المجرمة، بعد أن دمرت وجردت كل قوة عسكرية يمكن لها أن تقاوم، كما أنّ الهيئة تحمي الدوريات الروسية التركية على طريق M4 ، ونشهد الغزل المتبادل بينها وبين الأمريكان، وهذا يوضح أن كل تلك الشعارات التي رفعتها دليل على كذبها ورغبة الجولاني في الاستئثار بالسلطة.
وقد تكون الاختراقات العسكرية التي تم تحقيقها ضد عناصر إرهابية متطرفة غير مرضي عنها بمساعدة استخباراتية من قبل الجولاني، خصوصاً وأنّ تاريخاً طويلاً من العلاقات النفعية المتبادلة بين تنظيم القاعدة وبين الأمريكان الذين صنعوها ليحاربوا من خلالها المد الشيوعي السوفيتي، فسخرت أموال دول ورجال دين يتبعون للأنظمة، واستخبارات دول من أجل صناعة هذا التنظيم الإرهابي والتغرير بالشباب البسيط المقهور المملوء باحباطات من واقعه، ومن هيمنة الأنظمة المستبدة، ليتم دغدغة مشاعره عبر أحلام القوة وبناء امبراطوريات متخيلة، وتذهب حياته فداء لمشاريع عابرة لأحلامه لا علاقة له فيها، هذا الاستخدام للتطرف الإسلامي من قبل الولايات المتحدة الأمريكية بداية من خلقه في أفغانستان ونهاية بالتسريبات التي حملتها ايميلات هيلاري كيلنتون والتي تتحدث أن أسامة بن لادن حياً يرزق وهو مختبئ في إيران، وأن صناعة تنظيم داعش الإرهابي تم بالتعاون بين إيران “سليماني” وأمريكا “كلينتون”، ثم شارك الجميع وتحولت داعش إلى شركة مساهمة لاستخبارات كل دول العالم، كل ذلك من أجل تحقيق مصالح تلك الحكومات، فحين يفشل أحدهم في الحكم، يسارع لاستدعاء التطرف، سواء بشكل واقعي حقيقي كما فعل بشار الأسد والمالكي من خلال فتح سجونهم للإرهابيين المجرمين المحتجزين وتسهيل وصولهم للأسلحة، ومدّهم بالمال والعتاد بشكل غير مباشر أو من خلال التصريحات الاعلامية وتهييج الجمهور كما يفعل ماكرون حالياً، ففرنسا تعاني من عدة أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية تكاد لا تنتهي، بالتزامن مع دخول فصل الشتاء وإعلان الستر الصفراء عن قرب عودتهم للاحتجاجات، كما أن ماكرون فشل في سياسته الخارجية سواء المتعلقة بالحفاظ على الاتفاق النووي مع إيران والذي توفي بعد خروج “ترامب” منه أو من التصعيد الذي تضغط باتجاهه في شرق المتوسط والذي أفشلته السياسة الألمانية الداعمة للتهدئة والحوار، ومؤخرا فشل ماكرون في لبنان، واضطر لتمديد المهلة التي منحها لتشكيل حكومة تكنوقراط حيادية مرة تلو الأخرى من أجل تقديم المساعدة المالية للبنان. كل هذه عوامل أثرت بشدة على مكانته فكان هذا الاستدعاء للإرهاب والتحريض على الاسلام، واستفزاز مشاعر الملايين من المسلمين بهدف إلهاء الناس وشغلهم وتشتيت انتباههم.
إن محاربة الإرهاب والتطرف لا تكون عبر خطابات رنّانة وبهلونيات وحشود عسكرية، مع أن الحل العسكري جزء من الحل الشامل لقضية الارهاب، لكن بداية يجب رفع الظلم عن ملايين البشر المضطهدين، وإحقاق الحق لأهله، وفتح أبواب السياسة على مصراعيها، ومشاركة الناس بالحوار لتستفيق عقولهم من التخدير والأوهام التي ملئت به.

Social Links: