الفلسفة وقضايا التخلف والنهوض في الوطن العربي ج (2)

الفلسفة وقضايا التخلف والنهوض في الوطن العربي ج (2)

غازي الصوراني _ الحوار المتمدن

صحيح ان هناك عوامل خارجية وظروف موضوعية، أدت إلى مراكمة وتكريس أوضاع التخلف والاستتباع، إلا أننا لا يمكن أن نتجاوز العوامل الذاتية العربية من حيث غيابها وقصورها وعجزها، ارتباطاً بالمصالح الطبقية الانتهازية، ودورها الرئيسي في وصول مجتمعاتنا وبلداننا إلى هذه الدرجة من الخضوع والتخلف المعرفي والمجتمعي، الذي حال دون ظهور أي فيلسوف عربي بعد ابن رشد، في مقابل نهوض أوروبا المعرفي والمجتمعي، رغم تخلف وظلام القرون الوسطى، عبر مئات الفلاسفة والمفكرين والعلماء الذين صنعوا معالم نهضتها .

ففي كل عصر من عصور أوروبا في سياق تطورها التاريخي الاجتماعي والاقتصادي، ظهر فلاسفتها الذين قدموا لأوروبا والبشريه رؤى فلسفية وأفكاراً لم تجسد فحسب حالة من التنوع والترابط المعرفي مع فلسفات طاليس وفيثاغورث وهيراقليطس وسقراط وأرسطو قبل الميلاد، بل أيضاً جسدت إبداعاً فلسفياً نجح بصورة مذهلة في تشخيص الواقع الاجتماعي الثقافي الذي عاشوه، وكأن الروح المطلقة –كما يقول هيجل- تجسدت في تاريخ الفلسفة في أوروبا منذ فلاسفة الاغريق مروراً بفلاسفة العصور الوسطى، وصولاً إلى الإشراقات الأولى لعصر النهضة وما تلاها من فلسفات عظيمة قدمها بيكون وديكارت وكانط وسبينوزا وهيجل وجون لوك واوجست كونت ومونتسكيو وروسو وفولتير وديدرو وسنتيانا ووليم جيمس وماركس ودوركايم وماكس فيبر وشوبنهاور ونيتشه وداروين واينتشتينولوكاتش ودريدا وفوكو وماركيوزه وهابرماس وغيرهم، علاوة على صياغتهم للرؤى المستقبلية التي حددت طريق النهوض الأوروبي الحديث والمعاصر الممتد حتى اللحظة.

فقد عرفت أوروبا في كل عصر “ظهور فيلسوف كبير يجسّد العقلانية الفلسفية في شخصه، وفي كل مرة –كما يقول هاشم صالح-” كانت العقلانية تصعد درجة إضافية وتنضج أكثر فأكثر حتى وصل النضج إلى ذروته في فلسفة هيغل نفسه. وبالطبع فقد كان يعتقد بأن الروح المطلقة تجسدت في شخصه على أفضل صيغة. أما ديكارت، فهو مدشن الحداثة الفلسفية أو الفلسفة الحديثة في القرن السابع عشر، التي أسدلت الستار على فلسفة العصور الوسطى الرجعيه، وقدمت للبشرية عموماً وأوروبا خصوصاً، الأفكار والمفاهيم الابداعية التي وفرت كافة الأسس المعرفية لعصر النهضة”([6]).

وهنا أشير إلى أن قيم التنوير لا يمكن استيرادها من التجربة الأوروبيّة –كما تقول المفكرة الجزائريه د.خديجة زنتيلي-، ” فبالإمكان الاستفادة بشكل كبير من مشروع التنوير الأوروبي، ولكن في المقابل لا يمكن تطبيق هذه التجربة جملة وتفصيلا على المجتمع العربي، لأنّه “ينبغي أن نعاني التنوير من الداخل” على حدّ تعبير هاشم صالح في كتابه “الانسداد التاريخي”، ينبغي أن ينبع من أعماقنا ومن قناعاتنا.

فقد فشل مشروع التنوير العربي وانقلب على أعقابه، لأنه أخفق في بناء خطاب عقلاني يواصل البدء، ولأنه انكفأ على الذات الماضويّة مرّة، وارتمى في أحضان الآخر مرة أخرى، إنّه مُني بالإخفاق لأن قيم التنوير لم تنتصر في مجتمعاتنا العربيّة والإسلاميّة، وبقيت اليقينيّات المطلقة هي السائدة مما فاقـم الأزمة”([7])، وكل هذه اليقينيات تُعَبرِّ عن المصالح الطبقية الرأسمالية سواء كانت في إطار الأنظمة الحاكمة أو في حركات الإسلام السياسي، باعتبارها أحد أهم الأسباب الرئيسه في إجهاض مشروع النهضة والتنوير العربي.

وهذا يقودنا إلى الوقوف أمام رفض معظم الأنظمة العربية راهناً لتدريس الفلسفة عموماً والفلسفة الحديثة خصوصاً، وهو رفض يستجيب للمصالح الطبقية في تلك الأنظمة، علاوة على أنه رفض لا يتقاطع ويتفق مع رفض الغزالي لفلسفة ابن رشد فحسب، بل أيضاً رفض يلتقي ويتطابق مع التيارات السلفية([8]) الرجعية بدءاً من الحركة الوهابية([9]) إلى الإخوان المسلمين وصولاً إلى مختلف الحركات السلفية المنغلقة والمعادية لمجمل الفلسفات العقلانية والعلمية الحديثة والمعاصرة.

إن انحيازي المعرفي لإبن رشد أو لغيره من فلاسفتنا القدماء أمثال الكندي والخوارزمي والفارابي والرازي وابن سينا الذين تميزوا باستنارتهم العقلانية والدينية، وهم بلا شك أحد العلامات المضيئة في تراثنا التاريخي، هو انحياز للتفكير العقلاني الحر القائم على احترام الرأي والرأي الآخر.

لكن، لابد من الاقرار بأن الجوانب الايجابيه لفلسفتهم ارتبطت بالمرحلة التي عاشوها، ما يعني التنبيه إلى ضرورة استشعار القطيعة التي تفصل بيننا وبين فلاسفتنا القدماء، فظروفهم –كما يقول بحق هاشم صالح- غير ظروفنا، ومرجعياتهم غير مرجعياتنا، وهمومهم غير همومنا، ومصطلحاتهم غير مصطلحاتنا، “والواقع أننا إذا لم نعِ مفهوم القطيعة الإبستمولوجية (المعرفيه) في التاريخ، فلا يمكننا أن نتقدم إلى الأمام خطوة واحدة، ولا ان نحل مشاكل الحاضر، وسوف نظل أسرى الماضي ومسجونين فيه أو منغلقين داخله.

هذا لا يعني بالطبع أنه لا شيء يربطنا بمفكري الماضي أو أن دراستهم باطلة وغير مفيدة، على العكس، وإنما ينبغي أن نفهم المسافة الزمنية والإبيستمولوجية التي تفصلنا عنهم من خلال دراستنا العلمية الدقيقة لهم، لذا ينبغي أن نعرف كيفية الانفصال والاتصال في آن معاً “([10]).

بناء على ذلك أقول بوضوح: لاشيء يمنعنا أن نربط ممارستنا بالأفكار الفلسفية العقلانية التنويرية التقدمية عموماً، والماركسية ومنهجها العلمي خصوصاً، سواء في صراعنا وتناقضنا الرئيسي التناحري مع العدو الصهيوني الامبريالي من جهة، وفي صراعنا وتناقضنا الرئيسي السياسي مع العدو الطبقي المتمثل في أنظمة الاستغلال والتبعية([11]) والاستبداد والتخلف الحاكمة في بلادنا، ومراكمة عوامل النضال الشعبي المعبر عن مصالح ومستقبل جماهير العمال والفلاحين الفقراء وكل المضطهدين، على طريق تحقيق أهداف الثورة الوطنية الديمقراطية بآفاقها الاشتراكية، التي تكفل تحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، في إطار التطبيق الخلاق لمفاهيم الحرية والمواطنة والمساواة بين الجميع في الحقوق والواجبات، بحيث تشكل هذه الرؤية نقيضاً ثورياً للحالة الراهنة السائدة في مجتمعاتنا العربية التي تعيش اليوم رهينة لطغيانين، الطغيان السياسي، والطغيان الفكري أو الثقافي بشقيه في الانظمة المستبدة الحاكمة أو في إطار الحركات الاسلاموية السلفية المنغلقه، إذ ان هذا الطغيان يقتل حرية الفرد من خلال ربط الحقيقة الموضوعية بالسلطة الحاكمة أو بالعقيده لدى الحركات الاسلاموية، ومن ثم تشويه الحقيقة واحتكارها وتسخيرها لحساب مصالح الانظمة الحاكمة أو الحركات الاسلاموية، لترويج أفكارها النقيضة للحرية الفردية وللعقل والمعارف الديمقراطية الانسانية.

“فالتخلف الفلسفي في الوطن العربي اليوم، ليس مجرد انعكاس ميكانيكي لسمة التخلف في المجتمع العربي المعاصر، وانما له اسبابه النابعة من خصوصية تركيبته الاجتماعية وخصوصية تبعيته للغرب الرأسمالي، وتحديداً فان هذا التخلف يتعلق بنيوياً بطبيعة كل من الدولة والبناء الطبقي في الوطن العربي، بالاضافة إلى كثافة الأنشطة الامبريالية الثقافية والاعلامية الموجهة صوبه، فهذه العوامل تعمد إلى تحويل الانتلجنسيا العربية إلى مجرد كمبرادور فكري وظيفته نقل انساق فكرية مصطنعة من الغرب إلى الوطن العربي، من أجل تعميق التبعية وادامتها، وتعمد إلى الحيلولة دون ظهور انتلجنسيا خلاقة، منتجة للفكر وقادرة على قيادة الأمة على درب النهوض الحضاري”([12]).

وبالتالي فإن الحفر في العقل العربي وفي واقعه المعاصر المرير، الذي طال أمده، -كما تضيف د. خديجة زنتيلي-“هو أكثر من ملّح وضروري، أملا في خلخلة المفاهيم السائدة عنه، وبغية المشاركة في الحضارة العالميّة بوصفنا شركاء فعليين في صنع القرار لا تابعين فقط، فعلى الرغم من الإقرار بأن الواقع العربي اليوم يعيش أسوأ أيامه بسبب خيباته المتكرّرة على مختلف الأصعدة، إلاّ أنّه بالإمكان التخفيف من غلواء التشاؤم إذا تمّ ركوب موجة الإطاحة باليقينيّات الباليّة، وتمّ الاسترشاد بنور العقل والتفكير”([13]).

ذلك إن تعميم الفلسفة في بلادنا العربية، وفق تصور يقوم على وضوح الكفايات المستهدفة وجودة النتائج المتحققة يُعتبر رهاناً جوهرياً من رهانات الدّيمقراطية والحداثة، إذ أنَّ”الفلسفة أداة فعاّلة للتثقيف الشعبي (وقبل ذلك في المدارس والجامعات)، وهي تفرز لدى الشعوب نخبَ التنوير وتمثل إحدى الدّعامات الأساسية للعقل التواصلي، وتساعد على إنتاج القيادات الفكرية والميدانية الحكيمة، وهي فضلا عن ذلك، تنمّي قدرة المواطنين على الحوار التفاعلي والتفكير التشاركي، على نحو ما كان يفعل أبو الفلسفة سقراط”([14]).

إن دعوتنا إلى دراسة الفلسفة وتدريسها في مدارسنا وجامعاتنا، هي دعوة تستهدف التمهيد لولادة الخطوة الأولى على طريق بلورة الوعي الذاتي الموضوعي العقلاني الديمقراطي والثوري المطلوب لحماية الذات العربية وتميكنها من توفر سبل النضال من أجل تجسيد عناصر ومفاهيم ومقومات الحداثة من أجل تحقيق مفاهيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمواصلة في إطار عملية النهوض الثوري التحرري والديمقراطي وفق منظور طبقي تقدمي كشرط يوفر عوامل انتصار الثورات الشعبية في بلادنا وديمومتها.

فالثورة في الفلسفة العقلانية التقدمية، هي “أساس ومنطلق رئيسي من أسس التفكير الفلسفي، فلا تطور في الفلسفة دون ثورة، ولا تغيير دونها، ولا حرية إلا معها، ولا إنسانية عميقه إلا في حضورها، وبالتالي فإن الثورة التي تقصدها الفلسفة التي ندعو إليها هي ثورة فكرية عميقه تضع القيم الإنسانية ومبادئها موضع مساءلة وتفكير، وتُشَرِّح الواقع بكل ما يرزح تحته”([15]) من استعمار واحتلال واستغلال واستبداد وصراع طائفي أو مذهبي عنيف ودموي إلى جانب ازاحة كل مظاهر التخلف والتبعية، فالثورة تستهدف تغيير وإزالة هذه الأوضاع لكي تؤسس للجديد الذي يولد من احشائها بلباس فلسفي يحمل في ثناياه أو جوهره رؤية ورسالة معرفيه تقدمية وديمقراطية نستنبط منها برامج التغيير السياسي والاقتصادي التنموي الذي يكفل تحقيق الديموقراطية والعدالة الاجتماعية بآفاقها الاشتراكية.

وعلى هذا الطريق أقدم هذا الكتاب كإسهام متواضع، يستهدف توضيح وتعميق بعض المفاهيم الفلسفية التي عبَّرعنها الفلاسفة طوال التاريخ البشري، القديم والحديث والمعاصر، آملاً ان تتحقق بعض الفائدة للباحثين وطلاب المعرفه الفلسفية ولكل من يتطلّع ويعمل على تغيير الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي العربي من حالة التبعية والتخلف والاستبداد الراهنة إلى حالة النهوض السياسي الديمقراطي التقدمي

  • Social Links:

Leave a Reply