ارتدادات زلزال تركيا وسورية اللاأخلاقية
م. سامر كعكرلي
سكرتير المكتب السياسي
لحزب اليسار الديمقراطي السوري
لم تقتصر الهزات الارتدادية للزلزال المٌدمر، الذي ضرب تركيا وسورية بتاريخ السادس من شباط على هزات في القشرة الأرضية، بل صاحبها هزات ارتدادية أخلاقية، كان منها الإيجابي تَمثل في هَبة الشعب السوري لمُناصرة السوريين المُتضررين من الزلزال، والبِدء بِحملاتٍ شعبيةٍ وأهليهِ، لجمع التبرُعات العَينية والمَادية كلٍ حَسب استطاعته، وقد رأينا فَزعة أهالي الجزيرة السورية، الذين أرسلوا ثلاثة وثمانين شاحنة إغاثة، لإخوانهم السوريين في وقت عَجزت الأمم المتحدة وكافة مُنظماتها على إرسال أكثر من خمسة عشر شاحنة.
ولكن، وبكل أسف!! كان هُناك بَعضُ الارتدادات الأخلاقية بشكلٍ سلبي، ولَعل أكثرها من ناحية انعدام الأخلاق، هو ما تَم تَداوله بِكثافة على وسائِل التَواصل الاجتماعي من مقاطع فيديو لشخصيات ليسَت مُتخصصة علمياً بالزلازل، أخذوا على عاتِقهم تفسير ما حصل في كل من تركيا وسورية، وكان تَركيزهم على تُركيا، وقد يكون هذا مَنطقياً لأنَ أضرار تُركيا أكبر من أضرار سورية، ولكن عِندما نُتابع مقاطع الفيديو تلك، نرى بأن التَركيز على تُركيا مُغاير للسبب المذكور، ولكن لأسباب أُخرى سنأتي على شرحها في سياق الأسطر القادمة.
وللذين لم يتابعوا تلك المقاطع، أُبين بِأنها تَنحصر في فِكرة أن الزلزال المٌدمر الذي أصاب تركيا، ما هو سِوى نَتيجة سلاحٍ أمريكي يسمى Haarp. وذلك بسبب مواقف تركيا ضد المشروع الأمريكي في المنطقة (على حسب زعم أصحاب مقاطع الفيديو).
وبعد المُشاهدة المُتأنية لمقطع الفيديو وما يحتويه من خُزعبلات وتَدجيل، يتضح وبكل تأكيد بأنه يدخُل في نِطاق التَرويج لتركيا، ليسَ كدَولة، بل كنظام حُكم على رأسه الرئيس أردوغان، ولا يحتاج المَوضوع لكثير من الذكاء والفِطنة ليكتَشف من يقف خلف تلك المقاطع، لأنه واضح جداً من شكل مُقدم التسجيل المَرئي، ومن طريقة حَديثه بأنه ينتمي لِجماعة الإُخوان المُسلمين في مصر- وبطبيعة الحال – ولأن تنظيم الإخُوان المُسلمين تنظيم مُرتبط ببعضه البعض، فبدأ إخوان سورية بالترويج لتلك التسجيلات المرئية.
ومَكمن الخَطر بِتلك التَسجيلات ليس الدفاع عن تركيا – ولو أنني أعتقد بأن تركيا قد أَضرت بثورتنا مثلها مثل الدول الإقليمية كافة إلا ما رَحم ربي- ولكن مَكمن الخَطر هو التطابق الرهيب بين الإخوان المسلمين وإيران ولي الفقيه، فالإخوان يتبنون مقولة “الشيطان الأكبر” عن أمريكا، هذا الشعار الذي أطلقه ورعاه الحرس الثوري الإيراني الذي أوغل في دماء شعبنا السوري. ومن ثم يأتي الاخوان المسلمين ليتبنوا هذا الشعار وليثبتوا في كل إعلامهم بأن عدو “الأمة” هو أمريكا ولا غير أمريكا، وذلك بهدف تَحويل النَظر عن الجرائم التي ارتكبتها إيران، ليس في سورية فقط، بل في أربع بلدان عربية سورية والعراق واليمن ولبنان الذي أضحى رهينة بيد حزب الله الإرهابي،. ويضاف إلى ذلك التطرق لروسيا ومحاولة التلميح بأنها مستهدفة أيضاً بمنظومة السلاح الأمريكي. ويُضيف مُقدم مقطع الفيديو ليبشر المُتابعين بأن أمريكا تُحضر لضَربة أُخرى بسلاحها المدمر، وستهدف هذه المرة المملكة العربية السعودية، وبرغم ذلك، يشرح ويقول بأن المُستهدف هو إيران لأن مضيق هرمز سيغلق على أثر الضربة وبالتالي ستمنع أمريكا إيران من تصدير نفطها.
وبطبيعة الحال فأنا غير مُدافع عن أمريكا، بل أنا أنتمي لحزب يساري يَعتبر الرَأسمالية الأَمريكية هي رَأسمالية مُتوحشة، تريد الهيمنة على ثَروات الشُعوب الضعيفة، ولكنني بنفس الوقت أُدرك بأن وطني في حالة ثورة ضد نظام الاستبداد، وأن إيران وروسيا قد دعما هذا النظام، وأدرك تماماً بأن الإخوان المسلمين لا يعنيهم أن أمريكا هي صاحبة قانون قيصر، الذي خنق نظام بشار الأسد اقتصادياً، وأنها ستكون لاحقاً صاحبة قانون الكبتاغون، الذي سيزيد حرمان نظام بشار الأسد من رفد ميزانيته من خلال الإتجار بالمخدرات، ولا يعني الإخوان المسلمين بأن أمريكا صاحبة الفيتو في وجه أي دولة تريد إعادة تعويم بشار الأسد والتطبيع معه. ولكن كل ما يعنيهم هؤلاء الذين تصدروا مشهد أعظم ثورة الثورة السورية، هو الدفاع عن تركيا التي يعتبرونها الأُم الحَنون لَهم، وأن سُورية العَظيمة بالنسبة لهم، ما هي سِوى الجَنين الذي لا غَضَاضَة بالتَضحية به لقاء سلامة الأم.
ومن المُضحك المُبكي، أن نرى بعض اليساريين، الذين ما زالوا يعيشون في أحلامهم الماضية، يتبنون مثل تلك المقاطع، ويُساهمون في نشرها، ليس حُباً بالإخوان المسلمين وفِكرهم، بل نَكَاية بعدوهم الرأسمالي القديم أمريكا. وحتى لا يَستَنهِض هَؤلاء هِمَمُهم، ويعلون الصوت ويصرخون: انظروا لهذا اليساري الذي يُدافع عَن عدوة الشُعوب أمريكا، أقول لهم: بِأنَني لستُ بِمُدافع عن أمريكا، ولكنني أُدرك بأن الدول ليست جَمعيات خَيرية، وإنها تَعمل وِفقَ أجنداتها ومصالحها، ونحن كثوار وكديمقراطيين، يجب أن نَبحث عن نِقاط الالتقاء بين مصالحنا كثورة، وكَشعب يَطمح للحرية، وبين مَصالح الدُول الأُخرى، وليسَ مِن مَهَامِنا التفَتيش في دَفاتِر المَاضي (وبدون شَك ماضي أَمريكا معنا ليس بالجيد) لنجد ما قد يُثني أمريكا، وغيرها من تقديم الدَعم ولو كان مُجرد دَعم لَغوي لِفظي ليس إلا.

Social Links: