الخطبة و”المواجهة” إرث عريق حمله الشيشان معهم إلى الجزيرة السورية

الخطبة و”المواجهة” إرث عريق حمله الشيشان معهم إلى الجزيرة السورية

بثينة الخليل

على بعد حوالي 10 كم من مدينة رأس العين بالحسكة، وعلى الضفة اليسرى لنهر الخابور أحد روافد نهر الفرات تتربع هناك قرية صغيرة اسمها “السفح” بناها “الشيشان” أحد مكونات هذه المدينة الجميلة.المكون هذا وصل  إلى المنطقة حسب بعض المصادر التاريخية في القرن الثامن عشر، بعد تهجير شعوب القوقاز على يد الروس خلال حروبهم مع العثمانيين، في الوقت الذي كانت فيه الجزيرة السورية آنذاك ضمن أراضي الدولة العثمانية.

بنى “الشيشان” عدة قرى لهم في محيط مدينة رأس العين وسموها بأسماء الذين لقوا حتفهم في القوقاز، كما زرعوا نبات الأرزعلى ضفاف نهر الخابور، إضافة لزراعة عدة أراضي في محيط المدينة، أما العربات الخشبية التي تجرها الثيران هم من أدخلوها الى المنطقة.بعض التقارير البريطانية تشير في فترة مابين الحربين أن الشيشان القاطنون في رأس العين، كانوا يمتلكون حوالي 10 آلاف رأس من الأغنام آنذاك، ونحو 500 من الخيول، وينتجون نحو 300 طن من الحبوب سنوياً.

المجتمع “الشيشاني” في رأس العين:

المجتمع الشيشاني ليس استثناء، فهو كباقي المجتمعات الأخرى المتواجدة في المنطقة من حيث تمسكه بإرثه الحضاري العريق، وما يشير لذلك زيهم التقليدي الذي يفخرون به ويربون أبنائهم على احترامه والمحافظة عليه. أما عن طقوس طلب العريس لعروسه، في العرف الشيشاني هي أن  الشابة لاتخرج من منزلها إلا ماندر، لذلك تقوم الخطبة على أسس تقليدية، فمن الممكن أن يصادفها الشاب في إحدى المناسبات، أو أن والدته أو أخته هم من يختارون له عروسه.

عند الاختيار يرسل أهل العريس شابة مقربة من عائلة الشابة التي يودون خطبتها، هذه الشابة تكون مهمتها معرفة رأي العروس بالشاب المتقدم، أي  ما يسمى بـ “المشورة”،لكي يعرفوا ما إذا كان هناك شخص آخر بحياة الشابة أم لا، فإذا كان بحياتها شاب آخر فالمتقدم ينسحب على الفور، لأن العرف الشيشاني يمنع منافسة شخصين على شابة واحدة، أما في حال موافقة الشابة على الشاب المتقدم لها فتطلب مشورة أهلها، وهذا يدل على احترام الشابة لرأي أهلها.

بعد موافقة الشابة يرسل والد الشاب المتقدم عدة نساء من أقربائه لزيارة الشابة التي يريدها، وتسمى بالعرف العام “طلبة النسوان”، فيتم التشاور فيما بينهم حول الموافقة على الخطبة، بعد ذلك تخبرالوالدتان أزواجهم  مادار من الحديث  بينهما.أما في حال رفض الوالد، يحاول الشاب أن يتقدم مرة ومرتين، وفي حال تكرار الرفض، يضطر الشاب أن يغض النظرعن الموضوع، وفي حال الموافقة، يتحدد يوم للخطبة يكون بواسطة عدة نساء مسنات.

في اليوم الذي تُحدد فيه الخطبة يأتون الرجال وبعض الوجهاء إلى بيت العروس لطلبها من والدها بشكل رسمي لقراءة الفاتحة وأداء المهر الرمزي الذي كان عبارة عن مبلغ لا يتجاوز الـ 700 ليرة سورية، ثم ازداد بعد إلى 1500 ليرة سورية ليصبح بعدها 10آلاف ليرة سورية، تحدد بمواد عينية مثل الحنطة.

مراسيم الخطبة

يذهب الرجال في يوم الخطبة لعمل الولائم عند أهل العريس وأهل العروس لإشهار الزواج الذي هو شرط شرعي لديهم، أما الشاب فيتحفظ عن رؤية خطيبته وأهلها، لدرجة أنه لا يشارك الرجال بالخطبة ليبتعد عن رؤية عمه والد خطيبته ووالدتها، إضافة أنه يُمنع من دخول الحي الذي تسكن به خطيبته لطالما أنه لم يتزوجها بعد.

فالعرف عند الشيشان قوي لدرجة أنه إذا صادف العريس والد أو والدة العروس في أي مكان يضطر لتغيير اتجاه سيره، وهذا التصرف يدل على الاحترام الكبيرلأهل العروس. بعد إعلان الخطبة لا يمكن للشاب أن يزور ولا يرى خطيبته وأهلها، بحيث يبقى لفترة غير محددة إلى حين تحديد يوم يسمى بالعرف الشيشاني بـ “المواجهة”.

“مواجهة” العروس

“مواجهة” العروس تعني تلبيستها، وهذا يكون للنساء فقط بحيث يجتمع فيه أقرباء العريس وضيوفهم الذين يمثلوهم باستثناء أمه، فيرسل العريس معهم مبلغ نقدي إضافة لهدية تُقدم للعروس، الأقرباء هنا مهمتهم تقديم المصوغات للعروس أو إهدائها مبلغ من المال.أما بالنسبة لكتب الكتاب فمن الممكن أن يكون مرحلة ما بعد “المواجهة”،  وهذا الشيء يتم بعدم حضور العريس، بحيث يوكل عنه شخص آخر ليقابل والد العروس.

هل من الممكن أن يتزوج “الشيشان” من أقربائهم؟

الشاب الشيشاني أيام زمان ليس من حقه أن يتزوج من ابنة عمه أو عمته، أو ابنة خالته أو خاله، لأنهم يعتبرون أنفسهم من دم واحد كالأخوة، فسبب التزامهم  بعدم الزواج من غيرهم هو بغرض الحفاظ على نسلهم، لأن ليس جميعهم قادرعلى التأقلم مع عاداتهم وتقاليدهم. ومع ستينات القرن الماضي اختلف الأمر قليلا وحطمت القاعدة، فأصبح الزواج ممكناً من الأقارب، وفيما بعد أصبح جائزاً من أبناء العشائر كونهم يعيشون في منطقة واحدة، فعلى الرغم من كسر قاعدة الزواج لديهم من غير الشيشان إلا أنهم ظلوا متمسكين وملتزمين بعاداتهم الخاصة.

  • Social Links:

Leave a Reply