فاضل عبود التميمي _ القدس العربي
تسعى هذه المقالة إلى إلقاء الضوء على كتاب «سَغْبُ العواطف» جمع وتقديم، وتحرير لقاء موسى الساعدي الذي صدر عن دار الرافدين بيروت ـ 2020، وهو معني بتقديم رسائل الناقد العراقي علي جواد الطاهر (1996) إلى القارئ تلك التي كان قد بعثها إلى زوجته من بيروت، ودمشق، والجزائر، وصنعاء، وبراغ.
بدءا لا بد من الوقوف عند عنوان الكتاب «سَغْبُ العواطف» بوصفه أحد موجهات التلقي، فسَغَبَ: جاع، والسَغْبُ: الجوع، فكأن العنوان أرد أن يقول إن رسائل (الطاهر) بما حوت من جوع عاطفي أبداه المرسل كانت تتطابق وحاله، وقد ذكرت السيدة جامعة الرسائل أن الطاهر في إحدى رسائله أشار إلى لحظات فراق زوجته وبيته، جامعا بين تلك اللحظات و(السَغْب العاطفي) للإشارة على ما في روحه من سَغْب عاطفي تجاه عائلته، والوصف من مبتكراته، وقد ذكر ذلك في إحدى الرسائل: (ولا أدري لم حضرتني كلمة السَغْب بالذات، إنها لغويا وبلاغيا في غير مكانها، ولكنها فرضت نفسها، ولعلها أفصح ما في اللغة، وأبلغ من البلاغة) وهكذا فرضت العبارة شكلها المجازي ثانية على جامعة الرسائل، لما لها من إيقاع دلالي، ونفسي سيفرض سلطته ثالثة على متلقي الكتاب.
بُني الكتاب من مقدمة، ومتن، وملحق، كانت المقدمة من نصيب جامعة الرسائل، فهي ضرورية لفهم طبيعة الرسائل، وظروف كتابتها، ومقاصدها، وقد ظهر لقارئ الرسائل أن الطاهر كان يكتبها، كي يحتمي بالكتابة التي يفرغ من خلالها هموما كانت ساكنة في قلبه، وقد أشارت محررة الكتاب إلى أن الرسائل كانت أكثر فنون التعبير التصاقا بالروح الإنسانية، وتعبيرا عنها، فضلا عن إشارتها إلى ندرة الدراسات الخاصة عنها، فهي وثائق أدبية تشهد على عصر كتابها وطرائق تفكيرهم، واتصالهم بالآخر، وقد وَجَدتْ السيدة جامعة النصوص، أن وقوفها عند رسائل (الطاهر) أتاح لها أن تسأل: هل للشخصية البشرية أكثر من بعد واحد؟ لقد أجلتْ الإجابة لأنها تعتقد أن قراءة الرسائل، وتحليلها كفيلة بأن تعطي القارئ ما وراء الصورة النمطية المرسومة لشخصية مدون الرسائل، ولاسيما حين يكون متجهما وجادا.
لقد قرأتُ الرسائل، وأسقطتُ عليها معرفتي الخاصة بالطاهر فقد كنت محظوظا بالدراسة على يديه في مرحلة الدكتوراه سنة دراسية كاملة في مكتبة بيته مع زملاء لي، وأتاحت لي قراءة الرسائل، ومعرفتي به عن قرب أن أقول، إن خلف تلك الصورة تكمن عواطف إنسان يصعب الإحاطة بها، لما فيها من روح عطرة، وأبوة حانية، ومزايا لا يمكن للمرء الإمساك بها، إلا حين يقترب من الطاهر، وهذا ما يؤكده مضمون الرسائل التي ظهر فيها أبا حريصا على عائلته، متعلقا بأطفاله، وللقارئ أن يقف أمام رسالته التي كتبها بتاريخ 10/ 9/ 1960، يقول فيها (لقد كان وجهك آخر ما رأيت في معالم بغداد، رأيته وأنا في الطيارة، فكان خير غذاء، وخير معين على السفر) كي يكتشف مقدار الحب الذي كان يحمله لزوجة كان يسميها: العبقرية الزوجية، والقرين الصالح كناية عن وفائها، وقدرتها على إدارة شؤون العائلة.
كانت رسائل الطاهر مرسلة إلى زوجته، ولما كبر الأولاد صاروا شركاء أمهم في الخطاب، وهي رسائل غربة الطاهر في حضور المؤتمرات، أو السفرات الثقافية، أو الغيبة الطويلة حين كان أستاذا، أو متعاقدا للعمل في الجزائر، أو مسافرا للعلاج، وكان فيها منظما كما هو في كتابة مقالاته، وبحوثه، ومحاضراته.
وتحكي السيدة الساعدي حكايتها مع رسائل الطاهر التي وقعت عليها بعد وفاة زوجته – والساعدي جزء من بيت الطاهر كونها زوجة (أربد) الابن الأصغر للعائلة – فتقول: إنها كُتبت بأسلوب باهر، وصياغة متقنة، وتدفق في العاطفة حتى عدتها جزءا من إرث الناقد، وهي على حق؛ لأنها تكشف جانبا مهما من سلوك المثقف العراقي، وقد اتسم بالنزاهة، والتطابق بين التصور والفعل، فكان قرار نشرها.
كان الطاهر يتأنقُ في رسائله كما يتأنق العاشق حين يكتب لمعشوقته، كتب مرة يقول (وأستأنفُ النوم وأستيقظُ، وسرني أن أرى النجوم في آخر شوطها، وآنستني خيوطٌ في الصباح، وبدأتُ أعد عدتي لمغادرة الغرفة) ويخاطب زوجته في رسالة أخرى وفيها يتجلى أسلوبه المعروف (لم أنسك لحظة على اختلاف في الشدة واللين، وعلى مدى عوامل التذكر التي تعرفينها، وهي مبثوثة في كل مكان).
كانت رسائل الطاهر مرسلة إلى زوجته، ولما كبر الأولاد صاروا شركاء أمهم في الخطاب، وهي رسائل غربة الطاهر في حضور المؤتمرات، أو السفرات الثقافية، أو الغيبة الطويلة حين كان أستاذا، أو متعاقدا للعمل في الجزائر، أو مسافرا للعلاج، وكان فيها منظما كما هو في كتابة مقالاته، وبحوثه، ومحاضراته.
كان استهلال تلك الرسائل مختلفا، منها ما هو سردي خالص، نحو رسالة الجمعة في 3/ 7/ 1959التي استرجع فيها لحظات وداعه للعائلة في بغداد، ومنها ما كان وصفا لحاله، ومن الرسائل ما كان بلا استهلال، ومنها ما كان الاستهلال فيها سؤالا موجها إلى زوجته، أو استهلالا عاطفيا يكشف عن معاناة الرجل في الغربة، ويبدو لي أن من يتحكم في طبيعة الاستهلال الحالة النفسية فحسب.
وتكشف مضامين الرسائل تفاصيل حياته في الغربة، فقد كان حريصا على سرد كل شيء يواجهه هناك، فمن مضامين رسائله مضمون مهم لرسالة بعثها من الجزائر يوم عين أستاذا في جامعة قسنطينة؛ معهد الآداب والثقافة العربية في عام 1978 يصف فيها طقس المدينة المثلج، على الرغم من سطوع الشمس، ويصف قسنطينة بأنها جميلة ومعقدة الشكل على وضع لم ير له مثيلا، والناس فيها طيبون، وكان لطلبته القدماء الذين درسهم في بغداد أثر كبير في إسعاده.
ولعل إحدى رسائله المرسلة ردا على رسالة طفله (رائد) وقد كتب ضاد (أيضا) ظاء تكشف عن دوره التربوي والنقدي مع أقرب الناس إليه، وكان للرسائل شكلها المختلف أيضا منها البرقي القصير جدا، ومنها متوسط الطول والطويلة، لعل ذلك يرد إلى مضامينها التي تفرض شكلا خاصا بها.
وفي متن الكتاب تعثر على اعترافات للطاهر وهو يزجي بعواطفه لمن يحب، ففي رسالة 12/ 9/1963 يعترف بعبقرية الزوجة من خلال ملازمته لها، واعترافه أنها كانت تشكل الثقل الأكبر في البيت، وبعد سبعة أيام من كتابة تلك الرسالة يكتب الأخرى وفيها يبيح بأنه لا يهمه الموت، ولكن وقعه سيكون شديدا على الزوجة والأولاد، مبديا رغبته برؤيتهم، لقد كتب تلك الكلمات وهو يحمل إحساسا بالنهاية في فندق بعيد.
وتكشف خواتيم الرسائل شكلا آخر من أشكال العناية التي كان يبديها الطاهر في تدبيج الرسائل والعناية بشكلها؛ منها الخواتيم السردية التي يحكي فيها موقفا ود الإشارة إليه، ومنها خواتيم الملاحظات، فضلا عن خواتيم التذكير وغيرها، أما ملحق الكتاب فقد تضمن صورا للرسائل زادت من ثقة القارئ بمصداقيتها، فضلا عن صور أخرى للطاهر وأسرته لها قيمة توثيقية كبرى كونها تنشر أول مرة.
بقي علي أن أشير إلى أن جهد السيدة الساعدي في جمع الرسائل وتحريرها والتقديم لها، وإخراجها للعلن بين دفتي كتاب، والتعليق عليها بهوامش مهمة كان عملا كبيرا، فلولا تلك الهوامش لم أكن أعرف من قراءة الرسائل أن أبا أسعد هو أ. جواد علوش، وأن أبا أريج هو د. إبراهيم السامرائي، وغيرهما كثير.

Social Links: