في ميزان المقاطعة (تركيا – فرنسا) والشعوب التي لم تموت

في ميزان المقاطعة (تركيا – فرنسا) والشعوب التي لم تموت

محمود مكادي – الرافد :

منذ طفولتي وأنا استمع إلى دعوات المقاطعة التي كانت قضية فلسطين هي قاسمها المشترك.

كان ما يثير فضولي حينها هو أن مقاطعة بلد بحجم مصر لإحدى منتجات المياه الغازية على سبيل المثال، سيعني بالضرورة توقف إنتاج تلك السلعة في مصر، ما يعني تسريح مئات من العمالة المصرية التي تكسب قوت يومها من تلك المصانع.

هل المقاطعة علامة من علامات استيقاظ الشعوب، وأنها لازالت تعافر ولم تمت بعد؟

فسواء كانت المقاطعة لشركه بعينها بسبب سياسات إنفاقها (كالتبرع لإحدى المؤسسات المعادية للإسلام أو دعم الصهيونية) أو عدم اهتمامها بالبيئة.

أو مقاطعة منتجات بلدان بالكامل كما هو الحال في الدعوات الأخيرة تجاه تركيا وفرنسا بدعوى ( دعم الأولى للإسلاميين ودعم الثانية لرسوم مهينه للرسول نشرت في إحدى الصحف واعتبرها رئيس الوزراء حرية رأي وتعبير).

هل يلعب الكل دوره في المقاطعة؟

من حق الشخصيات العامة أن تدعو شعوبها للمقاطعة اعتراضاً على مواقف ما أو لدعم مواقف آخر .

من حق الشعوب الاستجابة لتلك الدعوات إن رأت أنها عادلة.

من حق الحكومات أن تستغل ذلك سياسياً وتخدم بهذا مصالح بلدانها .

المقاطعة بين تركيا وفرنسا :

كان من الواجب ببلد بحجم مصر، وقبل حتى إطلاق شرارة مقاطعة المنتجات التركية عربياً منذ سنوات من الآن، أن تدخل على الخط، وتنافس منتجات الملابس التركية من خلال المدينة الحرة (بورسعيد) تحديداً، لأنها قادرة على ذلك ومطله على الموانئ، وقادرة على التصدير للخارج، إلا أن ذلك لم يحدث بالشكل الكافي .

واقتصادياً، حتى وإن نجحت دعوات المقاطعة سواء (للمنتج التركي أو الفرنسي)، فإن التجربة قد لا تنجح كلياً، لأن هناك صناعات جديدة قد تدخل على هذا الخط. في غالب الظن سوف تكون الصين بديلاً عن المنتج المحلي الذي كان يجب أن يكون بديل عن المنتج التركي والفرنسي.

أعداء المقاطعة :

ينقسم أعداء المقاطعة تاريخياً إلى عدة أنواع وليس قالب ثابت :

النوع الأول : يعتقد نفسه موضوعي، ويبحث عن المصلحة، من منطلق أن الشعوب ليست جاهزة بعد لتلك الخطوات، أو أنها أصلاً دعوات غير عادلة، وربما تكون مغرضة.

النوع الثاني : ينظر إلى دعوات المقاطعة في المطلق، بمنطق المؤامرة على الآخر، وإن كانت هناك دعوة لمقاطعة السياحة في فرنسا، فإن بديلها قد يكون تركيا التي تتهم بتمويل الإرهاب في بلدان عربية عديدة.

النوع الثالث: أننا غير مستعدين اقتصادياً، وأن مقاطعة منتج ما، خاصة إن كان له مصنع أو شركة في بلد الدعوة إلى المقاطعة، قد يعني تسريح المئات من العمال، ما يعني تزايد العبء الاقتصادي.

لأعداء المقاطعة رأيا وجيهاً لا يمكن إغفاله ووضعه في الاعتبار.

ولأنصارها أيضاً رأياً لا يقل وجاهة من وجهة نظرهم، ولهم أطروحات وتفنيدات خاصة بقناعاتهم الفكرية.

أولاً : لا يمكن وصم شعب من الشعوب أنه غير جاهز في عقله الجمعي للدفاع عن مصالحه بتلك الوسيلة السلمية، وهي إسقاط إحدى المنتجات التي تخدم أرباحها مصالح ضد مصالحه.

ثانياً : نظرية المؤامرة والحديث بأريحية بعيداً عن تفاصيلها المغلقة، ليس لأننا في مجتمع ملائكي، فربما يكون جزء من النفخ في نار المقاطعة هو مصالح متقاطعة من أطراف عدة، وليس بالضرورة أن تكون تلك المصالح دائمة، بل إن السياسة علمتنا أن لا أعداء دائمين، ولا حلفاء دائمين، فليكن السؤال أين مصلحة وطني أو مؤسستي.

ثالثاً : ما تظنه هنا عبئاً قد يكون ميزة، وإضافة للسوق المحلي، فقد يكون إغلاق براند ما لأسباب سياسية أو اقتصادية نتاج لمواقف مشينة ارتكبها ذلك البلد أو تلك الشركة في حق مواطنين (بلد المقاطعة) فرصة أكثر من كونه تهديد حال قيام ذلك المجتمع بطرح بديل سريع لسقوط ذلك المنتج، فيكون الدرس هنا اثنان وهذا ممكن وليس مستحيل بل إن أغلب شركات العالم كان من أسباب قيامها هو ركود أمثالها.

ولكن هل هناك دروس لبلورة الاستفادة من الدعوات الشعبية للمقاطعة.

هل تستطيع بلدان شمال افريقيا (مصر – المغرب – تونس ) من التهام السياحة الخليجية حال نجحت دعوات المقاطعة تجاه تركيا؟ أم ستذهب تلك السياحة كتلة واحدة إلى بلدان أوروبا كفرنسا واسبانيا وانجلترا مثلاً؟.

هل تستطيع الدول الكبيرة في المنطقة العربية والشرق الأوسطية كمصر والجزائر من التهام سوق الملابس التركي؟ أم ستحظو ايران مثلاً بالقدر الأكبر منه رغم العقوبات الامريكية؟.

هل هناك تكنيك ما لمحاولة حصد أكبر قدر من الأرباح الاقتصادية؟ وفرص تشغيل الشباب، حال نجاح دعوات المقاطعة لفرنسا، من خلال الدفع بصناعات شبيهة للصناعات الفرنسية؟ أم سيترك السوق مفتوح أمام الأتراك والصينيين؟ .

هل تستطيع الإمارات الاستحواذ على سوق العطور الفرنسي في الشرق الأوسط كبديل لمقاطعة المنتجات الفرنسية؟ أم سيكون نصيب الأسد لصالح تركيا.

وعلي التوالي من تلك الأمثلة والأطروحات المقدمة، والاعتراضات، والموافقات على دعوات المقاطعة تجاه تركيا وفرنسا، هناك عشرات البدائل والخيارات الأخرى .

ولكن ما قد يبقى الأهم حلحلة الأوضاع، وبناء دور قوي للشعوب في التعبير عن نفسها، سواء غضباً من الدور التركي المزعوم من جماعة الإخوان المسلمين، أو جماعات الإسلام السياسي بشكل عام في المنطقة, أو دعم الحكومة الفرنسية للرسوم المسيئة للرسول تحت حجة حرية الرأي والتعبير.

ورغم كل ما مضى فالموقف الأكثر عقلانية ومنطقية وموضوعية هو موقف شيخ الأزهر الشريف (الامام الطيب ), حين أعلن في ذكرى مولد سيدنا رسول الله إطلاق موقع عالمي بكل اللغات لنشر تعاليم الاسلام.

فهو هنا لم يكتفي فقط ببناء خط دفاع تجاه رسول الله أو الاعتراض على ما تعرض له الرسول من إهانات بل سيعظم من دور الأزهر في نشر صورة الاسلام وعدم ربطه بالإرهاب.

وعلي كل حال فكل ما ينتج من الشعوب ويدلل على أنها لم تمت يعد خطوة إيجابية تستحق التحية والتقدير.

  • Social Links:

Leave a Reply