المناضل منصور أتاسي يتجدد الوداع – محمود عيسى

المناضل منصور أتاسي يتجدد الوداع – محمود عيسى

المناضل منصور أتاسي يتجدد الوداع

في أواخر الثمانينات، انتقلتُ إلى التخفي في حمص، وكان الاحتكاك مع الرفاق الشيوعيين في المدينة والريف، وكان اسم «أبو مطيع» يتردد كثيراً في أوساط الشيوعيين، منهم من كان يؤديه ومنهم من كان ينتقده!

كان اللقاء الأول في قرية «الحراكي» في ريف حمص الشرقي، في منزل علي ربيع «أبو محمد»، كان معه بعض رفاقه ماهر الجاجة، ورعد وغانم.

كانت هويتي التنظيمية وموقفي السياسي المعارض غير معروفة، إلا للصديق كاسر السالم، الذي كان عضواً في اتحاد الشباب الديمقراطي، في البداية أحتّد اللقاء واختلفنا لأن الرفيق أبو مطيع، ومن معه كانوا يدافعون عن التحالف الاستراتيجي مع النظام عبر «الجبهة الوطنية التقدمية»!

وكانت المفاجأة عندما حضرنا لقاءً في قاعة «سامي الدروبي» لنقاش الوثائق الصادرة عن المؤتمر للحزب الشيوعي السوري الموحد. كان حديثنا مختلف عن السائد، وغردّنا خارج السرب، رداً على كلام عضو المكتب السياسي آنذاك «أنس قسّام» عن أهمية حمص النابعة من وجود معتقلين سياسيين في كل حيٍ وشارع، وليس لوجود فريقي كرة القدم «الكرامة» و «الوثبة» وظرافة الحمامصة فقط كما قال القسام! عندها ألغوا طرح الأسئلة شفاهياً وطلبوا تلقي الأسئلة مكتوبةً فقط، وخشية أن تأتي دورية الأمن، غادرت مع رفيقي «أبو هادي» قاعة سامي الدروبي، وكان في الباب «أبو مطيع» وبصوته الجهوري وضحكته الهادرة قال: «أسرعوا»، قبل أن تأتي الدورية!

كان اللقاء الثالث في أوائل الألفية الثالثة بعد خروجنا من السجن في مكتب «اللجنة الوطنية لوحدة الشيوعيين» في حي الميدان بحمص، وقد حاول جاداً تقديم بعض المساعدة للخارجين من السجن السياسي وتأمين فرص عملٍ، وكان رهان الرفيق منصور ما زال معقوداً على إمكانية التطوير من داخل النظام، وخاض «انتخابات» مجلس الشعب، كمستقلٍ، وشكلت تلك الخطوة ونتائجها قطعاً لديه على تلك الرهانات والتوجهات وأخذ يراجع مواقفه السابقة وينتقدها وينتقد الأحزاب الشيوعية التقليدية التي برعت في

تلميع صورة النظام وسيطرة البرجوازية وقطعت مع مصالح من تدعي تمثيلهم من العمال والفقراء!

ولكن سرعان ما نشب الخلاف مع الحليف في «اللجنة الوطنية لوحدة الشيوعيين» وذهب الرفيق «منصور» إلى تشكيل «هيئة الشيوعيين السوريين». وفتح حواراً مع مجموعةٍ من القوى اليسارية وشارك في تأسيس حركة «تيم» تجمع اليسار الماركسي، وفتح الرفيق «أبو مطيع» منزله كصالونٍ مفتوح لاستقبال المحاورين واللقاءات لـ «تيم» وغيرها من لقاءات العمل الوطني المعارض!

ثورة أذار عام 2011

مع انطلاق ثورات الربيع العربي وتضامن السوريين وتلهفهم لانطلاق ثورتهم، لم يتردّد «أبو مطيع» في الانخراط في الثورة ودعمها على عكس الشيوعيين التقليديين الذين اصطفوا مع النظام. جرى اجتماع في مكتب المهندس «أبو بكر»، في جورة الشياح بحضور ممثلي لجنة العمل الوطني بحمص، وجرى آنذاك وضع خطة عملٍ على مستوى محافظة حمص، ورغم اعتراض البعض، جرى تكليفي أنا والدكتور «صفوان طيفور» أبو سامي من أجل الاتصال مع «تيم» ومع المناضل منصور أتاسي والدكتور نايف سلوم، من أجل التنسيق والتواصل اليومي، بعد انطلاق ثورة السوريين من أجل الحرية والكرامة! واستمرت لقاءاتنا شبه اليومية حتى اعتقالي بسبب تغطيتي اعتصام حمص التاريخي الأول والأخير في الثورة السورية في 18/4/ 2011! وتجدد لقاءنا بعد خروجي من السجن في 31/5/ 2011.

وفي أحد الأيام، كان الموعد في بيت الرفيق منصور، أخطأت في الوصول إلى بيت «أبو مطيع» في حي الانشاءات، فكانت دورية الأمن تنتظرنا قرب البيت، وتحدثت معه، فجاء بسيارته وصعدت على إشارة المرور، واستمرت السيارة المرافقة في السير وراءنا، سار «أبو مطيع» بنا في طرق ملتويةٍ أنهينا العمل المشترك، ونزلت بنفس الطريقة!

وشارك الرفيق أبو مطيع في المجلس الوطني الأول لهيئة التنسيق في حلبون في 17/9/2011، بلاءاتها الثلاث، وانتحب عضواً في المكتب التنفيذي، ممثلاً لـ «تيم»! وبقي فيها حتى انسحابه منها في 17/ 9/ 2012!

وأعتقل الرفيق في أوائل الشهر العاشر 2012 وبقي حوالي شهراً ونصف في المعتقل، اضطر لمغادرة حمص والسكن في دمشق، حيث فتح منزله في «عين كرش»، لاستقبال رفاقه وعقد الاجتماعات، حيث عقد فيه لقاءٌ لـ «تيم» حضره الرفيق عبد العزيز الخيّر!

ثم اضطر بعدها إلى مغادرة البلاد، لينضم إلى ملايين السوريين الفارين من جحيم الحرب والدمار والاعتقال، سنيناً من الهجرة القسرية والاغتراب والنضال في المنافي وعيناه على سوريا وحمص التي غادرهما على أمل العودة اليهما. وكان قد أسس مع رفاقه حزب اليسار الديمقراطي، وهو النشيط، الذي ما أنفك يجري الاتصالات مع السوريين في الخارج والداخل، نفتقده ويفتقده كل السوريين الذين كانوا ينتظرون ندوته الأسبوعية في إسطنبول ويفتقده رفاقه وأصدقائه في الداخل.

لكنه الموت، قد وضع حداً لمسيرة مناضلٍ تختلف معه أحياناً لكنك لا تستطيع إلا أن تحترمه، وسنبقى نتذكره طويلاً ونكمل مع رفاقه الحلم الذي ضحّى لأجله الرفيق منصور كثيراً!

محمود عيسى

  • Social Links:

Leave a Reply