إعادة اختراع المجتمع المدني السوري
عبد الرحمن ربوع
أنتج السوريون على مدى اثنتي عشر سنة من الثورة السورية عددا لا يكاد يحصى من المنظمات السياسية والاجتماعية والخدمية والإغاثية والعسكرية. وخلال هذه السنين “العجاف” أنجِزَت الكثير من الأعمال المعنيّة بهيكلة ومأسسة هذه المنظمات في تجمعات وائتلافات لأهداف شتى تبدأ بتوحيد الجهود، ولا تنتهي بضبط التمثيل، تمثيل الثورة والمعارضة.
وفيما اضطربت “ضفة المعارضة” والثورة بفوضى التأسيس والحل، والتوحيد والانشقاق، حتى لا يكاد السوريون يذكرون أسماء وعدد منظماتهم وكياناتهم وأجسامهم التي أسسوها خلال الفترة السابقة؛ بقيت “ضفة النظام” محافظة على ثباتها ورتابتها منضبطة بقبضة أجهزة الأمن والمخابرات لا تكاد تخرج قيد أنملة عن التعليمات والتوجيهات المحددة سلفا لها من رأس النظام شخصيا أو نصائح داعميه وحُماته.
يُتوقع أن يسهد يوم الاثنين 5/6/2023 الإعلان عن “منصة مدنية” سورية في العاصمة الفرنسية باريس، منصة فرض الواقع ظروف وحيثيات وموقع تأسيسها وتشكيلها من أكثر من مائة وخمسين منظمة مجتمع مدني عاملة وفاعلة في الداخل والخارج برعاية رجل الأعمال السوري أيمن أصفري المقرب من المعارضة والمحسوب عليها، ويبدو أن الحاجة ماسة خلال الفترة المقبلة إلى هذه المنصة “مدنية” بحثا عن دور سياسي لشريحة واسعة من النشطاء والمؤسسات النشطة في الشأن العام، خصوصا بعد تلكؤ أعمال البعثة الأممية إلى سوريا وتجمد أعمالها وافتقاد الاتصال بينها وبين “الثلث المدني” المشارك في أعمالها السياسية والتفاوضية وغياب الآلية المقبولة شعبيا وتنظيميا في اختيار أعضاء هذا “الثلث”؛ بل تهافت أسلوب ومنهج الاختيار إلى درجة اختيارهم “مثالثة” من قبل النظام والمعارضة والمبعوث الأممي شخصيا!. الأمر الذي دائما ما أثار الشكوك حول جدوى وفاعلية هذا الاختيار، وما نعيشه ونلمسه في انسداد أفق أي عمل سياسي على صعيد البعثة الأممية التي “داخت” في دوامة فوضى المشهد السوري خلال إدارته وتنظيمه.. بغض النظر عن أسباب هذه الفوضى ومَن هم مرتكبوها أو المتسببون بها.
لكن ولأن السوريين لا يملكون رفاهية الاختيار، وفق منظومات طبيعية معتبرة ومعتادٍ عليها، بسبب التفرق السياسي والتباعد الجغرافي، فغالبا ما لجأوا إلى أسلوب المبادرة؛ يطرحها فريق ما يشتغل على الإعداد والترويج لها ودعوة الأقران والمعنيين للانضمام إليها إلى أن يتشكل جسم جامع، إلى حد ما، غالبا ما يفشل أو يعجز عن إنجاز كل مهامه وتحقيق جل أهدافه بعد اصطدامه بحائط الواقع الفوضوي والتدخلات: الخارجية الإملائية والداخلية التخريبية.
حقيقة، لا يمكن أن نتوقع لمنصة “مدنية” النجاح فيما فشلت به منصات سابقة، فقبل اثنتي عشرة سنة أنجِزت مبادرة وطنية مماثلة نهض بها نشطاء وطنيون برعاية رجل أعمال وطني، وتم جمع أكبر طيف ممكن من نشطاء المعارضة والثورة في أنطاليا، وتم تشكيل لجنة متابعة “منتخبة” لم تصمد أكثر من شهر واحد بعد انقلاب عليها الإخوان المسلمين ومن دار في فلكهم في اجتماع في بروكسل، ثم خلال أقل من ستة أشهر تم وأد التجربة تماما بتأسيس المجلس الوطني الذي لم يكن له من اسمه نصيب على الإطلاق.
بطبيعة الحال، ستنبري الأقلام وترتفع الأصوات لمهاجمة المبادرة التي ستلتئم في باريس خلال ساعات، لأنه ثمة مخاوف من نجاح!! هذه المبادرة في التأسيس لإنشاء جسم سياسي وطني قوي وفاعل يسحب البساط من تحت المعارضة الفاشلة ويرفع الغطاء عن النظام المخرب!.. والنجاح في إيجاد واجهة وطنية “محترمة” داخليا وخارجيا وفاعلة ومؤثرة في الفضاءات السياسية المحلية والإقليمية والعالمية يمكن التعويل عليها خلال اي استحقاقات مزمعة قد تستفيد من التوجه العربي الأخير الجاد لإيجاد حل للأزمة السياسية السورية من خلال “اللجنة الوزارية العربية” ومن الحرص المستمر من قبل مجموعة “أصدقاء سوريا” والبعثة الأممية والمصادر دوما مع واقع افتقاد الشريك السوري الجاد والايجابي والتفاعل والموضوعي…
على السوريين وغيرهم الانتظار حتى التئام الاجتماع التأسيسي للمنصة وما سيليه من أعمال ونشاطات وتحركات قبل الحكم على المشروع بالنجاح او الفشل وليروا إلى أي مدى يمكن للمجتمع المدني “المختار” المساهمة في إخراج البلد من حالة الانسداد السياسي والانهيار الاقتصادي والدمار المجتمعي والتمزق الديمغرافي وفوضى السلاح وتصارع الاحتلالات.. وهل يمكن لمجتمع مدني في هذا العالم وهذا العصر اللذين لا صوت يعلو فيهما على صوت السلاح والبلطجة أن يحقق اختراقا باتجاه حل أعقد أزمة سياسية شهدتها سوريا والمنطقة منذ عقود أو دهور.. وكيف يمكن لدبلوماسية أهلية ناعمة وضع قدم ثابتة راسخة في مستنقع سياسي فاسد خانق لزج محكوم بمجرمي حرب ومنظمات إرهابية وأطماع إقليمية ودولية؟!.
لا أريد القول أن السوريين يسيرون في حلقة مفرغة أو أنهم يعيدون المرة تلو المرة اختراع العجلة، وأنهم يكررون بكل همة واقتدار ما فعلوه سابقا مرارا متواليا كي لا أحبِط أو أشكك بالنوايا والمقاصد أو أقلل من الجهود والمساعي، لكن هذا هو الواقع الذي لايبدو أن لنا منه مخرج قريب.

Social Links: