المعارضة السورية – الأحزاب الكردية والمسألة الكردية
أول تحالف بين قوى سياسية كردية واخرى سورية كان بعد أحداث آذار 2004 حيث اقتربت الاحزاب الكردية من قوى المعارضة السورية “العربية” وتجسد ذلك في انضمام 9 أحزاب كردية إلى إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي عام 2005. حيث ورد في الإعلان حول المسألة الكردية: ” إيجاد حل ديمقراطي عادل للقضية الكردية في سوريا بما يضمن المساواة التامة للمواطنين الأكراد السوريين مع بقية المواطنين من حيث حقوق الجنسية والثقافة وتعلم اللغة القومية وبقية الحقوق الدستورية والسياسية والاجتماعية والقانونية، على قاعدة وحدة سوريا ارضا وشعباً. ولا بد من إعادة الجنسية وحقوق المواطنة للذين حرموا منها وتسوية هذا الملف”. ولكن هذه الاحزاب الكردية سرعان ما تركت الاعلان.
وتبلور طرح كردي قبيل الثورة حول المسألة الكردية نجده في كلمات سكرتير الحزب اليساري الكردي الذي اعلن أن “الأحزاب الكردية في سوريا لا تستخدم مصطلح “كردستان سوريا” كما تعتبر الكرد في سوريا جزءا من الشعب السوري وتطالب هذه الأحزاب بتأمين حقوق الكرد القومية المتمثلة بالحقوق السياسية والثقافية والاجتماعية في اطار الوطن السوري وترى ان حل القضية الكردية في سوريا يتم في دمشق وليس في أي مكان آخر، وأنه مرتبط تماما بحل المسائل الديمقراطية لباقي ابناء الشعب السوري”. وطالبت بعض الاحزاب الكردية بـ “حق تقرير المصير” والتعامل مع الكرد كأمة وليس كأقلية قومية وإقرار فكرة اللامركزية السياسية لبناء سورية الجديدة. ويجب التوقف عند هذه النقطة أكثر. فعندما نعترف بأن الكرد في سورية هم أمة او شعب فعندها له الحق في تقرير المصير بما فيها الانفصال والاستقلال او الوحدة مع بقية اجزاء الامة الكردية دون اعتبار للمكونات العربية و السريانية والتركمانية في مناطق التواجد الكردي، بالرغم من التباعد الحغرافي بين الاكراد في شمال سورية من اقصى الشرق الى عفرين وعين العرب حيث يتداخل العرب والسريان والتركمان والشراكسة والأرمن والكرد في هذه المنطقة.
وظهرت مؤخراً طروحات جديدة مثل الدعوة لتأسيس نظام فيدرالي يضمن للاكراد حق تقرير المصير وووصولا الى تشكيل حكومة على غرار كردستان العراق. (رئيس المجلس الوطني الكردستاني سورية شيركو عباس 20 شباط 2012). كما نشرت في عام 2012 خريطة “اقليم كردستان سوريا” التي تبدأ من عين ديوار التابعة لمنطقة ديريك شرقا في محافظة الحسكة وحتى لواء اسكندرون شاملا كل شمال سوريا على امتداد الحدود التركية السورية. وفي هذا الإطار نجد أن الكرد ينقسمون الى رؤيتين: رؤية كردية ورؤية كردستانية.
ويشهد تاريخ سوريا عد حدوث صراعات عنفية بين العرب والكرد وباقي المكونات مما تسمح بحل سلمي عادل لمسألة القوميات عبر الحوار الوطني لبناء عقد ديمقراطي وطني يتسع للجميع في سورية الجديدة. ولكن بعض الكرد حاول في فترة الثورة وهيمنة حزب الاتحاد الديمقراطي عسكرياً ، الاصطياد في الماء العكر وفرض سياسة الامر الواقع واستغلال الدعم الامريكي والاوروبي ، علماً أن العقبة الرئيسية الحاسمة امام حل مسألة القوميات حلا عادلا ودائما هو النظام الشمولي الاستبدادي الفاسد الذي يتبع سياسة فرق تسد ويشجع على الطائفية والتمييز على اساس عرقي. كما أن الثورة بدأت بخطاب وطني حقيقي (الشعب السوري واحد) يجمع بين المكونات دون تمييز على اساس الدين او القومية ولكن النظام قام بنشر النعرة الطائفية وتشجيع التشدد الديني والقومي الى جانب تقصير المعارضة في الخطاب والممارسة لاستيعاب الاقليات والطوائف
وضم المجلس الوطني السوري منذ تأسيسه ممثلين كرد وفي مقدمتهم مشعل التمو رئيس حزب تيار المستقبل، وشخصيات مستقلة مثل الدكتور عبد الباسط سيدا. وتجسد موقف المجلس الوطني السوري في وثيقة العهد للمعارضة السورية (تونس آذار 2012) التي ورد فيها: “تقر الدولة السورية بوجود قومية كردية ضمن ابنائها وبهويتها وبحقوقها القومية المشروعة وفق العهود والمواثيق الدولية ضمن اطار الوطن السوري. وتعتبر القومية الكردية في سورية جزءا اصيلا من الشعب السوري. كما تقر الدولة بوجود هوية وحقوق قومية مماثلة للقوميتين السريانية الاشورية والتركمانية السوريتين وان سورية جزء من الوطن العربي ترتبط شعوبه بوشائج الثقافة والتاريخ والمصالح والأهداف الكبرى والمصير المشترك. وسورية عضو مؤسس في جامعة الدول العربية تتطلع الى توثيق مختلف أشكال التعاون والترابط بين البلدان العربية”
أما الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية ( تشرين الثاني 2012)، الذي خصص مقعدا دائما هو نائب الرئيس للمكون الكردي، فقد وقّع مع المجلس الوطني الكردي (الذي تأسس بعد المجلس الوطني السوري بعدة ايام في القامشلي) مذكّرة تفاهم تضمّنت عدة مطالب اعترف بها الأوّل بأحقية معظمها مع التحفّظ على مطلب جعل سورية دولة اتحادية .وأكد الائتلاف في بيانه على أن سورية دولة مدنية ديمقراطية تعددية تقوم على مبدأ المواطنة وتساوي بين مواطنيها في الحقوق والواجبات وفق احكام الدستور والقوانين المرعية. ولا تميز بين افراد الشعب السوري في الحقوق على اساس جنسهم او عرقهم او انتمائهم السياسي والفكري او اصولهم القومية والاثنية او عقائدهم الدينية والمذهبية. وكذلك أشار إلى أن الدولة السورية تعترف رسميا بمختلف المكونات القومية للمجتمع السوري وتؤكد حقوقها في استخدام لغتها وتقاليدها الخاصة وممارسة طقوسها في جو من الحرية يكفله القانون.
وأكدت الهيئة العليا للمفاوضات (ايلول 2016): على أن العقد الاجتماعي في النظام الجديد على اساس مبدأ المواطنة واعتبر القضية الكردية قضية وطنية سورية ويجب العمل على ضمان حقوقهم القومية واللغوية والثقافية دستوريا.
ولاحظ الكثيرون بأن سياسة انسحابات الاحزاب الكردية من مؤتمرا ت المعارضة أضرت كثيراً ، كما أغفلت أغلب الحركة القومية الكردية الخطاب الأساسي للثورة الداعي للحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية، واسقاط نظام الاستبداد، وحدَّدت عملها ضمن الوسط الكردي، وبالمطالب الكرديّة فقط، وتجاهلت العمل في الإطار الأوسع، أي الشعب السوري، من أجل إقناعه برؤاها وتصوّراتها. كما أن الأحزاب السياسية الكردية التي فوجئت بانتفاضة الشعب السوري اتخذت في البداية موقف الترقب السلبي وقد يكون ذلك نرتبط ايضاً بالتخوف من احتضان تركيا للمعارضة السورية انطلاقا من الحساسية التاريخية بين الاكراد والحكومات التركية. وهناك عامل آخر خارجي أثر في طبيعة انخراط الحركة الكردية في الثورة وهي الخلافات بين قيادة اقليم كردستان العراق ومعها أغلب الأحزاب الكردية السورية من جهة وبين حزب العمال كردستاني (وفرعه في سوريا حزب الاتحاد الديمقراطي المسيطر عسكريا) من جهة أخرى حول مصير أكراد سورية في «اليوم التالي» لسقوط النظام، الذي حل محلّ الخلاف البارزاني-الطالباني التقليديّ. وليس تأليف الهيئة العليا المشتركة بين المجلس الوطنيّ الكرديّ والاتحاد الديمقراطي إلا تعبيرًا عن هذا الاحتدام. كما أن تشكيل اليهئة المشتركة بين حزب الاتحاد الديمقراطي وبقية الاحزاب الكردية السورية لادارة مناطق التواجد الكردي هي تأكيد أيضاً على رؤية قيادة الاقليم في التأسيس لكيان يتمتع بحكم ذاتي في مناطق الجزيرة وعفرين وعين العرب.
ولوحظ أن الأحزاب الكرديّة، كلّما وصلت الأمور إلى طريق مسدودة في النقاش، تبدأ بكيل الاتهامات للمعارضة السورية بالقومية الشوفينيّة وحتى الداعشية ، مع أنّ من يستخدم هذا الاسلوب في الاتهام ليس بعيدا عن العقلية الداعشية. وبداهة إن السوريين جميعًا تعرّضوا للقمع مثل الأكراد، ولا يمكن تحميل السوريين عبء ما فعله النظام، وفرض الشعور بالذنب عليهم تجاه ما لاقاه الأكراد في سورية من عسفٍ وظلم، فالنظام فرض على السوريين ألاّ يعرفوا أو يتعرّفوا إلى بعضهم بعض، وهذا ينطبق على الجميع وليس على الأكراد وحسب، ولم يبدؤوا بكسر هذه القاعدة إلاّ مع بداية الثورة عندما بدأ التواصل وأخذت المدن السورية تهتف الواحدة للأخرى. يضاف إلى كل ذلك نقطة سلبية أخرى وهي عدم مقاربة المسألة القومية، خاصة الكردية، بوصفها جزءًا من الثورة الوطنية الديمقراطية في سورية، بعيدًا عن الارتهانات الإقليمية، والتزامًا بحل المسألة الكردية والقومية الخاصة ببقية مكونات الجماعة الوطنية السورية حلًا عادلًا، يضمن الاعتراف بحقوق المواطنة المتساوية للكرد كأفراد، وبحقوقهم الجمعية والقومية، كشعب، في إطار الوطن السوري.
كما أن المعارضة السورية نفسها ارتكبت خطأ في خطابها بالتركيز على مقولة اسقاط النظام وإحلال نظام آخر دون توضيح لطبيعة المرحلة القادمة مع كل ما يترتب عليها من خيارات متناقضة، أضرت بإجماعات السوريين وثقتهم بشعبهم وثورتهم، حتى لم يعد يُعرف ما إذا كانت الثورة سياسية وديموقراطية أو طائفية ودينية. ويؤخذ على قوى الثورة والمعارضة ايضاً عدم اشتغالها حتى الآن على عقد مؤتمر وطني جامع يضم القوى الرافضة للاستبداد، المؤيدة للخيار الوطني الديمقراطي كخيار نهائي لسورية الجديدة، وصوغ برنامج سياسي تتبناه وتلتزمه مرجعيةً تقرر في ضوئها مواقفها الوطنية المشتركة والجامعة، وإن اختلفت قراءاتها السياسية، بالرغم من وجود تجارب ومحاولات لمجموعات ونخب سورية مختلفة لكنها للاسف لم تصل الى تحقيق الهدف المطلوب الذي يعبر عن ارادة كل السوريين باستقلالية.
Social Links: