مرثية السوري الحديث – أحمد زاهر حوا

مرثية السوري الحديث – أحمد زاهر حوا

مرثية السوري الحديث

أحمد زاهر حوا كاتب سوري

أتدرك ما معنى أن تولد محاطاً بعالمٍ لا يشبهك ،وتكون في جيشٍ يَستَحقِرك ويضَعك على الجبهة الحمراء لتكفن في علمٍ ظَل طُوال عُمرك يَثكلك، ليزفوك شهيداً لأجل قطعة أرضٍ لاتمثلك ،أتدرك حقيقة أنك البشري الوحيد الذي لم تعد تكفيه هذه الكرة الدائرية أو كما قال كارال سارغان “نقطةٌ زرقاء باهتة”
لا أحد بقي ماسكاً ذراعيك يهب لك الحياة ،فكل المروج الخضراء أصبحت باهتة وكل الأرض أصبحت لعبة في يدي تماثيلٍ متحركة ،لا أحد ،أنت وحدك في عالمٍ يرفض أن تلبس زي الكبرياء ،لأنك بلا وطن ولأن العالم اجتمع على فكرة أنك بلا إنتماء ولو استطاعوا ازهاق دمك لفعلوا، أو بالأصح فوالله قد فعلوا ونصبوا الأفخاخ حتى أصبحت جُرحاً نازفاً يتحرك بحثاً عن الماء ،ولا أقصد هنا أنك الملاك الطاهر المنزل من السماء ولكنك إنسان مثلهم ،كائن بشري ضعيف جاء من تلك النقطة البيضاء وسيكفن بالكفن الأبيض ،كائن له مشاعر مثل مشاعرهم وعاقلٌ مثلهم ولغتك لغتهم ودمك من دمهم ويكفيك أنك حقيقي وتكدح بالصخر لكي تعمر بيتك المهدم آلاف المرات ،يا ابن عمي أنت وحدك وتركت العرب وأحاط بك الغرب من كل جانب ليس لأنك بشري مثلهم بل لأنهم يحتاجون ساعدك الأسمر في عمرانهم ولأنهم رسخوا فكرة العبيد على مر العصور فلن يعودوا مثل ماكانوا ،يا ابن عم إن بلاد الشام أكبر من أن نحدث بها ،ولكنك التاريخ الذي أحرقوا هويتك لأجله ،يحاربونك ليل نهار ويحرقون السنابل التي زرعتها لكي تعود مجددا إلى حقولهم ،يا ابن عمي أسفي عليك لأنك من بلاد كل مافيها محطم ،وكل إنسان بها يحاول أن يخرج من الهاوية ليحرق الهوية التي تمثله ،فلا حدود العراق تفصلنا ولا فلسطين مثل الخنجر على خارطة العالم ،بل هي الضلع النازف على مر العصور ،يا بلاد الشام إني منك وأنت مني وإني أنا الآجئ الذي أنهكه طول الطريق وأهدرت قواه الناس التائهين في هذا المدى القصير ،فإن آن الأجل فإني مشتاقٌ لأن تحتضنني ثراك فإني ولله لم أجد بيتاً ولم أجد ناراً على الجبال ترشدني ،ولم أرى تلك العصا التي تشق الطريق ،فإن آن الأجل فها هي الشام تستقبل الموتى وبها تحت الأرض خنادق كثر ،فكونو طائعين ،فقد أزف الفراق الطويل وإعلم يا ابن عمي أن الأرض تتحضر لشيء عظيم.

  • Social Links:

Leave a Reply