السوريون بين سندان الأسد ومطرقة المعارضة الرسمية

السوريون بين سندان الأسد ومطرقة المعارضة الرسمية

زكي الدروبي

بينما أنظار العالم مشدودة إلى شاشات التلفزة تتابع أخبار الانتخابات الأمريكية، وتستمع للمحليين على الفضائيات المختلفة، ينقلون آخر أخبار فرز الأصوات، منتظرين معرفة من هو رب العرش في الولايات المتحدة، كانت قذائف الحقد والإجرام تنهمر على أريحا في محافظة إدلب، لتقتل وتجرح العشرات، منهم طفلة بريئة كانت ذاهبة إلى مدرستها، ولم يرغب نظام الإجرام الأسدي بوصولها فحولها لأشلاء.

 

حين كنت طفلاً كنت أقف على باب منزلي أنظر للأطفال الذاهبين إلى مدارسهم بالصدرية ذات اللون السكري، كنت أحلم باليوم الذي أكبر فيه حتى ألبس مثلهم وأذهب إلى المدرسة، وكان على الأرجح هذا حلم هذه الطفلة البريئة، لكن نظاماً لا يمكن أن توفيه كل معاجم اللغات في العالم حقه لتصف إجرامه، ولا تشفي كل شتائم الأرض، وأكثرها قباحة، غليل المفجوعين بفقدان أحبتهم، لم يسمح لهذه الطفلة بالوصول إلى حلمها، فاستقبلها بقذيفة حاقدة حولتها لأشلاء، ولا أدري كيف ستستطيع أمها المفجوعة أن تتحمل كل هذا الألم.

 

في السنة الثانية للثورة سألتني زوجتي، ماذا ستقول لأبناء صديقك فواز الحراكي الذي استشهد ببدايات الثورة، ماذا ستقول لأمهات الشهداء؟ جلبت لكم الحرية؟ ماذا ستنفعهم بعد فقدان والدهم أو ابنهم؟ هل ستعوضهم هذه الشعارات التي تقولها عن الدولة العادلة دولة المواطنة والمساواة، دولة الديمقراطية وحقوق الإنسان عن فقدان أحبتهم؟ قلت لها يا زوجتي الحبيبة لست قائد عام للثورة السورية، ولم أطلب من الناس الخروج في ثورة، لقد خرج الناس بعفوية، وأنا واحد ممن خرج، وأؤدي دوري الذي أستطيعه في هذه الثورة، ولست مسؤولا عن الانحرافات التي ظهرت وتظهر.

 

اليوم سأقف حائرا بين يدي هذه الأم المفجوعة التي كانت نادمة لأنها أرسلت ابنتها للمدرسة، كانت تعتقد أن القدر سيجنبها هذا المصير المؤلم لو لم تفعل هذا، رغم أنني لست صاحب قرار ولم أكن، ولا أملك سوى هذا القلم لأصرخ بوجه الأنانية والذاتية التي قدمت مصالح الأفراد والأحزاب على مصالح الجماعة السورية، ماذا سأقول لها بعد أن فقدت فلذة كبدها؟ وسأحيل السؤال للسادة القادة الميامين من الدكتور نصر الحريري والأصدقاء في الائتلاف وهيئة المفاوضات، وأقول أصدقاء لأن مشاعر الود والألفة تجمعني مع العديد من الشخصيات الموجودة في الائتلاف وهيئة المفاوضات، لكن الصداقة ومشاعر الود والألفة لا تمنعني من توجيه الانتقاد واللوم لهم ولغيرهم.

 

ماذا سيكون جوابكم على سؤال الأم المفجوعة؟

 

هل ستقولون لها نصحونا بالابتعاد عن الأنانية لكننا وجدنا أنفسنا الأقدر على قيادة دفة هذا المركب، ونظرنا فلم نجد من هو أحق منا بالرياسة والقيادة، فقررنا التوكل على الله، واضطررنا للقبول بهذا المنصب كي نتصدى للأمواج العتية التي تضرب سفينة الثورة؟

 

هل ستقولون لها نصحونا بإبعاد الأجسام الوهمية في الائتلاف والركون إلى أجسام حقيقية، لكننا اضطررنا لتشكيل مجالس خلبية وهمية في المنطقة الشرقية، لأننا مستعجلون من أجل إيجاد إنجاز يرفع معنويات الناس، وكي نستطيع التصدي لممارسات عصابة قنديل في الجزيرة السورية، ولا وقت لدينا لإدخال الأصوات المعارضة التي ستشغلنا بانتقاداتها ؟

 

هل ستقولون لها نصحونا بالاعتماد على الأحزاب الوطنية السورية، ورفض المحاصصة الطائفية، والقومية، فقمنا بالتواصل مع شخصيات تنتمي إلى مذاهب ضمن طوائف ضمن ديانات، لإيجاد ديمقراطية مكونات، وإرضاء الدول التي تطالبنا بتمثيل الأقليات؟ .

 

ماذا ستقول جماعة حزبية حين تقف بين يدي خالقها، وهم من المحافظين المنتمين لتيار الاسلام السياسي، حين يسألها لماذا كذبتم ودافعتم عن الغلط الذي وقع فيه زعيمكم حين هاجم حرية الصحافة وسعى لإسكات صوت معارض وسحب مقالة تنتقده ومؤسسة المعارضة التي ينتمي لها؟.

 

الائتلاف قام بما عليه، وأرسل رسائل إلى الأمم المتحدة والدول الضامنة لاتفاقات آستانا التي يعلن ليلا نهاراً أنه يرفضها، كما رفض سوتشي وسار في اللجنة الدستورية التي أنجزتها متفاخراً بأنه قام بإفراغ سوتشي من مضمونه، واستطاع الظفر بغزوة نقل فيها اللجنة الدستورية إلى جنيف، واستضاف البطل المغوار الذي شارك بسوتشي وكرمه وأصبح عضوا في الائتلاف، وهو بفعلته هذه كمن كرم حافظ الأسد الذي كان وزيراً للدفاع في عام 1967 وخسر المعركة مع العدو الصهيوني واحتل الأخير أراضي سورية، فأصبح رئيساً للجمهورية، واليوم يأتون بمن شارك في سوتشي ويكرموه ليدخلوه عضواً بينهم عن كتلة مكونات ما قبل سياسية عاد نائبها إلى حضن سيده الأسد منذ أيام.

 

الجولاني هذا المجاهد الفذ قام بما عليه أيضاً، فقد مهدت له قذائف مدفعية الأسد غزوة السيطرة على ما تبقى من مقرات عسكرية لأحرار الشام في إدلب، معلناً قرب هيمنته بشكل كامل على إدلب كمحافظة منكوبة بوجوده، وقام قبلها بما يتوجب عليه من تفكيك لمحولات الكهرباء، والسكك الحديدية، والمعامل، وغيرها من المنشآت المختلفة، كي لا يعفشها جنود الأسد، ففي أيام الحرب تصبح الجسور هدفاً استراتيجيا للعدو، بينما القصور مقرات مدنية لا تقصف، لذلك يقوم بتفكيك كل المنشآت الحيوية، ويبيعها خدمة لأغراض الصمود والتصدي، وستصل أصداء معاركه لكل سوريا وسيصل قريباً إلى دمشق، ومن بعدها سيحرر الأقصى، وغداً سيقول وهو على فراش الموت: لقد شهدت مئات الاعتداءات من نظام الأسد والاحتلال الروسي، وانسحبت تكتيكياً من الكثير من المواقع وسلمتها للأسد ، وما من اجتماع الا وتحدثت فيه عن رغبتي الشديدة بتحرير الأقصى، وبنجاح مشروعي في الجهاد ونصرة أهل الشام، ولم أقم بقصف حميميم وبقية المواقع الروسية والإيرانية ردا على الخروقات التي يقومون بها، لا بل ساهمت بزيادة تدمير المدن المحتلة من روسيا والنظام بقصفها مدعياً بأنني قمت بما يتوجب عليَّ وأوجعت الأسد وروسيا .. وها انا أموت على فراشي .. ولن تذكرني الأمة إلا بسيد الجبناء..

 

أنا أيضاً أفرغت جام غضبي، وألمي، وقلة حيلتي، إلا من الكلمة، على كل من أراهم سبباً في نكبة الثورة السورية، وسأنام مرتاح البال قرير العين، فقد قمت بما يتوجب عليَّ، وبقيت الأم المفجوعة بابنتها تعاتب نفسها، “لو لم أرسل طفلتي إلى المدرسة كانت ستنجو”، وبقيت كلمات زوجتي ترن في أذني، ماذا ستقول لأمهات الشهداء؟ فلا نامت أعين الجبناء ..

  • Social Links:

Leave a Reply