حازم نهار
إيجابيات التطبيع
في السياسة، وفي الحياة أيضًا، لا يوجد شيء أو أمر أبيض كليًا أو أسود كليًا. كل شيء فيه شيء من البياض وشيء من السواد. الحنكة تظهر في استثمار البياض والحد من أثر السواد.
لم يكن التطبيع الجاري مع النظام مفاجئًا إلا لأولئك الذين لا يتقنون قراءة الاستراتيجيات، ويغرقون وينهمكون في التفاصيل اليومية، ولذلك يخفقون في قراءة مسارات الواقع وتحولاته، ولا يدركون الوقائع إلا بعد حدوثها فحسب، تمامًا مثل أي إنسان عادي غير سياسي أو غير متابع أو مطلع.
التطبيع مع “النظام السوري” تحديدًا مؤلم ومهين جدًا على المستوى النفسي، وهذا صحيح ومفهوم. لكنه قد لا يكون خسارة كلية على المستويات الأخرى، فما قبله لم يكن ربحًا أصلًا، والدليل هو الحالة الراهنة. بكلمة أخرى: لم يقدِّم “عدم التطبيع” لنا شيئًا في السابق أو لم نستفد منه كما ينبغي لنا، وليس حتميًا أن يكون “التطبيع” مفيدًا للنظام وخسارة لأكثرية السوريين.
الربح والخسارة يتعلقان بالدرجة الأولى بنا نحن السوريين؛ ماذا نفعل وماذا ننتج وماذا نخطط. الربح والخسارة منوطان بنا، ونحن لم نفعل شيئًا من شأنه أن يجعل الآخرين يتردّدون في التطبيع. نحن نستطيع، إن وعينا واتفقنا وتنظَّمنا، أن نستثمر كثيرًا من إيجابيات أي حدث، وأن نستبعد كثيرًا من سلبيات أي حدث. يقينًا، ومن المؤكد، أن مواجهة سلبيات التطبيع لا تكون بالنواح والندب، ولا بشتم المطبِّعين.
هناك شيء إيجابي في هذا “التطبيع”، ولو كان بمثقال ذرة (في التفاصيل مثلًا). تتجلى الحنكة السياسية في استثمار هذه الذرات أو التفاصيل وتعظيمها، لكن للأسف لا يوجد طرف سياسي سوري منظم ومتماسك ليحسن استثمار بعض التفاصيل الإيجابية في التطبيع، فالطبقة السياسية الرسمية لم تتقن، ولا تتقن أصلًا، إلا إطلاق الشعارات والصراخ والشحادة والتسول على أبواب الدول، فإذا ما أرادت أن تواجه عملية التطبيع الجارية فلن تجد في حوزتها إلا الشتائم والسباب بعد أن أفرطت سابقًا في مديح “الدول الصديقة للثورة” وتحولت إلى بيادق بيدها لا حول لها ولا قوة. من مديح السعودية إلى شتمها، ومن مديح تركيا إلى شتمها مستقبلًا، هذه هي كل المهارات السياسية التي تمتلكها، مهارات يتقنها أي طفل في المعمورة، بل ويتقن أكثر منها.
من إيجابيات هذا التطبيع أن “الكراكيب المعارضة” سيجري دفنها تدريجيًا، ومن الغباء فتح الباب لها بعد أن أصبحوا أصفارًا. وستظهر الأوزان الحقيقية للأفراد (خصوصًا من يُطلق عليهم وصف شخصيات وطنية، حكماء،… إلخ) على أساس معايير أخرى مغايرة لما هو سائد، مثل الثقافة والوعي السياسي والقدرة على التنظيم والإخلاص للمصلحة الوطنية وغيرها، بدلًا من الأوزان الفارغة التي تضخَّمت استنادًا إلى معايير تافهة أو سطحية أو مؤقتة أو مفتعلة، مثل الصوت العالي، والظهور على الفضائيات، والتمسّح بممثلي الدول حتى لو كانوا من الدرجة العاشرة، وممارسة النفاق الديني والقومي أو اللعب على وتر القوميات والطوائف والأديان، والاستقواء بالبارودة التي في اليد أو يد الأقارب أو في يد الدولة التي نسبِّح بحمدها. من الإيجابيات أيضًا أننا سننتهي من أوهام التقسيم والإمارات التي ركبت رؤوس البعض وما زالت، وربما سيخبو، بدرجة كبيرة نسبيًا، تأثير المحاور الطائفية، وتأثير الأيديولوجيات العابرة للحدود، الأيديولوجيات القومية والدينية.
مع مسار “التطبيع” المؤلم، ما عاد ممكنًا أن تأتي “شخصية معارضة” “مبجلة” لتدعي أنها تستطيع التأثير في الدولة الفلانية أو أن الدولة الفلانية ستدعم “المعارضين” و”الثورة”. ستظهر الحقيقة الحقيقية الوحيدة، وهي أن السوريين وحدهم، وأن الثورة الديمقراطية ليس لها من داعم فعلي، وهذه إيجابية مهمة بعد الأوهام التي استبدّت بأكثرية السوريين وبـ “نخبهم الموقَّرة”. سيكون السوريون فعلًا أمام تحدٍّ واضح وحقيقي ومباشر، من دون توسطات الدول وأوهام البعض وكذب البعض الآخر، يتمثَّل بأنَّ عليهم أن ينظموا أنفسهم سياسيًا من جديد وأن يُنتجوا قوى سياسية فعلية بدلًا من الكراكيب التافهة والرخيصة، وبعيدًا عن “الفقشات الإعلامية” السريعة والمسطَّحة والانتهازية، ومتطلبات هذا واضحة جدًا: الوعي، التنظيم، الصبر، وليس لنا من طريق غيره.

Social Links: